
مصر ترسل رسالة التوازن من بروكسل: سياسة متزنة في زمن الاضطراب الإقليمي
كتب أحمد سمير
في لحظة إقليمية مشحونة بالتوترات الأمنية والسياسية، اختارت مصر أن تبعث برسالة واضحة من قلب أوروبا، خلال استقبال الرئيس عبدالفتاح السيسي لكايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في بروكسل،
لم يكن هذا اللقاء مجرد زيارة بروتوكولية عابرة، بل جاء في توقيت بالغ الدقة، متزامناً مع انعقاد القمة المصرية الأوروبية الأولى التي جمعت مصر مع 21 دولة أوروبية، هذا وقد شهد اللقاء حضور الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية وسفيرة الاتحاد الأوروبي في مصر وقيادات جهاز الخدمة الخارجية الأوروبي جاء في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.
أكدت القاهرة أن الأوضاع في الشرق الأوسط تشهد اضطراباً حقيقياً، وأن الرد المصري ليس الانحياز أو التصعيد، بل سياسة متزنة وحكيمة تستهدف ترسيخ الأمن والاستقرار.
هذه الرسالة ليست مجرد تصريح دبلوماسي عابر، بل تعبير عن عقيدة سياسية مصرية راسخة: البقاء خارج دوائر الاستقطاب، والعمل كجسر بين الأطراف، والتركيز على الحلول العملية بدلاً من الشعارات، في وقت تتصاعد فيه الأزمات في غزة والسودان وليبيا وغيرها، يبدو أن مصر تراهن على دورها كعامل استقرار إقليمي، مدعوماً بشراكة استراتيجية مع الاتحاد الأوروبي بعد الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى شامل. الرسالة من بروكسل إذن ليست موجهة لأوروبا فقط، بل للجميع: التوازن ليس ضعفاً، بل خياراً استراتيجياً في منطقة لا تحتمل المزيد من الفوضى.
واستقبال الرئيس السيسي لـكايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، يكتسب أهمية خاصة؛ لأن القاهرة لا تتحدث مع عاصمة أوروبية منفردة، وإنما مع أحد أهم مراكز صناعة القرار الخارجي في الاتحاد الأوروبي.
الرسالة المصرية تبدو واضحة: المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الاستقطاب، وإنما إلى إدارة عقلانية للأزمات تمنع تحول الصراعات المفتوحة إلى مواجهة إقليمية شاملة.
وتدرك مصر أن أي انفلات أمني في الشرق الأوسط لن يبقى محصورًا داخل حدوده الجغرافية، بل سينعكس سريعًا على أمن الملاحة، وأسواق الطاقة، والتجارة العالمية، والهجرة، والاستقرار الاقتصادي الأوروبي، وهو ما يمنح القاهرة ورقة سياسية مهمة في حوارها مع بروكسل.
ما يميز هذا اللقاء هو أنه لم يقتصر على الشأن السياسي والأمني فحسب، بل امتد ليشمل ملفات حساسة بالغة الأهمية للجانب الأوروبي، وفي مقدمتها ملف الهجرة غير الشرعية، فقد شدد الرئيس السيسي على أن أوروبا لم تتأثر بشكل كبير بتداعيات هذه الظاهرة “بفضل الجهود المصرية في هذا المجال، وعلى رأسها منع خروج قوارب الهجرة غير الشرعية منذ سبتمبر 2016″، في وقت تستضيف فيه مصر نحو عشرة ملايين أجنبي نزحوا إليها من دول تعاني من الأزمات وعدم الاستقرار، هذا الطرح وضع النقاط على الحروف: فمصر لا تقدم خدمات أمنية لأوروبا فحسب، بل تتحمل أعباء إنسانية واقتصادية هائلة تستحق التقدير والدعم.
من جانبها، لم تخفِ كايا كالاس إعجابها بالدور المصري، معربة عن سعادتها بلقاء الرئيس ومشيدةً “بالدور الحيوي الذي قامت به مصر في وقف إطلاق النار وتحقيق الاستقرار”، ومؤكدة أن الاتحاد الأوروبي “مستعدون للعمل مع مصر في جميع القضايا الدولية”، بل ذهبت أبعد من ذلك، معتبرةً مصر “شريكاً لا غنى عنه” للاتحاد الأوروبي.
