قراءة تحليلية هجومية في التناقض الأميركي بين استبعاد “النووي” والإصرار على “التدمير التقليدي الشديد”

مقابل مرونة إيرانية مشروطة برفع العقوبات

كتب أحمد سمير

تمثل تهديدات ترامب باستهداف موقع جبل الفأس محاولة لإنهاء الأزمة النووية، أم أنها استراتيجية لفرض الاستسلام السياسي على إيران؟
لا يمكن فصل التهديدات العسكرية الأميركية عن استراتيجية الضغط الشامل التي تتبعها واشنطن تجاه طهران؛ فالتلويح باستخدام أسلحة تقليدية شديدة التدمير لا يستهدف بالضرورة إلحاق أضرار مادية بالمنشآت الإيرانية فحسب، بل يهدف أيضًا إلى التأثير في حسابات القيادة الإيرانية ودفعها إلى إعادة النظر في مواقفها التفاوضية.
وتراهن إدارة ترامب على أن الجمع بين التفوق العسكري الأميركي والعقوبات الاقتصادية والتهديد باستهداف المنشآت الاستراتيجية يمكن أن يضع إيران أمام خيارين: تقديم تنازلات واسعة على طاولة المفاوضات، أو مواجهة مخاطر عسكرية واقتصادية متصاعدة.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها تناقضًا جوهريًا؛ فالضغط المفرط قد يدفع الطرف المستهدف إلى التفاوض، لكنه قد يدفعه أيضًا إلى التشدد ورفض تقديم تنازلات تحت التهديد، خصوصًا إذا اعتبرت القيادة الإيرانية أن الاستجابة للمطالب الأميركية ستفتح الباب أمام مطالب إضافية مستقبلًا.
ومن هنا، فإن نجاح ترامب لا يُقاس بمجرد توجيه ضربة عسكرية أو إلحاق أضرار بمنشأة إيرانية، بل بقدرته على تحويل التفوق العسكري إلى اتفاق سياسي قابل للاستمرار.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يريد ترامب اتفاقًا يحد من المخاطر النووية، أم يسعى إلى انتزاع تنازلات تتجاوز الملف النووي لتعيد تشكيل الدور الإيراني في المنطقة؟

هل يمثل التلويح بـ”أم القنابل” تصعيداً حقيقياً أم مجرد ورقة ضغط تفاوضية قبل الانتخابات النصفية الأميركية؟
ما أكدته تقارير عن مصادر عسكرية مطلعه تتحدث عن خطط عسكرية تشمل استخدام القنبلة الأكبر غير النووية في الترسانة الأميركية ضد بنية تحتية للطاقة ومواقع نووية، بما فيها جبل الفأس. ترامب نفسه وصفها بأنها “قنبلة كبيرة جداً لكنها ليست نووية”، مؤكداً أنه “ليس مضطراً” لاستخدام السلاح النووي. هذا الخطاب يخدم هدفين: طمأنة الرأي العام الأميركي والدولي بأن واشنطن لن تتجاوز الخط الأحمر النووي، وفي الوقت نفسه إرسال رسالة ردع قوية إلى طهران. لكن الشكوك العسكرية حقيقية: “أم القنابل” سلاح مساحة تأثير واسع وليست خارقة تحصينات عميقة، ما يثير تساؤلات حول جدواها ضد منشآت محصنة تحت الجبال. لذا يبدو التهديد أقرب إلى ورقة تفاوضية مدوية قبل الانتخابات النصفية منه إلى قرار عملياتي نهائي،والمفارقة أن واشنطن نفسها هي من انسحبت من الاتفاق النووي عام 2018، ثم تعود اليوم لتطالب باتفاق أكثر تشدداً تحت تهديد السلاح الأثقل في ترسانتها التقليدية،الرسالة السياسية: هدف ترامب الأساسي ليس التدمير الشامل للبرنامج بحد ذاته، بل نقل الرسالة إلى القيادة الإيرانية بأن “المنطقة الرمادية” أو التحصين الجغرافي لن يمنع واشنطن من إلحاق أضرار هيكلية واقتصادية جسيمة بالبنية التحتية، ملوّحًا بالتدمير لتفادي تقديم أي تنازلات سياسية مسبقة.

