
الإمام الحسين… حين يصبح الدم طريقاً إلى حياةٍ أصدق
كتب محمد الجوهري
إلى الذين ما زالوا يسألون…
هل يمكن أن يكون الموتُ بدايةً للحياة؟
إلى الذين يخافون أن يدفعوا ثمنَ ما يؤمنون به…
ويبحثون عن رجلٍ قال:
«إني لا أرى الموتَ إلا سعادة،
والحياةَ مع الظالمين إلا برماً»…
هذه الحكاية… عن الحسين.
الحسين بن علي…
لم يكن رجلاً خرج يطلب سلطةً ضائعة.
كان ابنَ عليٍّ وفاطمة،
وحفيدَ النبيّ الذي قال فيه:
«حسينٌ مني… وأنا من حسين».
كان يعرف منذ صغره…
أن اسمه لن يكون مجرّد سطرٍ في كتاب السيرة،
بل جملةً كاملةً في كتاب الوعي البشري.
حين مات معاوية،
وجاء يزيدُ بنُ معاوية ليجلس على كرسيّ الحكم،
لم يكن الأمرُ تغييراً في الأسماء فقط.
كان تحوّلاً في معنى الإسلام نفسه.
دينٌ بُنيَ على العدالة والرحمة،
يُرادُ له أن يتحول إلى غطاءٍ
لِحُكمٍ يعربدُ بالخمر والظلم وانتهاك الحرمات.
في تلك اللحظة…
لم يكن الحسينُ أمام خيارٍ سياسيٍّ بسيطٍ
بين «القبول» و«الرفض».
كان أمام سؤالٍ وجوديٍّ:
هل يمكن أن يبايع من جعل الإسلامَ شعاراً…
وحوّلَه إلى أداةٍ لكسرِ الإنسان؟
الحسينُ لم يخرج إلى كربلاء لأنّه يحبّ الدم.
خرج لأنّه يحبّ الله…
ويعرف أن حبَّ الله لا يكتمل
مع السكوتِ عن ظلمِ عباده.
حين قال:
«إني لم أخرج أشِراً ولا بطِراً
ولا مُفسداً ولا ظالماً،
وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي»…
كان يعلن أن مشروعَه…
ليس ثورةَ غضبٍ عابرة،
بل محاولةُ إنقاذٍ لوجهِ الإسلام من التزوير.
في عاشوراء…
لم يكن الحسينُ وحده في الميدان.
كان معه أطفالٌ يصرخون من الظمأ،
ونساءٌ يَحملن خوفاً وأملاً معاً،
ورجالٌ يعرفون أن السيفَ أمامهم
وأنّ التاريخَ خلفهم… يكتب كلّ خطوة.
ومع ذلك…
لم يرجع.
لأنّ المسألة لم تعد مسألةَ «نجاةٍ شخصية».
بل مسألةُ سؤالٍ سيُطرَح على كلِّ الأجيال:
هل تفضّل أن تبقى حيّاً…
وتترك الحقَّ يموت؟
أم تقبل أن يموت جسدُك…
ويبقى الحقّ حيّاً في ضمير الأمة؟
الحسينُ…
لم يكن أستاذاً في الفقه فقط،
ولا خطيباً على منبرٍ فقط.
كان أستاذاً في العرفان العمليّ:
علّمنا أن أقوى أشكال التوحيد…
هو رفضُ أن تُسجَدَ الجباهُ لغير الله،
ولو كانت الجباهُ في أمانٍ ظاهريٍّ
تحت راياتٍ ملوّنة.
قال عملياً:
أن تقول «لا» لوجهٍ واحدٍ من وجوه الظلم…
أصدقُ من ألفِ «نعم» لِسَكينةِ الذلّ.
في ليلة عاشوراء…
لم يكن يقضي الوقت في التخطيط العسكري فقط.
كان يقف بين يدي الله،
وبعض الروايات تقول:
أنّه أمضى الليل بين صلاةٍ ودعاءٍ وتلاوة.
كأنّه يقول:
المعركةُ الحقيقية…
لا تبدأ حين ترتفعُ السيوف،
بل حين يثبتُ القلبُ في حضرة ربّه.
في كربلاء…
انكسر جسدُ الحسين…
لكن لم تنكسر روحه.
سقط على الثرى،
ورُفِعَ رأسُه على الرمح،
ودخلت نساؤه وأطفالُه سبايا
إلى مدنٍ كانت قبل أيامٍ
تُعلن الحبَّ لأهل البيت.
ومع ذلك…
لم يتراجع معنى ما فعل.
لأنّ الدمَ الذي نزف هناك…
لم يكن نهايةَ القصة،
بل بدايتَها.
من ذلك اليوم…
لم يعد ممكناً أن يُفهم الإسلام
بمعزلٍ عن كربلاء.
ولا أن يُفهم الحسين
بمعزلٍ عن قضية الإنسان الحرّ
في وجه كلِّ زمنٍ يعيد إنتاج يزيد
بأسماءٍ مختلفة.
الحسين…
ليس ذكرى تُستعاد كلَّ محرّمٍ فقط.
هو سؤالٌ يُستعاد كلَّ يوم:
حين ترى ظلماً…
هل تختار أن تكون مع «طمأنينة الجبن»…
أم مع «قلقِ الوقوف مع الحق»؟
وحين تشعر أن العالم
يريد أن يشتري صمتك،
هل تذكّر نفسك أن رجلاً
رفض أن يبيع حتى دمه…
إلّا لله؟
ربما لهذا…
كلّما ضاق قلبُ المؤمن،
لا يفتح فقط كتابَ التاريخ،
بل يفتح قلبَه على كربلاء…
ليَسمع الحسين يقول له،
مع كل خطوةٍ نحو العزة:
«لا أرى الموتَ إلا سعادة،
والحياةَ مع الظالمين إلا برماً».