في هذا السياق، تطرح الأحداث نفسها على طاولة النقاش بأسئلة جوهرية تتعلق بمستقبل المنطقة، ودور مصر فيها، وطبيعة العلاقة مع أوروبا في مرحلة ما بعد الاضطرابات.
ماذا تعني رسالة الرئيس السيسي عن «السياسة المتزنة والحكيمة» في هذا التوقيت؟
تعكس هذه الرسالة جوهر المقاربة المصرية للأزمات الإقليمية: عدم الانجرار إلى الاستقطاب، والاحتفاظ بمساحة للحركة السياسية والدبلوماسية.
فمصر، بحكم موقعها الجغرافي والسياسي، لا تستطيع التعامل مع أزمات الشرق الأوسط باعتبارها أحداثًا بعيدة عنها، فالتوترات في غزة والبحر الأحمر والخليج وشرق المتوسط تتقاطع بصورة مباشرة مع المصالح المصرية.
ومن هنا فإن «التوازن» ليس موقفًا محايدًا بالضرورة، وإنما هو أداة لإدارة المصالح وحماية الأمن القومي.
القاهرة تريد أن تكون قادرة على التواصل مع مختلف الأطراف، وأن تستخدم القنوات الدبلوماسية عندما تكون متاحة، مع الاحتفاظ بقدرتها على حماية مصالحها وحدودها وأمنها.
السياسة المتزنة… عقيدة الـ 10 سنوات:
عندما يؤكد الرئيس أن مصر ملتزمة بسياسة متزنة، فهو يشير إلى مسار بدأ منذ 2013، عدم الانخراط في محاور استقطاب، احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها ومقدرات شعوبها ووقف التدخلات الخارجية فيها. في منطقة انقسمت بين محاور تركية- إيرانية- خليجية متنافسة، اختارت مصر أن تكون وسيطًا لا طرفًا. نجاح هذا النهج هو ما جعل أوروبا اليوم تأتي إلى القاهرة لتسمع منها، لا لتملي عليها.
اللافت أن اللقاء جاء أيضاً بعد أشهر من توقيع اتفاق رفع مستوى العلاقات إلى “شراكة استراتيجية شاملة” في مارس 2024، ليؤكد أن هذه الشراكة ليست ورقية بل تُترجم إلى لقاءات رفيعة المستوى ومناقشات معمقة حول القضايا المصيرية. كما انعقاد اللقاء في بروكسل، قلب أوروبا النابض ، حمّل رسالة أخرى: أن مصر تنظر إلى أوروبا كشريك استراتيجي وليس مجرد مانح مساعدات، وهو ما يعكس ثقة مصر المتزايدة في دورها الإقليمي والدولي.
هذا النهج تجلى بوضوح في الموقف المصري من الأزمة الغزية، حيث لعبت مصر دور الوسيط المحوري بالتعاون مع الوسطاء، وصولاً إلى اتفاق شرم الشيخ لإنهاء الحرب في قطاع غزة، كما ظهر في الموقف المصري من الأزمة الليبية والسودانية، حيث دعت مصر دوماً إلى الحلول السلمية واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يمكن لهذا النهج أن يصمد في وجه موجات التصعيد المتتالية؟ يرى محللون أن مصر تمتلك من الأدوات الدبلوماسية والقوة الناعمة ما يؤهلها للاستمرار في هذا النهج، خاصة أنها تتعامل مع الأزمات “بوعي استراتيجي وتوازن محسوب، مع التركيز على إدارة المخاطر من خلال توازن الردع والدبلوماسية لحماية المصالح الوطنية من دون الانجرار إلى تحركات غير محسوبة”.
لماذا يأتي هذا الموقف المصري في حوار مع الاتحاد الأوروبي تحديدًا؟
لأن الاتحاد الأوروبي يمثل أحد أهم الأطراف الدولية المتأثرة بما يجري في الشرق الأوسط.
فأوروبا معنية مباشرة باستقرار جنوب المتوسط، وأمن البحر الأحمر، واستمرار حركة التجارة والطاقة، فضلًا عن ملف الهجرة واللاجئين.
وفي المقابل، تنظر مصر إلى الشراكة مع أوروبا باعتبارها أحد المحاور المهمة في دعم الاستقرار الاقتصادي والسياسي.
لذلك فإن الحوار بين القاهرة وبروكسل لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد لقاء دبلوماسي، وإنما باعتباره تقاطُعًا بين مصالح أوروبية ومصرية في منطقة مضطربة.