ماذا تعني الإشارة إلى استخدام «أم القنابل» مع استبعاد السلاح النووي؟ وهل يمكن اعتبار ذلك رسالة لطمأنة العالم؟
إن التمييز بين الأسلحة النووية والأسلحة التقليدية شديدة التدمير ضروري لفهم طبيعة التهديدات العسكرية. فقنبلة «أم القنابل»، المعروفة باسم GBU-43/B MOAB، سلاح تقليدي ذو قدرة تدميرية كبيرة، وليست سلاحًا نوويًا. كما أنها تختلف عن القنابل الخارقة للتحصينات المصممة لاستهداف المنشآت الموجودة تحت الأرض.
ومن المهم هنا عدم الخلط بين أنواع الذخائر؛ فمجرد الحديث عن استخدام قنبلة شديدة التدمير لا يثبت أن السلاح قادر على تدمير أي منشأة محصنة، إذ تتوقف النتائج على طبيعة الهدف وعمقه والتحصينات المحيطة به ونوع الذخيرة المستخدمة.
أما استبعاد الخيار النووي، فلا يعني أن أي هجوم تقليدي سيكون محدود العواقب أو خاليًا من المخاطر. فالضربات التقليدية ضد المنشآت الحساسة قد تتسبب في خسائر بشرية ومادية كبيرة، كما يمكن أن تؤدي إلى تصعيد متبادل إذا اعتبرت إيران أن الهجوم تجاوز الخطوط التي يمكنها قبولها.
سياسيًا، قد يكون التأكيد على استخدام الأسلحة التقليدية بدلًا من النووية محاولة لإظهار أن واشنطن لا تزال تتحرك ضمن مستوى معين من التصعيد، مع الاحتفاظ بقدرتها على توجيه ضربات قوية.
لكن ذلك لا يكفي وحده لطمأنة المجتمع الدولي؛ لأن خطورة الأزمة لا تتحدد بنوع السلاح المستخدم فقط، بل بالأهداف المستهدفة، وحجم الخسائر، وطبيعة الرد الإيراني المحتمل.
فهل يكون استبعاد السلاح النووي خطوة حقيقية لاحتواء التصعيد، أم مجرد تحديد لنوع القوة التي يمكن لواشنطن استخدامها دون التخلي عن خيار الحرب؟
2. لماذا استبعد ترامب استخدام الأسلحة النووية علناً وأصر على أن “أم القنابل ليست نووية”؟ هل هي رسالة لطمأنة الداخل الأميركي أم للالتفاف على القانون الدولي؟

الاستبعاد الذكي للنووي
عندما يقول ترامب “لن أستخدم النووي، لا نحتاج لذلك”، فهو يوجه ثلاث رسائل: الأولى للداخل الأميركي بأنه رئيس لا يجر العالم لحرب نووية. الثانية للمجتمع الدولي بأنه يحترم الخط الأحمر النووي. الثالثة والأخطر لطهران: لدي سلاح تقليدي يفعل نفس فعل النووي دون تبعات سياسية. تشبيهه لأم القنابل بأنها “مثل قنبلة نووية صغيرة” هو اعتراف ضمني بأن الهدف هو إحداث رعب نووي بأدوات تقليدية، والتهرب من المحاسبة.
البديل التقليدي الخارق: يسعى ترامب لاستبدال الردع النووي بـ “الردع التقليدي الفائق” عبر الموازنة بين استخدام أسلحة تقليدية مدمرة ورفع وتيرة الحصار الاقتصادي، للوصول إلى النتيجة ذاتها دون تحمّل الكلفة الأخلاقية والقانونية الدولية للأسلحة النووية.
