لبنان سبقني إلى القاعة في “ولادة شمس”، محبّةٌ تتّسع لوطن

كتبت د. ليلى شمس الدين

قبل أن أصل إلى مقعدي، كانت القاعة قد قالت شيئًا كثيرًا عن محمد علي شمس الدين..
كانت مكتظّة… وجوهٌ من أهل الفكر والثقافة والأدب والإعلام؛ شبابٌ وأجيالٌ أكبر، جاؤوا من الشمال، والجنوب، والبقاع، والجبل، وبيروت، ومن بقاع هذا الوطن الذي نحبّه، على الرغم من كلّ ما يوجعنا فيه.
تأمّلتُ الحضور.. كم طريقًا قطعت هذه الوجوه لتلتقي هنا؟ كم موعدًا أُرجئ، وكم مسافة اجتازها أصحابها، ليجلسوا في حضرة شاعر غائب؟
كان في المشهد ما يبعث على الفرح والاعتزاز، وما يحرّك حزنًا رقيقًا أيضًا، كلّ هذه المحبّة حضرت، وصاحبها لا نستطيع أن نلتفت نحوه لنرى كيف يتلقّاها.. ومع ذلك، كان المكان يشبهه. يشبه اتّساعه، وحضوره الذي تجاوز المكان الذي جاء منه، وصوته الذي وجد طريقه إلى أناس تتباعد عناوينهم وتلتقي مشاعرهم عند قصيدة.
دخلتُ القاعة، وشعرتُ أنّ لبنان قد سبقني إليه.

“ولادة شمس”
في الكلمتين شيء يدعونا إلى مراجعة علاقتنا بالغياب.. فالميلاد الذي نعرفه يحدث مرّة واحدة، ثم نتولّى نحن الاحتفال بذكراه. أمّا ميلاد الشاعر، فلعلّه يتكرّر حين يعثر قارئ على قصيدة تبدو كأنّها كُتبت لتوّها، من أجل وجعه تحديدًا. عندها، يكون الشاعر قد رحل منذ سنوات، وتصل كلماته في موعدها.
وانطلاقًا من هذا العنوان، ربما أقامت “دار كاف” للطباعة والنشر، ضمن فعاليات معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في دورته السابعة والستين، ندوة احتفاءً بالذكرى الرابعة والثمانين لولادة الشاعر الدكتور محمد علي شمس الدين. شارك فيها البروفيسور علي مهدي زيتون، والنائب الشاعر الدكتور إيهاب حمادة، والشاعر الدكتور كميل حمادة، والأستاذة رباب محمد علي شمس الدين، وقدّمها وأدار حوارها الأستاذ قاسم الساحلي.
أكتب أسماءهم، وأعود بعيني إلى القاعة.. فالخبر يعرّفنا بالمناسبة وبالمشاركين فيها، لكنّ شيئًا من معنى ذلك اللقاء كان موزّعًا بين المقاعد، في هذا الاستعداد الجماعي للإصغاء. ما الذي يدفع كلّ هؤلاء إلى الحضور؟
لكلّ شخص، على الأرجح، محمد علي شمس الدين الذي يعرفه: شاعر قرأه، أو صديق أحبّه، أو أستاذ تعلّم منه، أو صوت رافقه في مرحلة من حياته.. وربّما جاء بعض الشباب ليقتربوا أكثر من اسم سمعوا به، ويكتشفوا بأنفسهم سرّ هذه المكانة.
هكذا تتّسع حياة الشاعر في الآخرين.. يحمل كلّ واحد منهم جزءًا، وتجمع المناسبة أجزاء الصورة، من دون أن تستنفدها.

