
“أوبك+” تفتح الصنابير مجددا: زيادة خامسة على التوالي للإنتاج
سبع دول تقودها السعودية وروسيا تضخ 188 ألف برميل إضافي في أغسطس لموازنة السوق بعد صدمة الحرب واستئناف الإمدادات عبر هرمز
كتب أحمد سمير
في خطوة تعكس ثقة تحالف أوبك+ في تعافي السوق العالمية، اتفقت سبع دول رئيسية (السعودية، روسيا، العراق، الكويت، كازاخستان، الجزائر، وسلطنة عمان) على زيادة إنتاج النفط بمقدار 188 ألف برميل يوميًا اعتبارًا من أغسطس 2026، وقد حصلت السعودية على زيادة في إنتاجها ليصل إلى 10.416 مليون برميل يومياً، بينما ارتفع إنتاج روسيا بمقدار 62 ألف برميل يومياً 11، ويُشار إلى أن هذه الزيادة تأتي بعد انسحاب الإمارات من منظمة أوبك في مايو 2026، مما أعاد تشكيل ديناميكيات القرار داخل التحالف،هذه الزيادة الشهرية الخامسة على التوالي تأتي ضمن خطة الإلغاء التدريجي للتخفيضات الطوعية الإضافية التي أُعلنت في أبريل 2023.
يحدث هذا القرار في سياق جيوسياسي حساس، انخفاض أسعار برنت إلى حوالي 72 دولارًا للبرميل (مستويات ما قبل الصراع الأمريكي-الإسرائيلي-الإيراني)، واستئناف تصدير النفط عبر مضيق هرمز، يُظهر التحالف مرونة استراتيجية، حيث يوازن بين دعم الأسعار ومنع فائض الإمدادات الذي قد يؤدي إلى انهيار الأسعار، هذا النهج يعزز دور أوبك+ كـ”حارس استقرار” السوق، خاصة مع تعافي الطلب العالمي وتراجع التوترات في الشرق الأوسط.
القرار ليس مجرد رقم فني في جدول الحصص، بل رسالة سياسية واقتصادية مزدوجة، بعد أشهر من التخفيضات الطوعية الحادة التي دعمت الأسعار فوق 90 دولارا، يختار تحالف أوبك+ أن يغير اتجاه الدفة بهدوء محسوب.
التوقيت يكشف المنطق، أسعار النفط تتراجع إلى مستويات ما قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وصادرات الخليج بدأت تتعافى مع إعادة فتح مضيق هرمز تدريجيا، والتحالف يريد أن يمنع سيناريو الركود التضخمي في الدول المستهلكة دون أن يغرق السوق بفائض يدمر أسعاره هو نفسه.
ويأتي هذا القرار في سياق تعافٍ ملحوظ لصادرات الخام ، بعد توقيع مذكرة تفاهم أميركية-إيرانية، وعودة أسعار خام برنت إلى مستويات ما قبل الحرب التي اندلعت في أواخر فبراير، لكن السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه الزيادة المتتالية: هل تستطيع “أوبك+” فعلياً ضخ هذه الكميات إلى السوق، أم أن القرار يبقى “على الورق” في ظل عقبات لوجستية وسياسية معقدة؟ ،هل تستطيع السوق استيعاب هذه الزيادات المتتالية في ظل تقديرات متباينة لنمو الطلب العالمي؟
لماذا قرر تحالف أوبك+ زيادة الإنتاج في هذا التوقيت؟
جاء القرار استجابة لعدة عوامل، أبرزها توقعات ارتفاع الطلب العالمي خلال النصف الثاني من العام، خاصة مع زيادة الاستهلاك في الأسواق الآسيوية وموسم السفر الصيفي، كما يسعى التحالف إلى تجنب حدوث فجوة بين العرض والطلب، بما يحافظ على استقرار السوق ويمنع حدوث تقلبات حادة في الأسعار.