لماذا يصر ترامب على استبعاد “الخيار النووي” بينما يهدد بسلاح تقليدي “يشبه النووي” في تأثيره؟ ألا يعد هذا تحايلاً على قواعد الاشتباك الدولية؟
ازدواجية “استبعاد النووي” والتهديد بـ”النووي التقليدي”: استبعاد ترامب لاستخدام السلاح النووي يبدو للوهلة الأولى خطوة مسؤولة، لكنه سرعان ما ينسف هذا الاستبعاد بقوله إن “أم القنابل” هي “قنبلة ضخمة للغاية وتشبه في قوتها التدميرية قنبلة نووية صغيرة لكن من دون إشعاعات”. هذه المقارنة الخطيرة تعني أن واشنطن تحتفظ لنفسها بحق استخدام قوة تدميرية “شبه نووية”، ولكن بذريعة أنها “تقليدية”. والأدهى من ذلك، أن هذه القنبلة “تستطيع تدمير مساحة تعادل تسعة أحياء سكنية”، مما يثير “مخاوف من وقوع ضحايا مدنيين” إذا استخدمت ضد منشآت قريبة من مناطق مأهولة. إذن، الاستبعاد النووي ليس التزاماً أخلاقياً، بل هو مناورة قانونية وسياسية لتجنب العزلة الدولية التي قد تنجم عن استخدام سلاح نووي، مع الإبقاء على “الترهيب” بأقصى قدر ممكن من القوة التقليدية.
ما الذي يجعل جبل الفأس هدفاً مركزياً بهذا الشكل رغم الشكوك حول فعاليته ضد المنشآت المدفونة تحت طبقات الغرانيت؟

لماذا جبل الفأس تحديداً؟
الموقع يقع على مسافة قريبة من نطنز، ويُعتقد أميركياً وإسرائيلياً أنه يضم أنفاقاً محصنة قد تُستخدم لتخزين أو تصنيع مكونات مرتبطة بالبرنامج النووي. طهران تنفي أي نشاط نووي هناك وتصف التركيز الأميركي بأنه “ذريعة مفبركة”. المشكلة أن المنشأة مدفونة تحت طبقات صخرية سميكة تجعل تدميرها الكامل صعباً حتى بأقوى الأسلحة التقليدية. استهدافه إذاً يحمل رسالة رمزية قوية أكثر مما يحمل ضماناً عسكرياً مطلقاً: “نحن نستطيع الوصول إلى أعمق مواقعكم”. لكن أي ضربة فاشلة أو جزئية قد تُضعف المصداقية الأميركية وتمنح إيران فرصة للادعاء بالصمود.
إذا كان “جبل الفأس” محصناً بصخور الغرانيت على عمق يتجاوز 100 متر، فما جدوى التهديد الأمريكي أصلاً؟ وهل نحن أمام حرب نفسية أكثر منها حرب فعلية؟
“جبل الفأس”: لغز استخباراتي يخدم الطرفين: الغموض الذي يكتنف موقع “جبل الفأس” هو سلاح ذو حدين. فمن ناحية، إيران تمنع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من زيارته، مما يجعل “المزاعم الأمريكية حول تدمير أهداف حساسة، أو الادعاءات الإيرانية بنقل كامل العتاد النووي إلى بطن الجبل، أموراً غير محسومة استخباراتياً”، كما يؤكد الخبراء. هذا الغموض يسمح لطهران بادعاء امتلاك قدرات لا تملكها، ويسمح لواشنطن بادعاء تدمير قدرات لم تدمرها. ومن ناحية أخرى، هذا الغموض هو ما يمنح التهديدات الأمريكية مصداقية زائفة؛ فطالما لا يوجد تأكيد قاطع على ما يحتويه الموقع، يمكن للجانبين مواصلة حرب السرديات دون حسم ميداني. وهنا تكمن المفارقة: “جبل الفأس” ليس مجرد منشأة نووية، بل هو “لغز” سياسي وإعلامي يستخدمه كل طرف لخدمة أجندته.