رغم الغياب… كان حاضرًا في القلوب وعلى الشاشات
أطلّ على الشاشة…
أعادنا الفيديو إلى مسيرته؛ إلى عنفوانه وحضوره، وإلى ذلك العمق في الإحساس الذي يجعل متابعة شاعر تجربة تتجاوز الاستماع إلى كلامه. كنتُ أنظر إليه، وأشعر بثقل الكلمة التي نستخدمها بسهولة: “الراحل”..
كيف يستقيم هذا الوصف مع كلّ ما يتحرّك أمامنا؟ هذا الوجه الجميل، وهذه الحيويّة اللافتة، وهذه المسيرة التي ما زالت قادرة على استدعاء الانتباه والمحبّة؟
نعرف أنّ التسجيل يحتفظ بلحظة مضت.. لكنّ المعرفة لا تمنع القلب من أن يستجيب. .نراه، فيضيق للحظات ذلك البعد الذي فرضه الموت، ثمّ نتذكّر أنّنا لن نتمكّن من إضافة لقاء جديد إلى ما حفظته الصور..
ولعلّ هذا أكثر ما يؤلم في مشاهدة الأحبّة بعد غيابهم.. أنّ حضورهم يبدو قريبًا إلى هذا الحدّ، فيما تظلّ المسافة إليهم عصيّة على الاجتياز.. أعادنا الفيديو إليه.. وأعادني أيضًا إلى سؤال ظلّ يرافقني “كم نحتاج إلى أن نرى من نحبّ كي ندرك مقدار ما تركه فينا؟”

 قدرة محمد علي شمس الدين
يمكن لك أن تبدأ الرحلة من عناوينه وحدها، “قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا، و”الشوكة البنفسجية”، أو “أميرال الطيور”، و”منازل النرد.. هذه بعض أعماله التي تتيح مداخل متعدّدة إلى عالمه الشعري.
تأمّلوا، مثلًا، اقتران الشوكة بالبنفسج، ما الذي يحدث في مخيّلتنا حين يجاور الألمُ اللونَ؟ وكيف يصير للطير أميرال؟ وإلى أين تحملنا قصائد تحتاج إلى التهريب كي تصل إلى حبيبة؟ هذه أسئلة تولّدها قراءتنا للعناوين؛ فنجدنا أمام عتبات صغيرة تجعل اللغة أقلّ ألفة، وتوقظ العين التي اعتادت المرور على الأشياء سريعًا.
وربّما نحتاج إلى الشعر لهذا السبب أيضًا: كي نستعيد قدرتنا على الدهشة، كي لا تتحوّل الشجرة إلى تفصيل نعبره، ولا الحزن إلى كلمة جاهزة، ولا الإنسان إلى خبر يتراجع على الشاشة ليحلّ مكانه خبر آخر.
أيُها الشاعر الكبير…. فيلسوف الشعر، أو كما ناداك كُثُر بشاعر الجنوب، وآه آه ممّا يكمن في الجنوب.. وهنا أركن إلى قصائدك، فنجد في تجربتك ما يدعونا إلى ملاقاة الإنسان: قلقه، وحبّه، وجرحه، وكبريائه، وأسئلته أمام الحياة والموت.
ولا شك، أنّ محمد علي شمس الدين يستحقّ ذلك اللقاء: أن نقرأه على مهل، وأن نتوقّف حيث تستوقفنا الصورة، وأن نختلف مع معنى، وأن نعود إلى سطر لم يمنحنا سرّه من المرّة الأولى، فيصبح بيننا وبينه شيء يتجاوز المعرفة باسمه.
وحين أقول إنّ القاعة كانت تشبهه، فإنّني أعني هذه القدرة على جمع المختلفين حول إحساس يتعرّفون فيه إلى شيء من أنفسهم. جاء الناس من جهات متعدّدة، وحمل كلّ منهم إلى اللقاء ذاكرته وقراءته ومحبّته، وكانت في اجتماعهم شهادة لا تحتاج إلى مبالغة.
في وطن نعرف كم تتعبه المسافات بين أبنائه، رأيتُ تلك المسافات تُقطع من أجل شاعر، أليس في هذا ما يستحقّ أن نتوقّف عنده؟ أن يظلّ شعر محمد علي شمس الدين سببًا للخروج من البيت، وللسفر، وللالتقاء؛ وأن يمنحنا اسمٌ نحبه موعدًا مشتركًا، وأن نجد، حين نصل، هذا العدد من الناس الذين لبّوا الموعد نفسه.