ثلاثة عوامل تزامنت الأحد الماضي في الاجتماع الافتراضي لوزراء الدول السبع:
استقرار هرمز: بدء تعافي الصادرات عبر المضيق بعد اضطراب الحرب، مما أزال مبرر علاوة المخاطر الجيوسياسية.
هبوط الأسعار: برنت عاد لمستويات ما قبل الحرب، مما يضغط على ميزانيات الدول المستوردة ويهدد الطلب العالمي. الضغط السياسي: الولايات المتحدة والهند ودول مستوردة كبرى تضغط علنا لخفض فاتورة الطاقة لدعم النمو.
الزيادة إذن هي صمام أمان يمنع انفجار أسعار جديد إذا تعثرت مفاوضات واشنطن وطهران.
ما الدافع الحقيقي وراء هذه الزيادة رغم استمرار اضطرابات الإمدادات؟
الدافع الأساسي هو استباق تراجع الأسعار الذي هدد مكاسب التحالف، فمع انحسار أزمة هرمز تدريجياً وعودة جزء من التدفقات النفطية، تراجع خام برنت إلى مستويات ما قبل الحرب، مما دفع “أوبك+” لزيادة الإنتاج للحفاظ على حصتها السوقية ومنع فقدان المزيد من العوائد، كما أن القرار يأتي في سياق ضغوط من الصين (أكبر مستورد) التي خفضت وارداتها، ومنتجين من خارج الشرق الأوسط عززوا صادراتهم، ما أجبر التحالف على التحرك لحماية توازن السوق.
ما السياق الأوسع لهذه الزيادة، وكيف تندرج ضمن خطة التحالف؟
هذه الزيادة ليست حدثاً منفرداً، بل تأتي ضمن خطة منسقة للتراجع التدريجي عن التخفيضات الطوعية الإضافية التي أقرتها الدول السبع في أبريل 2023 وقد رفعت هذه الدول إنتاجها بنحو 800 ألف برميل يومياً بين أبريل ويوليو 2026، وتشير التقديرات إلى أن الكميات المتبقية من التخفيضات الطوعية قد تُعاد بالكامل إلى السوق بحلول نهاية سبتمبر إذا استمرت الزيادة بالمعدل الحالي .
ويؤكد التحالف أن زيادة الإنتاج ستظل مرهونة بأوضاع السوق العالمية، مع الاحتفاظ بالمرونة الكاملة لتسريع أو إبطاء أو حتى عكس وتيرة إعادة الإمدادات إذا استدعت ظروف السوق ذلك، كما جدد التحالف التزامه بتعويض أي كميات زائدة منذ يناير 2024.
ما تأثير القرار على أسعار النفط العالمية؟
من المتوقع أن يسهم القرار في الحد من الضغوط الصعودية على الأسعار، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى انخفاض كبير، لأن الأسواق تتأثر أيضًا بعوامل أخرى، مثل الأوضاع الجيوسياسية، ومستويات المخزون العالمي، وحجم الطلب في الاقتصادات الكبرى، رد فعل الأسواق كان فورياً: هبطت الأسعار بنحو 1.5% بعد الإعلان، مع تداول خام برنت عند 71.73 دولاراً للبرميل، وهذا المستوى يشكل اختباراً حقيقياً لدول الخليج التي تحتاج أسعاراً أعلى (تتراوح بين 80-85 دولاراً) لتحقيق توازن موازناتها. لكن “أوبك+” تراهن على أن الزيادة المتواضعة لن تغرق السوق، بل سترسل رسالة طمأنة للمستهلكين بأن الإمدادات في طريقها للتعافي، مما قد يحد من تقلبات الأسعار على المدى الطويل.