هل تصريحات بزشكيان عن رفض السلاح النووي والاستعداد للحوار كافية لكسر الجمود، أم أنها مجرد إعادة إنتاج للموقف التقليدي الإيراني؟

موقف بزشكيان: انفتاح مشروط أم مناورة دفاعية؟
الرئيس الإيراني يكرر موقفاً ثابتاً: إيران لا تسعى لسلاح نووي (مستنداً إلى فتاوى المرشد السابق)، ومستعدة للحوار تحت إطار معاهدة عدم الانتشار والقانون الدولي، لكنها ترفض التفاوض تحت ضغط العقوبات أو التهديد العسكري. هذا الخطاب يضع الكرة في الملعب الأميركي: “ارفعوا العقوبات أولاً ثم تعالوا نتحدث”. من الناحية التكتيكية، يمنح هذا الموقف طهران غطاءً أخلاقياً ودبلوماسياً، ويجنبها الظهور بمظهر الطرف الضعيف. لكن التجربة التاريخية تظهر أن مثل هذه الشروط غالباً ما تتحول إلى عقبة أمام أي تقدم حقيقي، خاصة مع وجود خلاف جوهري حول مستوى التخصيب والرقابة.
إلى أي مدى تستطيع إيران الصمود أمام عقوبات أميركية متجددة من دون تقديم تنازلات جوهرية في برنامجها النووي؟


العقوبات والقدرة على الصمود
العقوبات الأميركية تبقى الأداة الأكثر إيلاماً لإيران على المدى الطويل. بزشكيان يصفها بأنها مخالفة للمبادئ الإنسانية، ويؤكد رفض الخضوع لها. الواقع الاقتصادي الإيراني صعب، لكن النظام أثبت مرونة نسبية عبر شبكات التهريب والتحالفات مع الصين وروسيا. السؤال ليس هل ستنهار إيران، بل إلى أي مدى يمكن للضغط الاقتصادي أن يُجبر النخبة الحاكمة على تقديم تنازلات نووية ملموسة دون أن يبدو الأمر استسلاماً. التجربة السابقة (ما قبل 2026 وما بعدها) تُظهر أن العقوبات وحدها لم تكن كافية، وأن الجمع بينها وبين التهديد العسكري هو ما يُنتج ديناميكية جديدة.

هل يمكن اعتبار تصريحات بزشكيان حول “عدم السعي لسلاح نووي” و”الاستعداد للمفاوضات” بمثابة تنازل استراتيجي، أم أنها مجرد تكتيك لكسب الوقت ورفع الحصار الاقتصادي؟
المرونة الإيرانية: بين التكتيك والاستراتيجية: تصريحات بزشكيان تحمل طبقتين: الأولى معلنة وتؤكد “عدم السعي لامتلاك سلاح نووي” والاستعداد للحوار، والثانية شرطية تربط أي مفاوضات بـ”رفع العقوبات والتهديدات” أولاً. هذا الموقف ليس تنازلاً مجانياً، بل هو تكتيك تفاوضي ذكي في مواجهة “أقصى ضغط” أميركي. فطهران تدرك أن “جبل الفأس” هو نقطة قوتها التفاوضية الأخيرة؛ فطالما أن الموقع محصن ويصعب تدميره، فإنها تحتفظ بورقة ضغط لا يمكن لواشنطن تجاوزها. ولذلك، فإن “الاستعداد للمفاوضات” الإيراني هو في جوهره محاولة لكسر الحصار الاقتصادي الذي يخنق البلاد، دون تقديم تنازلات جوهرية في برنامجها النووي قبل رفع هذا الحصار. كما أن بزشكيان يدرك أن “الحرب ليست في مصلحة إيران ولا في مصلحة المنطقة أو العالم”، مما يمنحه غطاءً سياسياً لرفض التصعيد العسكري دون أن يبدو ضعيفاً.