حين تتوالى الكلمات والشهادات
كنتُ أفكّر في هذه المسؤوليّة الجميلة والصعبة، أن تتحدّث عن شاعر له كلّ هذا الحضور، وأن تجد لغتكَ أنت أمام لغته، أن تستعيده بما يليق به، فيما يقف الحزن والمحبّة والذاكرة معًا عند باب العبارة.
أمّا مشاركة ابنته رباب، فكانت قربٌ من نوع خاصّ، نحن نأتي إلى الشاعر من كتبه ومنابر حضوره، فيما تأتي الابنة من حياة كان الشعر جزءًا منها، وكان الأب في قلبها.. عند هذا اللقاء بين الذاكرة العائليّة والذاكرة الثقافيّة، يزداد إحساسنا بأنّ صاحب الاسم الكبير كان أيضًا إنسانًا له أحبّة يفتقدون تفاصيل لا تحفظها السِّيَر، وهذا ما يجعل الاحتفاء أكثر حميميّة: أن نقترب من الشاعر، ونشعر بقدر ما خلّفه غيابه في من عرفوه وأحبّوه.

الأثر الباقي
ولكن.. ماذا نصنع بكل هذه المحبّة بعد انتهاء الندوة، أسأل نفسي قبل أن أسأل الآخرين.
هل تبقى أمسية جميلة نروي خبرها، ومقال نكتبه عنها، وصورة نحتفظ بها، وكلمات إعجاب نتبادلها؟ أم تحملنا إلى قصيدة نقرأها من جديد، وإلى كتاب نقدّمه لشابّ، وإلى نصّ ندخله قاعة الدرس ونمنحه وقتًا للنقاش؟
أتخيّل طالبًا يقرأ محمد علي شمس الدين للمرّة الأولى، فتستوقفه صورة لا يفهمها تمامًا، لكنّه يشعر بها، يسأل عنها، ويختلف مع زميله في تأويلها، ثمّ يعود إلى النصّ.. في تلك اللحظة، تتكوّن علاقة جديدة بالشاعر، لا تقوم على ما قلناه نحن عن مكانته، بل على ما اكتشفه القارئ بنفسه.
ذلك، في ظنّي، من أجمل ما يمكن أن نهديه إليه.. أن تتّسع دائرة قرّائه، وأن يظلّ اسمه مقترنًا بفضول حيّ، وأن يجد شعره أعمارًا جديدة تصغي إليه، وتحاوره، وتحبّه بطريقتها.

لحظة العبور
ولكن… ماذا لو مُنِح كلّ واحد منّا قصيدةً واحدة لعشرة دقائق من انتباهه الكامل؟ فقرأها بعيدًا عن استعجال الهاتف، ثم عاد إليها بصوته؟ وماذا لو سألنا أبناءنا وطلاّبنا: أيّ صورة بقيت معكم؟ وأيّ كلمة أزعجتكم؟ وأين وجدتم شيئًا من أنفسكم؟
هناك، في ذلك الحوار الصغير، يمكن أن تبدأ حياة أخرى للنصّ، وربّما يجد قارئ شابّ، لم يعرف محمد علي شمس الدين في حياته، أنّ بينهما حديثًا لم ينتهِ بعد.. لهذا، كلّما فكّرت في “ولادة شمس”، عدت إلى السؤال الأوّل: مَن يحتفل بميلاد مَن؟
نحن نضيف سنة إلى عمر الشاعر، وقصيدته قد تعيد إلينا إحساسًا حسبناه انطفأ، أو تفتح في داخلنا مكانًا لم نكن نعرفه.
أيّها الشاعر الكبير، جئنا إلى ذكرى ولادتك، وجاء معنا هذا الوطن من جهاته كلّها.
أحببتُ أن أكتب عنك بما يليق بمكانتك، وأنا المسكونة بشعرك وحضورك، وكلّما بحثتُ عن بداية، عدتُ إلى تلك اللحظة البسيطة عند دخولي: قاعة مكتظّة، وأجيال متعدّدة، وناس قطعوا الطريق ليكونوا هنا.
لقد كانت تلك أوّل قصيدة قرأتُها لك في ذلك المساء. قصيدةٌ كتبها محبّوك بخطواتهم إليك.

* باحثة في الأنثروبولوجيا والإعلام

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى