
أم القنابل على أبواب جبل الفأس، عندما تتحول التهديدات إلى أداة للإبتزاز، طهران تلوح لا نووي ولا خضوع
صراع الإرادات بين التصعيد العسكري والحل الدبلوماسي، طهران تتمسك برفض الإملاءات والعقوبات وتفتح الباب أمام المفاوضات مرة أخرى، في المقابل تهدد واشنطن منشأة محصنة تحت ملايين الأطنان من الصخر بأسلحة شديدة التدمير بعيدا عن النووي، في ظل هذا الصراع الدائرهل تعود المفاوضات، أم ينفجر التصعيد مجددًا؟
كتب أحمد سمير
مرة أخرى تُعاد لعبة الترهيب والتموضع في ملف العلاقات الأميركية- الإيرانية، دونالد ترامب يُشهر سلاحاً تقليدياً هائلاً، GBU-43/B قنبلة “أم القنابل” قنبلة تزن 9.8 طن وتوصف بأنها مثل قنبلة نووية صغيرة لكنها تقليدية، موجها إصبعه نحو موقع “جبل الفأس” (بيكاكس ماونتن) قرب نطنز، جنوب طهران معلناً استبعاد استخدام السلاح النووي والتدخل البري، واشنطن قد أعلنتها صريحة لا تفاوض، فقط تستعرض عضلاتها، دونالد ترامب يخرج في مقابلة مع Newsmax يوم 15 أكتوبر الماضي ليقولها صريحة: لن نستخدم النووي، لأننا لا نحتاج إليه، لدينا ما هو كفيل بتحويل الجبل إلى مقبرة، الهدف المعلن هو موقع “جبل الفأس” Pickaxe Mountain، المنشأة شديدة التحصين المدفونة تحت الأرض قرب نطنز، والتي تعتقد واشنطن وتل أبيب أن طهران خبأت فيها مكونات برنامجها النووي، ترامب يقول: “قد نضطر للذهاب إلى هناك وسندمره بسرعة”.
هذا التلويح ليس بريئاً؛ فهو يحمل في طياته ازدواجية صارخة: فمن جهة، تتحدث واشنطن عن “ضمان عدم امتلاك إيران للسلاح النووي”، ومن جهة أخرى، تهدد باستخدام قنبلة تقول إنها “تشبه في قوتها التدميرية قنبلة نووية صغيرة لكن من دون إشعاعات”، وفق وصف ترامب نفسه.
محاولة مكشوفة لكسر الإرادة الإيرانية من دون الانزلاق إلى خطيئة الخيارالنووي
إن هذا الاستبعاد القسري للسلاح النووي لا يعكس خطاً أخلاقياً لواشنطن، بقدر ما يعكس دراية بمخاطر الكارثة الجيوسياسية والبيئية.
في المقابل، يخرج الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بنفس اللغة المكررة منذ 20 عاماً: لا نسعى لامتلاك سلاح نووي، مستعدون للحوار، لكننا لن نركع للعقوبات، خطاب المظلومية المعتاد الذي يخفي حقيقة أن إيران هي من وضعت نفسها في هذه الزاوية.

يأتي موقف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ليجسد دهاء الممارسة الإيرانية التاريخية: مرونة تكتيكية في ظاهرها الاستعداد للتفاوض، وصلابة استراتيجية ترفض الابتزاز بالعقوبات أو التسليم بالشروط الأميركية المسبقة، واشتراط رفع “الضغوط والتهديدات والعقوبات” قبل أي حوار جدي. هذا التناقض الظاهري بين “التهديد التقليدي المدمر” الأميركي و”المرونة المشروطة” الإيرانية هو جوهر الأزمة، وهو ما يستدعي تحليلاً هجومياً يفكك حقيقة كل طرف، ويكشف أن كليهما يستخدم خطابه كأداة مناورة، لا كخيار استراتيجي نهائي، طهران هنا لا تتحدث من موقف ضعف، بل تدفع بواشنطن إلى المأزق الأكبر: كيف تفرّض عقوبات وضغطاً عسكرياً على طرف يملك القدرة على التعطيل ويستمر في بناء تحصيناته تحت مئات الأمتار من صخور الغرانيت؟
لكن السؤال الأخطر لا يتعلق فقط بقدرة الولايات المتحدة على توجيه ضربة مدمرة، أو بقدرة إيران على الصمود أمامها، بل بحدود التصعيد الذي يمكن أن يتحمله الطرفان قبل أن تنفلت المواجهة من الحسابات السياسية والعسكرية. فالحرب لا تبدأ دائمًا بإعلان رسمي، وقد تتحول التهديدات المتبادلة وسوء تقدير ردود الفعل إلى شرارة مواجهة إقليمية يصعب التحكم في مساراتها.

إن استبعاد استخدام السلاح النووي، إذا تأكد بوصفه موقفًا معلنًا، لا يعني أن الخيار العسكري أصبح أقل خطورة؛ فالأسلحة التقليدية شديدة التدمير قادرة على إيقاع خسائر جسيمة، وقد يؤدي استهداف منشآت استراتيجية إيرانية إلى ردود انتقامية تتجاوز حدود الهدف الأول، وبين التهديد الأمريكي والرفض الإيراني، تقف المنطقة أمام معادلة شديدة التعقيد: مفاوضات تجري تحت ظلال القوة، وردع متبادل قد يمنع الحرب، لكنه قد يتحول أيضًا إلى مقدمة لها،المعضلة الحقيقية أن واشنطن قد تستطيع توجيه ضربة عسكرية، لكنها لا تستطيع ضمان أن تكون الضربة الأخيرة، فيما قد تتمكن طهران من إيلام خصومها، لكنها لا تستطيع ضمان أن يكون ثمن الرد محدودًا.
هذا ليس حواراً دبلوماسياً عادياً، إنه توازن رعب محسوب: واشنطن تريد إظهار أنها قادرة على توجيه ضربة مدمرة دون عبور الخط النووي، وطهران تريد إثبات أن الضغط العسكري والاقتصادي لن يُجبرها على التنازل عن “حقوقها” النووية تحت معاهدة عدم الانتشار، السؤال الحقيقي ليس هل سيسقط جبل الفأس، بل هل يستطيع الطرفان الخروج من هذه الدائرة المغلقة قبل أن تتحول التهديدات إلى واقع يُشعل المنطقة بأكملها.

المشهد كله مسرحية أميركية بامتياز: واشنطن تدمر، ثم تتفاوض، ثم تدمر مرة أخرى، بينما تبيع للعالم وهم “منع الانتشار النووي”.
هل “أم القنابل” قادرة فعلياً على تدمير “جبل الفأس”، أم أن التلويح بها هو مجرد “عرض ألعاب نارية” سياسي؟
“أم القنابل” بين الأسطورة التدميرية والفشل الاختراقي: الترويج الإعلامي لقنبلة “أم القنابل” (MOAB) يوحي بأنها الحل السحري، لكن الحقائق العسكرية تكشف هشاشة هذا الادعاء. فحتى الخبراء العسكريون يؤكدون أن هذه القنبلة، رغم قوتها التدميرية الهائلة على السطح، تفتقر إلى القدرة على “اختراق الأرض بعمق كافٍ” لتدمير منشأة “جبل الفأس” النووية، إذ “يُرجّح أن تتركز آثارها المدمرة على مستوى سطح الأرض” فقط. والأخطر من ذلك، أن أقصى ما تمتلكه القوات الأمريكية من قنابل خارقة للحصون (GBU-57) لا يتعدى مداها التدميري “حاجز الـ 60 متراً”، في حين أن منشأة “جبل الفأس” “مبنية على عمق يتراوح بين 80 إلى 100 متر داخل الصخر”، وفق تقديرات الخبراء. بعبارة أخرى، ترامب يهدد بسلاح لا يستطيع الوصول إلى هدفه المعلن، مما يحول التهديد إلى مجرد “استعراض عضلات” سياسي، أو “عرض ألعاب نارية” يهدف إلى توفير مخرج له من صراع لم يحققه.