هل يملك الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان هامشاً حقيقياً للمناورة الدبلوماسية في ظل اشتراطه إلغاء أو رفع العقوبات قبل أي حوار جاد مع واشنطن؟
الاستراتيجية الإيرانية وموقف مسعود بزشكيان:
الخطاب المزدوج: بزشكيان يتبنى نبرة الاعتدال والانفتاح الدبلوماسي لإحراج واشنطن أمام المجتمع الدولي، مؤكدًا السلمية المزعومة للبرنامج النووي، وفي الوقت نفسه يُرسخ قواعد الاشتباك التفاوضي: لا مفاوضات تحت المقصلة أو قيود العقوبات.
استنزاف الوقت والواقعية الاستراتيجية: تدرك إيران أن المحادثات بحد ذاتها تمنحها وقتاً ثميناً لمواصلة تعميق تحصيناتها وتجاوز كبوات ضرب المنشآت السطحية، وبالتالي، فإن رفض الخضوع للعقوبات يُعتبر الشرط الأهم لعدم تحويل طاولة المفاوضات إلى منصة استسلام.
هل تصريحات بزشكيان عن الاستعداد للحوار تعكس انقساماً حقيقياً داخل النظام الإيراني، أم مجرد مناورة لكسب الوقت بعد أن أكدت التقارير أن الضربات الأميركية- الإسرائيلية في 2025 و 2026 أخرت البرنامج أكثر من عامين؟
الإيراني المشروط 
بزشكيان يقول “مستعدون للجلوس مرة أخرى على مائدة المفاوضات للحوار مع رفض تام للخضوع لأي عقوبات”. هذه هي المعضلة الإيرانية الأزلية. طهران تريد رفع العقوبات كشرط مسبق للحوار، وواشنطن تريد الحوار كشرط لرفع العقوبات. النظام في طهران منهك اقتصادياً، ومجمع جبل الفأس هو آخر أوراقه التفاوضية المحصنة. عرضه للحوار ليس قوة، بل اعتراف بأن التهديد الأميركي وصل للعظم، خصوصاً بعد أن دمرت البنية التحتية النووية بشكل كبير حسب تصريحات ترامب نفسه.
هل يمكن أن يؤدي استبعاد الخيار النووي الأميركي إلى فتح باب مفاوضات جادة، أم أنه يُشجع طهران على المماطلة؟
استبعاد النووي: فرصة أم فخ؟
باستبعاد السلاح النووي، يحاول ترامب رسم حدود للصراع ويفتح باباً للمفاوضات. لكنه في الوقت نفسه يُزيل أكبر ورقة ردع، ما قد يشجع بعض الأجنحة داخل إيران على المراهنة على أن واشنطن لن تذهب بعيداً. التوازن الدقيق هنا هو أن التهديد التقليدي يجب أن يكون مقنعاً بما يكفي لفرض تنازلات، دون أن يصل إلى نقطة اللاعودة التي تُشعل حرباً شاملة.
ماذا يعني تهديد مسؤول إيراني بالرد بـ “القنبلة الجدة” مقابل “أم القنابل” الأمريكية؟ هل تمتلك طهران فعلاً ورقة ردع غير تقليدية؟

أسطورة الردع المتبادل
الحديث الإيراني عن امتلاك “القنبلة الجدة” هو دعاية حرب نفسية رخيصة. إيران لا تمتلك سلاحاً يوازي MOAB الأميركية التي تزن 21,600 رطل واستخدمت مرة واحدة في أفغانستان عام 2017. كل ما تملكه طهران هو صواريخ باليستية وميليشيات إقليمية وتهديد بإغلاق مضيق هرمز. لكن ترامب أغلق باب القوات البرية وقال “لن نرسل جنوداً”، مما يعني حرب جوية تدميرية خالصة لا تستطيع إيران مجاراتها.
