
عمارة الأكاذيب
كتبت د شيرين العدوي
في عالم تتسارع فيه دقات أكواد البرمجيات، وأصوات الذكاء الاصطناعي، نتأمل كيف تهندس الشائعات عقول الأمم؟ لا تولد الشائعات من فراغ؛ بل تستند إلى بنية تحتية من الهندسة الاجتماعية والنفسية.
فوفقا لنظرية العالم الأميركي بول لازار سيفلد التي تقول: تتدفق المعلومات على مرحلتين: المرحلة الأولى: تنتقل فيها الأخبار من وسائل الإعلام التقليدية إلى قادة الرأي؛ أو من يمتلكون المعارف الأعمق في بيئتهم كالعلماء والوجهاء والمؤثرين، ثم المرحلة الثانية: التي يقوم فيها هؤلاء القادة بتلقي المعلومات وتصنيفها وتفسيرها، وإعادة بثها للجمهور عبر قنوات الاتصال الشخصي والمباشر. هذه النظرية أكدت أن العقل البشري ليس متلقيا إسفنجيا يمتص الرسائل الإعلامية، بل إنه يخضع لمرشحات اجتماعية نفسية، وأن التأثير الاجتماعي الشخصي «وجها لوجه» غالبا ما يكون أكثر إقناعا.
تظل هذه النظرية حجر الأساس لتفسير آليات انتشار الشائعات؛ حيث نرى المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي يلعبون دور القادة الجدد في تزييف الأخبار وقيادة الرأي العام. وتتكامل هذه النظرية مع أبحاث معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) حول انتشار المعلومات المضللة التي أثبتت أن الأخبار الكاذبة تتفوق سرعة وعمقا على الحقائق؛ لأنها تلامس غرائز الخوف والدهشة، كما تفسرها نظرية «التضخيم الاجتماعي للمخاطر»؛ إذ يزخر التاريخ بنماذج عابرة للعصور تثبت أن الشائعات كانت دائما سلاحا استراتيجيا لاستنزاف الدول. فبالعودة إلى نهايات العصر العباسي من خلال قراءة تحليلية في كتابات: المقريزي وابن خلدون والأبحاث الأكاديمية حول الدعاية الفاطمية؛ نكتشف أن بزوغ الدولة الفاطمية لم يبن على حسم عسكري مفاجئ؛ بل سبقه زلزال إعلامي دقيق. لقد أدار جهاز الدعوة الفاطمية منظومة متكاملة من الشائعات الموجهة؛ بدءا من الترويج لفكرة: «اقتراب ظهور المهدي المنتظر» والتبشير بمستقبل لا فساد فيه تسوده العدالة الاجتماعية، مرورا بافتعال شائعات مثل: «الإفلاس المالي والفساد الإداري في بغداد» وفي هذه الشائعة عمل جهاز الدعوة الفاطمي على ترويج تقارير مبالغ فيها في الأسواق ومجالس التجار والحجاج لنشر رسائل مصممة خصيصا للإيهام بأن بغداد تعيش رمقها الأخير، وأن الخليفة العباسي وبطانته باتوا عاجزين عن دفع رواتب الجند والحاشية، وأن خزانة الدولة فرغت تماما بسبب الصراعات الداخلية، مع إقناع كبار التجار والمستثمرين في مصر والشام بأن الروابط الاقتصادية في بغداد أصبحت استثمارا خاسرا يعرضهم للإفلاس، مما جعلهم يتقبلون فكرة تحول الولاء الاقتصادي والسياسي نحو الفاطميين، كل هذا لضرب الولاء السياسي للعباسيين وصولا إلى الدعاية الاستباقية كشائعات الأمان المطلق والرخاء، ودعاية الكرامات والتنبؤات الفلكية التي سبقت زحف جوهر الصقلي نحو مصر، مصورة أن التغيير قدر محتوم للنجاة، مما أضعف المقاومة، وهيأ الشارع لتقبل العهد الجديد من دون قتال. إن المقارنة بين منابر التاريخ ووسائط العصر الرقمي تؤكد ثبات الجوهر وتطور الوسيلة. بالأمس كان «الداعية» ينقل الرواية شفاهة لإحداث صدمة مدروسة في الوعي الجمعي؛ واليوم تتولى خوارزميات منصات التواصل، ومصانع محتوى الظل المهمة ذاتها بسرعة تضاهي سرعة الضوء. إن الشائعات عبر التاريخ هي الأداة الأقوى لإعادة هندسة المجتمعات من الداخل. فالمعركة الحقيقية في عقول الأفراد عند الأزمات الكبرى، خاصة وقت «غلاء المعيشة» فتتآكل الحقيقة، وترتفع عمارة الأكاذيب لتهدم حضارة أسالوا دماءهم لبنائها.
المصدر : مؤسسة الأهرام المصرية