مصر تحتاج إلى أوروبا اقتصاديًا وسياسيًا، وأوروبا تحتاج إلى مصر باعتبارها دولة محورية قادرة على التأثير في عدد من الملفات الإقليمية.
هل الشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي تعزز قدرة مصر على لعب دور الوسيط، أم أنها تفرض عليها قيوداً جديدة؟
الشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، خاصة بعد قمة أكتوبر 2025، تمنح مصر أدوات اقتصادية وسياسية إضافية (حزم دعم مالي، تنسيق أمني، حوارات دفاعية). هذا يعزز قدرتها كوسيط لأنها تظهر كطرف مستقر وموثوق. في المقابل، لا يبدو أن أوروبا تفرض شروطاً سياسية تحول دون استقلالية القرار المصري، بل تركز على المصالح المشتركة في الاستقرار والهجرة. التوازن المصري يبقى قراراً سيادياً، والشراكة الأوروبية تدعمه أكثر مما تقيده.
ما الفرق بين «التوازن» كسياسة مبدئية و«الحياد السلبي» الذي قد يُفهم على أنه انسحاب من المسؤولية؟
التوازن المبدئي يختلف جذرياً عن الحياد السلبي. الأول يعني حضوراً نشطاً: وساطة، استضافة لاجئين، منع الهجرة غير الشرعية، دعم مسارات سياسية. الثاني يعني الانسحاب والمراقبة من بعيد. مصر تختار الأول لأنها تدرك أن أمنها القومي مرتبط مباشرة باستقرار محيطها، وأن الغياب يترك فراغاً يملأه آخرون.
لماذا ربط السيسي ملف الهجرة غير الشرعية باستضافة 10 ملايين أجنبي في مصر؟
الرئيس كان صريحًا: أوروبا لم تتأثر بشكل كبير بتداعيات الهجرة غير الشرعية، بفضل الجهود المصرية في هذا المجال، وعلى رأسها منع خروج قوارب الهجرة غير الشرعية منذ سبتمبر 2016. الرسالة هنا اقتصادية وأمنية. مصر التي تستضيف نحو عشرة ملايين أجنبي نزحوا إليها من دول تعاني من الأزمات، هي التي تتحمل الكلفة الإنسانية نيابة عن أوروبا. وبالتالي، الحل الأوروبي ليس في بناء الأسوار، بل كما شدد الرئيس، في تحقيق الاستقرار في تلك الدول هو السبيل الأمثل للحد من هذه الظاهرة. كالاس نفسها أقرت بذلك وأعربت عن تقدير الاتحاد الأوروبي الكبير للجهود المصرية الجوهرية.
هل تستطيع مصر بالفعل لعب دور الوسيط أو صمام الأمان في أزمات الشرق الأوسط؟
مصر تمتلك مجموعة من عناصر القوة التي تؤهلها للقيام بهذا الدور.
أولها الجغرافيا؛ فهي تقع في قلب شبكة المصالح التي تربط الشرق الأوسط بالمتوسط وأوروبا.
وثانيها الخبرة الدبلوماسية الطويلة في التعامل مع الملفات الإقليمية، خصوصًا القضية الفلسطينية.
وثالثها العلاقات التي تمتلكها القاهرة مع أطراف إقليمية ودولية مختلفة، وهو ما يمنحها مساحة للحوار في وقت تتراجع فيه قنوات الاتصال بين أطراف عديدة.
لكن الدور المصري له حدود أيضًا؛ فالقاهرة لا تستطيع بمفردها إنهاء صراعات تتداخل فيها مصالح الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا والقوى الإقليمية.
ولهذا فإن الدور المصري الأكثر واقعية هو الدفع باتجاه خفض التصعيد، وفتح قنوات التفاوض، ومنع الأزمات من التحول إلى صراع إقليمي واسع.
ما الذي تريده مصر من الاتحاد الأوروبي في ظل هذه الظروف؟
القاهرة تحتاج إلى شراكة أوروبية تتجاوز البيانات السياسية إلى دعم الاستقرار والتنمية.
فالأمن والسياسة والاقتصاد أصبحت ملفات مترابطة. وأي أزمة إقليمية جديدة يمكن أن ترفع أسعار الطاقة، وتؤثر في حركة التجارة، وتزيد ضغوط الهجرة، وتضاعف الأعباء الاقتصادية على دول المنطقة.
ومن هنا يمكن أن يكون التعاون المصري الأوروبي أكثر فاعلية إذا ركز على ثلاثة مسارات:
أولًا: سياسيًا، من خلال دعم الجهود الدبلوماسية وخفض التصعيد.
