
انتصار أكتوبر عمق الجغرافيا الإنسانية
كتبت د. شيرين العدوي
حين نشرت مراكز الأبحاث العسكرية الغربية تقاريرها إبان حرب الاستنزاف معتبرة أن مانع قناة السويس مدعوما بساتر خط بارليف الرملي وحصونه الخرسانية المنظومة الأكثر مناعة منذ خط «ماجينو»، وانطلقت من حسابات فيزيائية بحتة: كقوة النيران، وزاوية انحدار الساتر، والزمن اللازم لتدفق القوات. كان هذا أمرا جللا، غير أن ما أغفلته تلك المقاربات هو البعد الأنثروبولوجي والاستراتيجي للجيش المصري؛ فالأمم ذات التاريخ الممتد لا تخوض حروبها بأسلحة اللحظة الراهنة بل بعمق الجغرافيا الإنسانية العقائدية.
هذا التلاقي الفكري العميق هو ما اقتحمته أبحاث عالم المصريات القدير د. ممدوح الدماطي وزير الآثار الأسبق حول (الفنون والعمارة العسكرية في مصر القديمة) فالمتأمل لدراسات د. دماطي يكتشف أن الأحجار تتحدث، وترفع الغطاء عن البنية التحتية للفكر العسكري المصري القديم القائم على ثنائية: التحصين الهندسي المتقدم لمداخل القطر، واستباق التهديد خارج الحدود؛ لفرض التوازن الوجودي.
كما تكشف عن قلاع الشلال الثاني في النوبة مثل قلعتي سمنة وقمنة، ونقوش الملك سنوسرت الثالث عن الإدراك المبكر للغاية لمفهوم الحدود الحصينة؛ حيث كانت محطات استخباراتية، ونقاط فرز لوجستي، وموانع تكتيكية تتحكم في حركة النهر والبر عبر خنادق اصطناعية وأبراج مراقبة بزوايا رمى متداخلة.
أما عن الجبهة الشرقية مكمن الخطر الاستراتيجي الدائم، فقد شيد المصريون القدماء منظومة «طريق حورس» العسكري بسلسلة متتابعة من الحصون، ونقاط الإمداد المحكمة التي تبدأ بقلعة ثارو (القنطرة شرق) وصولًا إلى رفح. كان الهدف ضبط الميدان وتحويل الجغرافيا المفتوحة إلى ممرات خنق لتطويق الغزاة. هذا الوعي الصارم بحماية بوابات القطر، يعيد إنتاج نفسه في كل مفصل تاريخي. فالأمن المصري يبدأ من تخوم الصحراء الشرقية. ودرس ضياع سيناء في 1967 كان يشرح كيفية خسارة الأرض، والخلل الفادح بالمعادلة الدفاعية. تلك التي أرساها الفراعنة قبل أربعة آلاف عام.
لقد درست معاهد الدراسات الحربية الدولية خط بارليف بوصفه ذروة الهندسة الإسرائيلية وقتها؛ لكن جغرافيا جينات الجندي المصري كان لها رأي آخر كمن في أن التمترس خلف الموانع الضخمة يعد خطأ فادحا؛ إذ درس بمعزل عن العقيدة المصرية القديمة التي تحول معوقات التضاريس إلى ميزات عملياتية، كما ظهر فى حملات تحتمس الثالث العسكرية وحصار مجدو الشهيرة عبر الممر الوعر بدلا من الطرق السهلة المكشوفة. إن روح ممر عرونة ذاتها تجلت ظهيرة السادس من أكتوبر 1973 باللجوء لخراطيم المياه ذات الضغط العالي لفتح الثغرات، وهو حل هيدروليكي أتى من طبيعة تفاعل المصري مع بيئته النهرية.
ليسقط أسطورة الساتر الرملي. كما كان ترويض القناة كأعقد مانع مائي حربي، ونصب الكباري العائمة تحت نيران المدفعية المعادية تكرارا حديثا للعبقرية الهندسية التي نقلت الجيوش والأسلحة الثقيلة عبر النيل وموانع الدلتا؛ منذ عهود أحمس ورمسيس الثاني. ففي دراسة نصوص الانتصارات الفرعونية، يبرز عنصران لا ينفصلان التخطيط الاستخباراتي الصارم الخالي من العاطفة والاندفاع المعنوى، واسترداد الشرف القائم على حماية النظام الكوني (الماعت) ضد الفوضى (الإسفت) وبألوية آمون وبتاح وست، وبحسابات دقيقة لحركة الشمس والرياح وإمدادات المياه في الصحراء. هكذا أبانت دراسات د. دماطي أن الجيش المصري الحديث هو الوريث الشرعي لأول جيش نظامي عرفته البشرية، فحق له النصر.
المصدر : مؤسسة الأهرام المصرية