هل يستطيع مسعود بزشكيان تحويل تأكيده عدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي إلى مدخل حقيقي لتسوية الأزمة مع واشنطن؟
يمثل تأكيد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن بلاده لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي رسالة سياسية موجهة إلى الداخل الإيراني والخارج على حد سواء. فمن ناحية، تسعى طهران إلى نفي أن يكون هدفها النهائي هو امتلاك سلاح نووي، ومن ناحية أخرى، تحاول إبقاء الباب مفتوحًا أمام تسوية دبلوماسية يمكن أن تخفف الضغوط الاقتصادية والعسكرية المفروضة عليها.
لكن التصريحات السياسية، مهما كانت أهميتها، لا تكفي وحدها لحسم الخلاف النووي بين الطرفين. فالمشكلة الأميركية- الإيرانية لا تتعلق فقط بما تعلنه القيادة الإيرانية عن نواياها، بل تتصل أيضًا بمستوى تخصيب اليورانيوم، ومخزون المواد النووية، وآليات الرقابة والتحقق، ومدى قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على التحقق من طبيعة الأنشطة النووية الإيرانية.
ومن هنا، فإن تحويل التصريحات إلى اتفاق يتطلب خطوات عملية متبادلة، تشمل ترتيبات واضحة للرقابة النووية، وضمانات قابلة للتحقق، وتحديد الالتزامات التي يتعين على كل طرف تنفيذها.
وفي المقابل، تحتاج إيران إلى معرفة ما ستحصل عليه إذا قدمت تنازلات؛ فالاتفاق الذي يفرض التزامات نووية على طهران من دون أن يتيح مسارًا واضحًا لتخفيف العقوبات قد يواجه صعوبة في اكتساب الدعم السياسي اللازم داخل إيران.
كما أن بزشكيان لا يتحرك منفردًا في تحديد السياسة الاستراتيجية الإيرانية؛ فهناك مؤسسات ومراكز قوة أخرى تشارك في صياغة القرارات المتعلقة بالأمن القومي والبرنامج النووي.
لذلك، فإن نجاحه في دفع المفاوضات إلى الأمام يتوقف على قدرته على بناء توافق داخلي إيراني، بالتوازي مع الحصول على ضمانات أمريكية يمكن الوثوق بها.
وهنا يبرز السؤال: هل تستطيع واشنطن وطهران الانتقال من تبادل التصريحات إلى صياغة اتفاق قابل للتحقق، أم سيظل الملف النووي أداة للمساومة السياسية دون حل جذري؟

كيف يمكن تفسير استعداد إيران للعودة إلى المفاوضات بالتزامن مع رفضها الخضوع للعقوبات الأميركية؟

لا يوجد تناقض ضروري بين الاستعداد للتفاوض ورفض الخضوع للعقوبات؛ فالدول قد تقبل الحوار من أجل تخفيف المخاطر، من دون أن توافق مسبقًا على شروط الطرف الآخر أو تتنازل عن مواقفها الأساسية.
وتدرك إيران أن استمرار العقوبات الأمريكية يفرض ضغوطًا على اقتصادها، ويؤثر في قدرتها على جذب الاستثمارات وتسهيل المعاملات المالية والتجارية، فضلًا عن انعكاساته على سعر العملة ومستويات المعيشة.
لكن القيادة الإيرانية تحاول في الوقت نفسه تجنب تقديم تنازلات يمكن تفسيرها داخليًا باعتبارها نتيجة مباشرة للتهديدات الأميركية. فقبول التفاوض لا يعني بالضرورة قبول الإملاءات، كما أن رفض العقوبات لا يعني رفض كل أشكال التسوية.
وتسعى طهران، من خلال هذا الموقف، إلى تثبيت معادلة تقوم على التفاوض المتبادل بدلًا من التفاوض تحت الضغط الأحادي. فهي تريد أن تكون أي تنازلات نووية أو استراتيجية جزءًا من اتفاق يتضمن مكاسب مقابلة، وليس استجابة مفتوحة للمطالب الأمريكية.
في المقابل، قد ترى واشنطن أن استمرار العقوبات يمنحها ورقة ضغط مهمة يمكن استخدامها للحصول على التزامات إيرانية أوسع.