ثانيًا: اقتصاديًا، عبر تعزيز الاستثمار والتجارة ودعم قدرة الاقتصادات الأكثر تعرضًا للصدمات على الصمود.
ثالثًا: أمنيًا، من خلال التعاون في حماية الملاحة ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتأمين الحدود.
وبذلك تتحول العلاقة بين القاهرة وبروكسل من مجرد علاقة مانحين ومستفيدين إلى شراكة في إدارة المخاطر الإقليمية.
هل التوازن المصري يعني الابتعاد عن الصراعات أم محاولة التأثير فيها؟
التوازن المصري لا يعني الانسحاب من المشهد.
على العكس، يمكن قراءة السياسة المصرية باعتبارها محاولة للتأثير في مسار الأحداث دون الدخول في مغامرات عسكرية أو استقطابات حادة.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن الدول التي تدخل في صراعات مفتوحة تدفع في النهاية ثمنًا اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا كبيرًا.
أما مصر فتحاول الحفاظ على قدرتها على المناورة، بحيث تستطيع التحرك دبلوماسيًا عندما تكون الفرصة متاحة، وفي الوقت نفسه تحافظ على خطوطها الحمراء المتعلقة بأمنها القومي.
وهذا النهج يمنح القاهرة فرصة لأن تكون طرفًا في الحل وليس جزءًا من المشكلة.
ما الذي يعنيه إطلاق أول حوار أمني ودفاعي بين مصر والاتحاد الأوروبي في مارس 2026، وكيف يعكس تحولاً في طبيعة العلاقة بين الجانبين؟
يمثل إطلاق أول حوار أمني ودفاعي بين مصر والاتحاد الأوروبي في القاهرة بتاريخ 31 مارس 2026 نقطة تحول نوعية في العلاقات المصرية الأوروبية. فالحوار لم يعد مقتصراً على الشؤون السياسية والاقتصادية، بل امتد ليشمل التعاون العسكري والأمني المباشر.
هذا التطور يعكس عدة حقائق مهمة: أولاً، أن الاتحاد الأوروبي يدرك أن أمن أوروبا يبدأ من استقرار جوارها الجنوبي، وأن مصر هي الركيزة الأساسية لهذا الاستقرار. ثانياً، أن مصر أصبحت شريكاً أمنياً موثوقاً به لأوروبا، خاصة في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والأمن البحري. ثالثاً، أن هذه الخطوة تضع مصر في موقع متقدم بين دول المنطقة من حيث التعاون الأمني مع الغرب، وهو ما يعكس ثقة أوروبية كبيرة في المؤسسات المصرية.
وقد أعلنت كالاس أن هذا الحوار سيكون “الفرصة لمناقشة ما يمكننا القيام به معاً في هذا العالم المضطرب”، في إشارة واضحة إلى أن التحديات الأمنية باتت مشتركة وتتطلب حلولاً مشتركة.
هل مؤتمر إعادة إعمار غزة في نوفمبر 2025 هو الاختبار الحقيقي للشراكة المصرية – الأوروبية؟
غزة وخطة ترامب ومؤتمر نوفمبر
كشف اللقاء عن تفاصيل حساسة: استعراض الدور المصري في التوصل إلى اتفاق شرم الشيخ لإنهاء الحرب في قطاع غزة، بالتعاون مع الوسطاء، معرباً عن تطلع مصر إلى تعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي لتنفيذ الاتفاق وخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مع التأكيد على أهمية تثبيت وقف إطلاق النار، وضمان دخول المساعدات الإنسانية بشكل منتظم، وبدء عملية إعادة إعمار القطاع، مشيراً إلى المؤتمر الذي تعتزم مصر استضافته في نوفمبر 2025 بشأن إعادة الإعمار والتعافي. رد كالاس كان: استعداد الاتحاد الأوروبي لدعم جهود إعادة إعمار غزة، بما في ذلك المؤتمر المرتقب بمصر في نوفمبر المقبل. هنا تتحول الشراكة من كلام سياسي إلى مليارات لإعادة الإعمار، والقاهرة هي من يمسك بمفتاح التنفيذ.