كيف تنظر السوق العالمية لهذه الزيادة في ظل تقديرات الطلب؟
تتزامن هذه الزيادة مع مراجعة أوبك لتقديرات نمو الطلب العالمي على النفط. فقد خفضت المنظمة في تقريرها لشهر يونيو 2026 تقديرات نمو الطلب إلى نحو مليون برميل يومياً في 2026، مقارنة بتقديرات سابقة عند 1.2 مليون برميل يومياً، ليبلغ إجمالي الطلب المتوقع 106.1 مليون برميل يومياً . ومع ذلك، رفعت أوبك تقديرات نمو الطلب في 2027 إلى 1.7 مليون برميل يومياً، بزيادة 200 ألف برميل يومياً عن تقييم مايو، ليصل إجمالي الطلب العالمي إلى 107.9 مليون برميل يومياً .
هذا التباين في التقديرات يعكس حالة عدم اليقين التي تكتنف آفاق السوق، خاصة مع استمرار اتفاق السلام الهش بين الولايات المتحدة وإيران، والذي قد يؤثر على تدفقات النفط الإيرانية إلى السوق.
كيف تؤثر هذه الزيادة على أسعار النفط والاقتصاد العالمي؟
من المتوقع أن تضغط الزيادة قليلاً على الأسعار نحو الأسفل على المدى القصير، مما ينعكس إيجابًا على المستهلكين (انخفاض أسعار الوقود والغاز في دول مثل الولايات المتحدة). ومع ذلك، فإن الزيادة المحدودة لن تؤدي إلى فائض كبير، خاصة مع استمرار المراقبة الشهرية،على المدى المتوسط، تدعم نمو الاقتصاد العالمي من خلال تكاليف طاقة أقل، لكنها قد تقلل إيرادات الدول المنتجة إذا لم يرتفع الطلب.
هل تستطيع الدول السبع فعلاً تنفيذ هذه الزيادة على أرض الواقع؟
هنا يكمن التحدي الأكبر. فبيانات “أوبك” تشير إلى أن إنتاج التحالف تراجع من 42.77 مليون برميل يومياً في فبراير إلى 33.13 مليون في مايو، بسبب إغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط التابعة لأعضاء رئيسيين مثل السعودية والكويت والعراق، ومع أن حركة الملاحة بدأت تتحسن، إلا أن حركة السفن لا تزال دون مستويات ما قبل الحرب، وتحذيرات إيرانية مستمرة بشأن “الرد القوي” على أي سفن تخالف المسارات المصرح بها، لذا، فإن الزيادات المقررة بين أبريل ويوليو (نحو 800 ألف برميل يومياً) بقيت إلى حد كبير “على الورق”، وقد يتكرر السيناريو ذاته في أغسطس.
ما تأثير انسحاب الإمارات وخروج العراق عن النص؟
انسحاب الإمارات من “أوبك+” في مايو الماضي، إلى جانب مطالبة العراق بحصص أعلى، يضعان التحالف أمام اختبار تماسك داخلي غير مسبوق. فغياب لاعب رئيسي مثل الإمارات (التي تنتج نحو 3.5 مليون برميل يومياً) يقلص القدرة الجماعية للتحالف على التحكم بالسوق، ويزيد من صعوبة فرض الانضباط على الأعضاء المتبقين. وهذا يفسر لماذا شدد البيان على ضرورة “تعويض الإنتاج الزائد” منذ يناير 2024، في محاولة للحفاظ على مصداقية الاتفاق.
ما دور السعودية وروسيا في هذا القرار؟
الدولتان تقودان التحالف عمليًا. السعودية، بصفتها أكبر منتج، تضمن الالتزام بالانضباط، بينما روسيا توفر التوازن الجيوسياسي. قرارهما المشترك يعزز مصداقية أوبك+ ككيان موحد، رغم الخروج المحتمل لدول مثل الإمارات سابقًا.
ماذا يعني القرار لمصر والدول المستوردة؟
لمصر، الخبر إيجابي على المدى القصير، كل انخفاض 10 دولارات في برنت يوفر نحو 1.2 إلى 1.5 مليار دولار سنويا من فاتورة الاستيراد، ويخفف الضغط على التضخم وأسعار السولار والبنزين، لكن التأثير الأكبر سيكون على الهند التي تستورد 90% من احتياجاتها، وعلى الاقتصاد العالمي ككل، حيث زيادة المعروض تعني متنفسا للبنوك المركزية لمواصلة خفض الفائدة.