لكن استمرار هذه المعادلة من دون وجود مخرج دبلوماسي قد يؤدي إلى استنزاف الطرفين؛ إذ تتحمل إيران أعباء اقتصادية، بينما تواجه الولايات المتحدة مخاطر توسع الأزمة وارتفاع تكاليف الردع العسكري واحتمال اضطراب أسواق الطاقة.
فهل تستطيع طهران تحويل رفضها للعقوبات إلى ورقة تفاوضية تمنحها شروطًا أفضل، أم أن استمرار الضغوط سيضعها أمام خيارات أكثر صعوبة؟
هل يمكن أن تؤدي ضربة أميركية ضد موقع استراتيجي داخل إيران إلى رد إيراني يوسع نطاق المواجهة في الشرق الأوسط؟
هذا أحد أخطر السيناريوات التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقييم أي تهديد باستهداف منشأة استراتيجية إيرانية.
فالهجوم العسكري لا ينتهي بالضرورة عند حدود الهدف الذي استُهدف؛ إذ يتوقف مسار التصعيد على طبيعة الضربة، وحجم الخسائر، والأهمية الاستراتيجية للموقع المستهدف، ومدى اعتقاد القيادة الإيرانية بأن الرد ضروري للحفاظ على قدرتها على الردع.
وقد تتنوع الخيارات الإيرانية المحتملة بين الرد المباشر، أو استخدام أدوات ضغط عسكرية وأمنية، أو استهداف مصالح مرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة، أو اللجوء إلى وسائل أخرى ترفع تكلفة المواجهة على واشنطن وحلفائها.
لكن لا يمكن الجزم مسبقًا بطبيعة الرد أو حجمه، كما لا ينبغي افتراض أن إيران ستختار بالضرورة السيناريو الأكثر تصعيدًا؛ فقد توازن قيادتها بين ضرورة الرد وبين مخاطر الانزلاق إلى حرب واسعة.
وفي المقابل، ستجد الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة مشابهة: إذا ردت على أي هجوم إيراني بضربات إضافية، فقد تدخل في دائرة من التصعيد المتبادل يصعب احتواؤها، وإذا امتنعت عن الرد، فقد تواجه تساؤلات بشأن مصداقية تهديداتها وقدرتها على حماية قواتها ومصالحها.
ولا تقتصر المخاطر على البلدين؛ إذ يمكن أن تمتد التداعيات إلى دول الخليج، والعراق، وبلدان أخرى في المنطقة، فضلًا عن تأثيراتها المحتملة على الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة والأسواق العالمية.
لذلك، فإن أخطر ما في التهديدات العسكرية ليس فقط حجم الدمار الذي قد تحدثه الضربة الأولى، بل احتمالات تحولها إلى سلسلة من الضربات والردود التي يعجز الطرفان عن التحكم في نهايتها.
فإذا كانت واشنطن قادرة على بدء المواجهة، فهل تملك ضمانات حقيقية تمنعها من التحول إلى حرب إقليمية واسعة؟
ما موقف المجتمع الدولي، وهل يمكن للقوى الكبرى منع انفجار المواجهة الأميركية- الإيرانية؟

تتجاوز الأزمة الأميركية- الإيرانية حدود العلاقات الثنائية، نظرًا إلى ارتباطها بأمن الطاقة العالمي، والاستقرار الإقليمي، ونظام منع الانتشار النووي، ومصالح القوى الكبرى.
فأي تصعيد عسكري واسع قد يضع الدول الأوروبية أمام معادلة معقدة تجمع بين الحفاظ على علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، وتجنب انهيار المسار الدبلوماسي مع إيران، وحماية مصالحها الاقتصادية من اضطرابات أسواق الطاقة.
أما الصين، فتملك مصالح مهمة في استقرار إمدادات الطاقة والتجارة الدولية، وهو ما يمنحها دافعًا لتشجيع احتواء التصعيد. وتواجه روسيا بدورها حسابات مرتبطة بتوازنات القوة الدولية وعلاقاتها مع طهران وواشنطن.