ما دلالة إشادة كايا كالاس بدور مصر في غزة والسودان وليبيا؟
من غزة إلى السودان.. اعتراف أوروبي بالدور المحوري:
المسؤولة الأوروبية لم تجامل. أعربت عن سعادتها بلقاء الرئيس، مشيدةً بالدور الحيوي الذي قامت به مصر في وقف إطلاق النار وتحقيق الاستقرار، ليس فقط في غزة، بل أيضاً في السودان وغيرها من الدول التي تشهد أزمات. هذا اعتراف بأن القاهرة لم تعد مجرد وسيط في الملف الفلسطيني، بل هي غرفة عمليات إقليمية. من ليبيا إلى السودان، أوروبا تدرك أن لا استقرار في جنوبها دون مصر.
هل تستطيع القاهرة إقناع أوروبا بأن استقرار الشرق الأوسط مصلحة أوروبية أيضًا؟
هذه ربما تكون واحدة من أهم الرسائل التي تستطيع مصر تقديمها إلى بروكسل.
فالشرق الأوسط ليس منطقة منفصلة عن أوروبا؛ فهناك البحر المتوسط، وممرات التجارة، والطاقة، والهجرة، والأمن.
وأي حرب إقليمية واسعة يمكن أن تنتقل تداعياتها إلى الأسواق الأوروبية خلال فترة قصيرة.
وبالتالي فإن دعم الاستقرار في المنطقة ليس «مساعدة لأطراف الشرق الأوسط» بقدر ما هو استثمار أوروبي في الأمن والمصالح الأوروبية نفسها.
كيف يمكن التوفيق بين استضافة مصر لنحو عشرة ملايين لاجئ ونازح، وبين نجاحها في منع الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا؟ وما انعكاسات ذلك على العلاقات المصرية الأوروبية؟
المفارقة التي تطرحها الأرقام مثيرة للدهشة: مصر تستضيف نحو عشرة ملايين أجنبي نزحوا إليها من دول تعاني من الأزمات وعدم الاستقرار، وفي الوقت نفسه نجحت في منع خروج قوارب الهجرة غير الشرعية من سواحلها منذ سبتمبر 2016.
هذا الإنجاز لم يتحقق بالصدفة، بل هو نتاج سياسة شاملة تجمع بين الأمن وحماية الحدود من جهة، والوفاء بالالتزامات الإنسانية من جهة أخرى. فمصر لم تغلق حدودها في وجه الفارين من الحروب والصراعات، بل استقبلتهم ووفرت لهم مأوى، مع ضمان عدم تحول أراضيها إلى نقطة انطلاق للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.
هذا الموقف يضع الاتحاد الأوروبي أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية: فمصر تتحمل أعباءً هائلة نيابة عن أوروبا، مما يستوجب دعماً أوروبياً حقيقياً يعكس حجم هذه التضحيات. وقد أدركت كالاس ذلك، إذ أعلنت أن الشريحة الثانية من حزمة الدعم المالي الأوروبي لمصر ستصرف في الأيام المقبلة، كما أشارت إلى حزمة قروض أوروبية بقيمة 5 مليارات يورو لدعم الاقتصاد المصري. لكن السؤال الأكبر يبقى: هل هذا الدعم كافٍ في مواجهة الأعباء المتراكمة التي تتحملها مصر؟
في نهاية الأمر، الشرق الأوسط المضطرب، قد يبدو التوازن للبعض موقفًا بطيئًا أو حذرًا، لكنه في الحسابات الاستراتيجية قد يكون أكثر الخيارات عقلانية عندما تكون المنطقة مفتوحة على احتمالات التصعيد.
مصر تدرك أن الدخول في صراعات جديدة أسهل كثيرًا من الخروج منها، ولذلك تبدو سياستها قائمة على الحفاظ على الدولة، وحماية المصالح الوطنية، ودعم الحلول السياسية، ومنع انتقال المنطقة من أزمة إلى حرب أوسع.
أما أوروبا، فهي أمام اختبار حقيقي: هل ستتعامل مع الشرق الأوسط باعتباره مصدرًا للأزمات فقط، أم ستتعامل مع استقراره باعتباره جزءًا من أمنها ومصالحها الاستراتيجية؟
وفي ظل هذا المشهد، تطرح القاهرة نفسها كشريك قادر على التواصل والوساطة واحتواء الأزمات، لكن يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع رسالة التوازن المصرية أن تتحول إلى تحرك أوروبي فعلي يساهم في وقف دوامة التصعيد، أم ستظل الدبلوماسية عاجزة أمام حسابات القوة والنفوذ؟