ما هي المخاطر التي قد تنقلب على أوبك+ نفسها؟
الخطر الأكبر هو فائض المعروض في الربع الرابع. إذا تباطأ الطلب الصيني وتسارعت عودة الإنتاج الليبي والفنزويلي، فإن السوق قد يدخل في تخمة تضغط الأسعار إلى ما دون 65 دولارا. عندها ستجد السعودية وروسيا نفسيهما مضطرتين للعودة إلى التخفيضات، مما يضر بمصداقية استراتيجية الزيادات التدريجية، لذلك جاء البيان بصيغة حذرة: مراجعة ظروف السوق وتوقعاته قبل كل تعديل.
ما أبرز التحديات التي تواجه تنفيذ هذه الزيادة؟
تواجه خطة زيادة الإنتاج عدة تحديات رئيسية، أبرزها:
الامتثال للتخفيضات السابقة: شدد التحالف على أهمية تعويض فائض الإنتاج السابق، وأكد التزام الدول بتحقيق الامتثال الكامل لـ”إعلان التعاون”.
تراجع الإنتاج الفعلي: أظهر تقرير أوبك لشهر يونيو أن إنتاج الدول المشاركة في اتفاق التعاون تراجع في مايو بنحو 185 ألف برميل يومياً على أساس شهري، ليبلغ 33.13 مليون برميل يومياً، مما يشير إلى أن الزيادة المقررة قد لا تترجم بالكامل إلى إمدادات فعلية الظروف الجيوسياسية: لا يزال إنتاج أوبك أقل بكثير من مستوياته قبل اندلاع الحرب، رغم قفزة الإنتاج في يونيو بمقدار 2.34 مليون برميل يومياً ليصل إلى 18.75 مليون برميل يومياً .
ما الرسائل السياسية التي يحملها القرار؟
القرار يؤكد أن أوبك+ ما زال لاعبًا رئيسيًا في سوق الطاقة العالمية، وقادرًا على اتخاذ قرارات جماعية تؤثر في الاقتصاد الدولي. كما يعكس استمرار التفاهم بين كبار المنتجين، رغم تصاعد التوترات السياسية والصراعات الإقليمية، وهو ما يعزز مكانة التحالف كقوة مؤثرة في معادلة الطاقة العالمية.
وفى نهاية الأمر قرار “أوبك+” برفع الإنتاج للمرة الخامسة على التوالي ليس مجرد خطوة فنية في جدول إنتاجي، بل اختبار حقيقي لقدرة التحالف على التكيف مع واقع جيوسياسي متغير. فبينما يراهن على تعافي مضيق هرمز وتراجع الأسعار كمبرر للزيادة، تظل العقبات اللوجستية والسياسية – من تحذيرات إيرانية إلى انسحاب الإمارات ومطالب العراق – تشكك في قدرته على الوفاء بالتزاماته، الأهم أن السوق باتت تدرك أن “الزيادات الورقية” قد لا تترجم إلى براميل فعلية، مما يجعل تأثير القرار على الأسعار محدوداً في المدى القصير، لكن الرسالة الأعمق التي يرسلها التحالف هي أنه، رغم كل التحديات، ماضٍ في استراتيجية “التعافي التدريجي” مع الاحتفاظ بحق العودة إلى التخفيضات إذا اشتدت العاصفة، في النهاية، يبقى التوازن بين الحفاظ على الأسعار واستعادة الحصة السوقية هو المعادلة الأصعب التي تواجه “أوبك+” في مرحلة ما بعد الحرب.
ويبقى السؤال الأهم:
هل ستنجح أوبك+ في الحفاظ على هذا التوازن الدقيق، أم أن التطورات الجيوسياسية والاقتصادية ستفرض على التحالف مراجعة استراتيجيته مرة أخرى خلال الأشهر المقبلة؟