لكن قدرة هذه القوى على التأثير في مسار الأزمة تظل مرتبطة باستعداد الطرفين الأمريكي والإيراني للاستجابة للوساطات والضغوط الدبلوماسية.
كما أن دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية يظل مهمًا في المسائل المتعلقة بالتحقق من الأنشطة النووية، لكنه لا يمكن أن يحل محل التفاوض السياسي بين الدول المعنية.
ومن هنا، فإن منع الحرب يتطلب أكثر من دعوات عامة إلى ضبط النفس؛ إذ يحتاج إلى قنوات اتصال فعالة، وتفاهمات بشأن الخطوط الحمراء، وترتيبات تقلل احتمالات سوء التقدير، ومسار تفاوضي يتضمن التزامات واضحة ومتبادلة.
ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في قدرة القوى الكبرى على فرض التسوية؛ فالدول المتنافسة قد تستمع إلى الوساطات، لكنها تظل صاحبة القرار النهائي بشأن استخدام القوة أو قبول الاتفاق.
فهل تنجح الدبلوماسية الدولية في احتواء الأزمة قبل تحول التهديدات إلى مواجهة مباشرة، أم أن منطق القوة سيهمش دور الوسطاء ويترك المنطقة أمام تداعيات يصعب احتواؤها؟
في المحصلة، نحن لا نقف أمام “حرب وشيكة” بين واشنطن وطهران، بل أمام “مسرح للابتزاز المتبادل”.
إن المواجهة الأمريكية الإيرانية تكشف عن مأزق أعمق من مجرد الخلاف حول البرنامج النووي؛ إنها مواجهة بين استراتيجية أميركية تراهن على التفوق العسكري والعقوبات لفرض شروطها، واستراتيجية إيرانية تحاول مقاومة الضغوط والحفاظ على أوراقها التفاوضية دون الانجرار إلى حرب قد تكون تكلفتها باهظة.
فالرئيس دونالد ترامب يستطيع التلويح بالقوة، ويمكن للولايات المتحدة امتلاك قدرات عسكرية هائلة، لكن التفوق في ميدان السلاح لا يعني بالضرورة تحقيق انتصار سياسي مستدام. فالتاريخ يقدم شواهد عديدة على أن تدمير الأهداف العسكرية لا يضمن تغيير سلوك الدول أو إخضاعها بصورة نهائية.
وفي المقابل، لا ينبغي لطهران أن تتعامل مع قدرتها على الصمود باعتبارها ضمانة مطلقة؛ فالحروب لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على تحمل الضربات، وإنما أيضًا بحجم الخسائر التي يمكن أن تتعرض لها، وبقدرتها على حماية شعبها واقتصادها ومصالحها الاستراتيجية.
أما الحديث عن استبعاد الأسلحة النووية، فلا ينبغي أن يتحول إلى غطاء سياسي يقلل من خطورة التهديد باستخدام أسلحة تقليدية شديدة التدمير. فالمعيار الحقيقي ليس اسم السلاح، بل حجم الدمار الذي قد يحدثه، واحتمالات اتساع المواجهة، والعواقب التي قد يتحملها المدنيون في إيران والمنطقة.
والأكثر خطورة أن يتحول التفاوض إلى مجرد استراحة بين جولتين من التصعيد؛ إذ لا يمكن بناء اتفاق مستقر إذا اعتقد أحد الطرفين أن الحوار وسيلة لانتزاع الاستسلام، أو اعتقد الطرف الآخر أن الصمود وحده يغنيه عن تقديم التزامات قابلة للتحقق.
إن المطلوب ليس منح واشنطن انتصارًا دعائيًا، ولا توفير غطاء لطهران كي تتجنب الالتزامات الدولية، بل الوصول إلى تسوية متوازنة تحد من المخاطر النووية، وتفتح طريقًا واقعيًا لمعالجة العقوبات، وتمنع استخدام القوة بوصفها بديلًا دائمًا عن الدبلوماسية.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى