
من حلف بغداد إلى تحالف مكة: هل يعيد الشرق الأوسط بناء المعضلة نفسها أم يتجاوزها؟
بقلم: الدكتور محمد عوده
تبدو فكرة التحالفات الدفاعية في الشرق الأوسط جذابة دائماً على الورق. دول كبيرة، جيوش ضخمة، مواقع جغرافية استراتيجية، قدرات مالية وصناعات عسكرية واتفاقات دفاع مشترك. وعندما تضاف إلى ذلك قوة نووية مثل باكستان، وقوة عسكرية وصناعية مثل تركيا، وقوة مالية وسياسية مثل السعودية، يصبح من السهل تصور كتلة استراتيجية قادرة على تغيير ميزان القوى في المنطقة.
لكن تاريخ الشرق الأوسط يفرض قدراً كبيراً من الحذر.
فالمنطقة عرفت قبل أكثر من سبعين عاماً تجربة بدت، في وقتها، واعدة للغاية. جمعت تركيا والعراق وإيران وباكستان وبريطانيا في منظومة أمنية سميت حلف بغداد، قبل أن تتحول لاحقاً إلى منظمة المعاهدة المركزية CENTO. وكان يفترض أن تكون جسراً استراتيجياً يربط حلف شمال الأطلسي بالشرق الأوسط وجنوب آسيا، وأن تشكل حزاماً أمنياً يمتد من تركيا إلى باكستان. ومع ذلك، فشل الحلف.
ولم يفشل لأن الدول المشاركة فيه كانت ضعيفة. على العكس، ضم تركيا العضو في NATO، وبريطانيا القوة النووية والاستعمارية الكبرى آنذاك، وإيران التي كانت تبنى لتكون إحدى أهم القوى الإقليمية، وباكستان ذات الجيش الكبير، والعراق الذي كان يمثل قلباً عربياً مهماً للمشروع.
فشل لأن وجود القوة لا يعني وجود التحالف، ووجود المعاهدة لا يعني وجود منظومة دفاع جماعي حقيقية.
وهنا بالضبط تصبح المقارنة مع التحالف السعودي–التركي–الباكستاني الجديد ضرورية.
المقارنة لا تعني أن التاريخ يعيد نفسه حرفياً. العالم تغير بصورة جذرية، والدول تغيرت، والعلاقات الدولية انتقلت من ثنائية القطبية إلى نظام أكثر تعقيداً، كما أن التحالف الجديد يبدو في جوانب كثيرة أكثر استقلالية عن القوى الغربية من حلف بغداد.
لكن المعضلة الجوهرية ما زالت قائمة:
هل تستطيع دول ذات مصالح وتهديدات مختلفة أن تحول اتفاق الدفاع المشترك إلى إرادة سياسية وعسكرية واقتصادية مشتركة؟
وهذا السؤال هو الذي سيحدد، أكثر من أي شيء آخر، مستقبل التحالف الجديد.
حلف بغداد: فكرة كبيرة فوق مصالح مختلفة
نشأ حلف بغداد عام 1955 من الاتفاق التركي–العراقي، ثم انضمت إليه بريطانيا وباكستان وإيران.
كان المشروع جزءاً من منظومة الحرب الباردة. فالولايات المتحدة وبريطانيا كانتا تريدان بناء ما سمي آنذاك بالحزام الشمالي أو Northern Tier، بهدف منع توسع الاتحاد السوفياتي باتجاه الشرق الأوسط والخليج وجنوب آسيا.
تركيا كانت الحلقة الغربية في ذلك الحزام، فهي عضو في NATO وتشترك بحدود مباشرة مع الاتحاد السوفياتي.
أما إيران فكانت تمثل الجسر نحو الخليج.
وباكستان كانت تمد الشبكة الأمنية إلى جنوب آسيا.
والعراق منح المشروع عمقاً عربياً وموقعاً مركزياً في قلب المنطقة.
لكن منذ البداية ظهر تناقض أساسي: الأعضاء لم يدخلوا التحالف من أجل التهديد نفسه.
تركيا كانت ترى الخطر السوفياتي بصورة مباشرة.
بريطانيا كانت تفكر ضمن منطق الحرب الباردة وحماية مصالحها الممتدة من الخليج إلى آسيا.
إيران الشاه كانت تريد حماية النظام وتقوية الجيش والحصول على دعم غربي في مواجهة الاتحاد السوفياتي والاضطرابات الإقليمية.
العراق الملكي بقيادة نوري السعيد كان يبحث عن تعزيز موقعه الإقليمي وربطه بالغرب وموازنة صعود جمال عبد الناصر والقومية العربية.
أما باكستان، فرغم الخطاب المرتبط بالشيوعية والاتحاد السوفياتي، كان هاجسها الاستراتيجي الحقيقي في مكان آخر: الهند.
كان هناك، إذاً، تحالف واحد، لكن لم يكن هناك تعريف واحد للعدو.
وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن التحالفات الدفاعية لا تصبح ذات معنى بمجرد الاتفاق على كلمة “الدفاع”. لا بد من الاتفاق أيضاً على السؤال الأصعب:
الدفاع ضد من؟
معاهدة دفاع من دون منظومة دفاع حقيقية
أُنشئت لحلف بغداد مؤسسات متعددة: مجلس وزراء، ولجان عسكرية واقتصادية، وأمانة عامة، وبرامج للتعاون الأمني والتقني.
وبعد خروج العراق، استمر الحلف تحت اسم CENTO، وانتقل مقره إلى أنقرة.
لكن وجود المؤسسات لم ينجح في تحويله إلى NATO شرق أوسطي.
لم توجد قيادة عسكرية متكاملة بالمعنى الحقيقي.
لم توجد قوة مشتركة دائمة.
لم تكن هناك خطط دفاع جماعي ملزمة بدرجة تجعل أي خصم يعرف أن الاعتداء على دولة عضو سيؤدي حتماً إلى مواجهة مع جميع الأعضاء.
وهنا يظهر الفرق بين معاهدة دفاع وتحالف دفاعي فعلي.
من السهل أن تكتب الدول في وثيقة أن الاعتداء على إحداها سيعتبر اعتداء على الجميع.
لكن هذا لا يجيب عن الأسئلة العملية:
من يقرر أن الاعتداء وقع؟
من يتخذ قرار الحرب؟
هل التدخل تلقائي أم سياسي؟
ما نوع المساعدة المطلوبة؟
هل تكون عسكرية أم لوجستية أم استخباراتية أم اقتصادية؟
من يقود القوات؟
وهل يمتلك الحلف قوات جاهزة أو مراكز قيادة أو بنية اتصالات أو أنظمة إنذار ودفاع جوي مشتركة؟
حلف بغداد لم يستطع الإجابة عن هذه الأسئلة بصورة تجعل الردع مقنعاً.
ولهذا ظل في جزء كبير منه تحالفاً سياسياً أكثر منه منظومة حرب مشتركة.
أزمة الشرعية: حلف بغداد كامتداد للغرب
كانت هناك مشكلة ثانية لا تقل خطورة: الشرعية السياسية.
في جزء كبير من العالم العربي، لم ينظر إلى حلف بغداد باعتباره مشروعاً أمنياً إقليمياً مستقلاً.
بل باعتباره امتداداً للاستراتيجية البريطانية والغربية في المنطقة.
كان جمال عبد الناصر من أبرز معارضيه، وتحول الحلف إلى جزء من الصراع بين المشروع القومي العربي وبين الأنظمة الأقرب إلى الغرب.
ثم جاءت أزمة السويس عام 1956.
الهجوم البريطاني–الفرنسي–الإسرائيلي على مصر أدى إلى انهيار كبير في صورة بريطانيا في المنطقة، وأضعف بالتالي أي مشروع أمني ترتبط به لندن.
وهنا ظهرت مشكلة ستتكرر كثيراً في تاريخ التحالفات الإقليمية:
إذا اعتقدت شعوب المنطقة أن التحالف لا يحمي مصالحها، بل يخدم مصالح قوة خارجية، تصبح شرعيته السياسية هشة حتى لو كانت بنيته العسكرية قوية.
سقوط بغداد وبقاء الحلف
ثم جاءت الضربة الكبرى.
في 14 يوليو/تموز 1958 سقط النظام الملكي العراقي بقيادة الملك فيصل الثاني، وصعد عبد الكريم قاسم.
تغيرت السياسة الخارجية العراقية جذرياً.
العراق الجديد لم يعد يعتبر نفسه جزءاً من المحور الغربي.
وبعد فترة قصيرة انسحب من الحلف.
وهنا حدثت المفارقة الشهيرة:
حلف بغداد أصبح بلا بغداد.
انتقلت المنظمة إلى أنقرة وأعيدت تسميتها CENTO.
استمرت المؤسسة بعد ذلك سنوات طويلة، لكن فقدان العراق كشف هشاشتها.
فالحلف الذي يفترض أنه يقوم على دول مستقرة اكتشف أن تغير النظام السياسي في دولة واحدة قادر على تغيير البناء كله.
وهذه مسألة يجب أخذها في الاعتبار دائماً عند دراسة التحالفات الإقليمية: ليس المهم فقط قوة الدولة اليوم، بل مدى استقرار توجهها الاستراتيجي على مدى عشرات السنين.
باكستان واكتشاف حدود التحالف
كانت باكستان المثال الأكثر وضوحاً على مشكلة اختلاف تعريف التهديد.
فبالنسبة إلى إسلام آباد، الهند كانت التحدي الأساسي.
لكن الحلف لم يكن مصمماً لمواجهة الهند.
وعندما دخلت باكستان في أزمات وحروب مع الهند، لم يتحول CENTO إلى مظلة دفاع جماعي حقيقية تحميها بالطريقة التي كانت تتوقعها.
هنا ظهرت الفجوة بين ما تريد باكستان من التحالف وبين ما يعتبره الآخرون وظيفة التحالف.
وكان ذلك من أهم أسباب تراجع الثقة الباكستانية بالمنظمة.
وهذا يقدم الدرس التاريخي الأكثر أهمية لأي تحالف جديد:
الاختبار الحقيقي للتحالف لا يأتي عندما يكون الجميع متفقين، بل عندما يتعرض عضو لخطر يعتبره وجودياً بينما لا يعتبره الآخرون كذلك.
النهاية الإيرانية والباكستانية
في عام 1979 أدت الثورة الإيرانية إلى انهيار ركيزة أخرى من ركائز CENTO.
الجمهورية الإسلامية الجديدة رأت الحلف جزءاً من النظام الموالي للغرب الذي كانت الثورة تريد إسقاطه.
انسحبت إيران.
وباكستان، التي كانت أصلاً قد فقدت جزءاً كبيراً من ثقتها بالتحالف، انسحبت كذلك.
وعندما فقدت المنظمة إيران وباكستان، لم يعد هناك الكثير مما يمكن إنقاذه.
وانتهت CENTO.
وبذلك انهار مشروع استمر أكثر من عشرين عاماً، رغم المؤسسات والاجتماعات والمساعدات العسكرية والاقتصادية التي أحاطت به.
بعد سبعين عاماً: العودة إلى الجغرافيا نفسها تقريباً
هنا تبدأ المقارنة الجديدة.
فمرة أخرى نرى تركيا وباكستان في قلب مشروع أمني يمتد بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا.
لكن هذه المرة يدخل الطرف العربي الأساسي من الخليج: السعودية.
ويملك التحالف الجديد تركيبة لافتة.
السعودية تقدم المال، والثقل السياسي والديني، والموقع الجغرافي في الخليج والبحر الأحمر، إضافة إلى قدرة كبيرة على تمويل مشاريع دفاعية طويلة المدى.
تركيا تقدم جيشاً كبيراً، وخبرة عسكرية، وصناعة دفاعية تتوسع بسرعة، وموقعاً يمتد من البحر الأسود إلى المتوسط والشرق الأوسط، فضلاً عن عضويتها في NATO.
أما باكستان فتقدم جيشاً كبيراً، وخبرة عملياتية، وقدرات صاروخية، والأهم أنها قوة نووية.
على الورق، يمكن لهذه الدول أن تشكل كتلة استراتيجية ضخمة.
لكن مرة أخرى يظهر الدرس القديم:
جمع القوة ليس هو نفسه جمع الاستراتيجية.
من هو العدو في التحالف الجديد؟
هذا هو السؤال المركزي.
بالنسبة إلى السعودية، البيئة الأمنية تشمل إيران، والحوثيين، وأمن الخليج والبحر الأحمر، والمنشآت النفطية، واحتمالات التصعيد مع إسرائيل، إضافة إلى استمرار الاعتماد على الولايات المتحدة مع الرغبة في تقليله.
بالنسبة إلى تركيا، التهديدات موزعة على مساحات أكبر: سوريا، التنظيمات الكردية المسلحة، شرق المتوسط، روسيا، البحر الأسود، إسرائيل، التطورات في القوقاز، والعلاقة المعقدة مع NATO.
أما باكستان، فالهند تبقى في قلب عقيدتها الأمنية، إضافة إلى أفغانستان، الجماعات المسلحة، أمن الحدود، والمحيط الهندي.
وهذا يعني أن الدول الثلاث يمكن أن تتفق بسهولة على صيغة عامة مثل:
“الهجوم على أحدنا هو هجوم علينا جميعاً.”
لكن الصعوبة تبدأ عندما نحول الجملة إلى سيناريوهات.
ماذا لو تعرضت باكستان لهجوم هندي واسع؟
هل تعتبر السعودية ذلك حرباً عليها؟
هل تدخل تركيا عسكرياً؟
وماذا لو تعرضت السعودية لهجوم إيراني مباشر؟
هل تدخل باكستان في مواجهة عسكرية مع إيران، وهي تشترك معها بحدود طويلة ولديها مصالح أمنية حساسة معها؟
وماذا لو دخلت تركيا في أزمة عسكرية مع إسرائيل أو في شرق المتوسط؟
هل تعتبر السعودية وباكستان نفسيهما ملزمتين بالمشاركة؟
هذه ليست أسئلة نظرية.
هي التي ستحدد قيمة التحالف في أول أزمة.
الغموض الاستراتيجي: نقطة قوة ونقطة ضعف
يبدو أن الاتفاق الجديد يترك هامشاً واسعاً للمشاورات في تحديد طبيعة الرد.
قد يكون هذا مقصوداً.
الغموض الاستراتيجي يسمح للدول بإرسال رسالة إلى الخصوم بأن الهجوم قد يؤدي إلى رد مشترك، من دون إلزام الأعضاء مسبقاً بطريقة محددة للتدخل.
هذا يمنح مرونة سياسية.
لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف.
فالردع يحتاج إلى قدر من اليقين.
إذا كان الخصم يعتقد أن كل عضو سيعيد حساباته من الصفر عند وقوع الهجوم، فإن قيمة “الدفاع المشترك” تصبح أقل.
وهنا تحديداً يتكرر خطر CENTO.
هل يتحول الاتفاق إلى مؤسسة؟
أحد أهم الفروق المحتملة بين المشروع الجديد وحلف بغداد هو الحديث عن مؤسسات دائمة، وعن أمانة أو هيكل وزاري، وعن إمكانية التوسع.
إذا تطورت هذه البنية، فإن التحالف يمكن أن يتجاوز مرحلة الاتفاق السياسي.
لكن المؤسسة الحقيقية لا تعني مبنى وأمانة فقط.
يجب أن تشمل:
مركز قيادة دائم.
خطط طوارئ مشتركة.
ضباط ارتباط دائمين.
تبادل معلومات استخباراتية.
مراكز إنذار مبكر.
تنسيق الدفاع الجوي والصاروخي.
شبكات اتصالات آمنة.
مناورات دفاع جماعي.
قدرات لوجستية تسمح بنقل القوات والذخائر بسرعة.
تنسيق بحري في الخليج والبحر الأحمر والمحيط الهندي.
إذا لم تظهر هذه العناصر، فقد يبقى التحالف أشبه بـCENTO: منظمة سياسية ذات مظهر عسكري.
الصناعة الدفاعية: عنصر جديد قد يغير المعادلة
هنا توجد نقطة قوة كبيرة لم تكن متوافرة بالشكل نفسه في حلف بغداد.
تركيا اليوم ليست مجرد مستورد للسلاح.
هي منتج للطائرات المسيّرة، والسفن الحربية، والعربات المدرعة، والذخائر، والصواريخ، والأنظمة الإلكترونية.
السعودية تريد تحويل جزء من إنفاقها العسكري إلى صناعة محلية ضمن رؤية أوسع للاستقلال الصناعي والتكنولوجي.
أما باكستان فتملك قاعدة صناعية عسكرية، وخبرة في الطائرات والصواريخ والمدرعات، وعلاقات صناعية طويلة مع الصين.
إذا ربطت الدول الثلاث هذه القدرات في مشاريع مشتركة، فإن التحالف سيكتسب أساساً مادياً لا يقتصر على السياسة.
فالتحالفات التي تربطها مصانع مشتركة، وسلاسل توريد، ومخزونات موحدة، وأنظمة تسليح متوافقة، تصبح أكثر صعوبة في الانهيار.
بمعنى آخر، قد يكون التكامل الصناعي أهم من البيانات السياسية.
العامل النووي الباكستاني
وجود باكستان يجعل التحالف مختلفاً جذرياً عن كثير من الترتيبات الأمنية التقليدية.
فهي قوة نووية.
لكن يجب التفريق بين أمرين.
الأول أن وجود دولة نووية داخل التحالف يعزز الردع النفسي والسياسي.
أما الثاني فهو القول إن السعودية أو تركيا أصبحتا تحت مظلة نووية باكستانية.
لا يوجد دليل علني كافٍ يثبت ذلك.
وبالتالي، فإن العامل النووي يعمل حالياً في منطقة الغموض.
وهذا قد يكون متعمداً.
فالخصم سيضطر إلى أخذ القدرة النووية الباكستانية في حسابه من دون أن يعرف بدقة حدود الالتزام الباكستاني.
لكن إذا أصبح الأمر أكثر وضوحاً في المستقبل، فقد يؤدي إلى ردود فعل قوية من الولايات المتحدة وإسرائيل والهند وربما أوروبا.
لذلك يستطيع العامل النووي أن يكون قوة ردع، لكنه يمكن أيضاً أن يصبح مصدر ضغط على التحالف.
إيران: هل التحالف موجّه ضدها؟
من السهل تفسير التحالف باعتباره محوراً سنياً لمواجهة إيران.
لكن هذا التفسير وحده غير كافٍ.
السعودية لديها أسباب أمنية حقيقية للخشية من إيران وشبكتها الإقليمية.
لكن تركيا لا ترغب في تحويل إيران إلى عدو دائم.
وباكستان تحتاج إلى علاقة قابلة للإدارة مع طهران بسبب الحدود والجغرافيا والأمن.
ولهذا سيكون من الصعب على التحالف أن يستمر طويلاً إذا عرف نفسه رسمياً على أنه مشروع ضد إيران.
الأكثر عقلانية أن يقدم نفسه باعتباره منظومة أوسع:
أمن الخليج.
الدفاع الجوي والصاروخي.
أمن البحر الأحمر.
مكافحة الإرهاب.
الأمن السيبراني.
حماية البنى التحتية والطاقة.
الممرات البحرية.
والتوازن الإقليمي.
هذا يمنحه هامشاً أوسع للاستمرار.
إسرائيل: عامل غير معلن لكنه حاضر
هناك بعد آخر لا يمكن تجاهله.
العلاقة التركية–الإسرائيلية أصبحت أكثر توتراً.
باكستان لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.
أما السعودية، فرغم اتصالاتها وعلاقاتها غير المباشرة السابقة، أصبحت عملية التطبيع أكثر تعقيداً بسبب التطورات الإقليمية.
لذلك يمكن أن ينشأ داخل التحالف تصور بأنه ليس فقط وسيلة لموازنة إيران، بل كذلك لمنع إسرائيل من امتلاك تفوق إقليمي بلا قيود.
وهذا لا يعني أن التحالف أنشئ لمهاجمة إسرائيل.
لكن مجرد وجود كتلة عسكرية وسياسية كبيرة من السعودية وتركيا وباكستان سيؤثر في الحسابات الإسرائيلية.
وهنا قد يتحول التحالف إلى أداة توازن إقليمي مزدوج: تجاه إيران من جهة، وتجاه إسرائيل من جهة أخرى.
الولايات المتحدة: خصم أم شريك من الخارج؟
هذه أيضاً نقطة تختلف فيها التجربة الجديدة عن حلف بغداد.
حلف بغداد كان في الأساس جزءاً من النظام الغربي للحرب الباردة.
أما التحالف الجديد فيبدو أقرب إلى محاولة بناء استقلال استراتيجي نسبي.
لكن هذا لا يعني الرغبة في طرد الولايات المتحدة.
السعودية ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على التعاون العسكري الأميركي.
وتركيا عضو في NATO.
وباستخدام باكستان لعلاقاتها مع واشنطن وبكين معاً، فهي أيضاً تمارس سياسة موازنة.
لذلك قد يكون الهدف الحقيقي ليس الاستغناء عن الولايات المتحدة، بل الاستغناء عن الاعتماد الحصري عليها.
إذا نجحت الدول الثلاث في هذا التوازن، يمكن لواشنطن أن تنظر إلى التحالف باعتباره جزءاً من تقاسم الأعباء.
أما إذا أصبح التحالف منصة لتحدي الولايات المتحدة أو تقويض NATO أو إدخال الصين وروسيا عسكرياً إلى قلب البنية الأمنية، فسيتغير الموقف الأميركي بصورة كبيرة.
الصين وروسيا: الاستفادة من عالم أكثر تعددية
الصين تنظر إلى المنطقة بطريقة مختلفة.
هي شريك استراتيجي لباكستان.
لديها علاقات اقتصادية ضخمة مع السعودية.
وتحتفظ بعلاقات مهمة مع إيران.
ولذلك لا تريد تحالفاً موجهاً بالكامل ضد طهران.
لكنها تستفيد من أي نظام يقلل الاحتكار الأميركي للأمن الإقليمي.
من مصلحة بكين أن ترى دول المنطقة أكثر استقلالاً في خياراتها، شرط ألا يؤدي ذلك إلى حروب تعطل التجارة والطاقة.
روسيا لديها حساب مشابه لكن أكثر حساسية.
هي تريد عالماً أقل اعتماداً على واشنطن.
لكن علاقتها مع إيران مهمة جداً.
لذلك تستطيع أن ترحب باستقلال استراتيجي سعودي–تركي–باكستاني، لكنها ستصبح أكثر حذراً إذا تحول إلى مشروع احتواء مباشر لإيران.
مصر: الاختبار الحقيقي للتحول من تحالف إلى نظام
إذا انضمت مصر، فإن الجغرافيا ستتغير بصورة كبيرة.
ستمتد المنظومة من باكستان والمحيط الهندي إلى الخليج، ثم البحر الأحمر وقناة السويس، ثم المتوسط والأناضول والبحر الأسود.
ستدخل قوة عربية كبيرة إضافية ذات وزن سكاني وعسكري ورمزي.
وحينها يمكن أن نتحدث عن بداية بنية أمنية إقليمية، لا مجرد اتفاق ثلاثي.
لكن انضمام مصر سيكون أيضاً اختباراً.
كل دولة جديدة تزيد القوة، لكنها تزيد عدد المصالح المتعارضة.
وهذا ما يجب تذكره من تجربة حلف بغداد.
التوسع قد يجعل التحالف أقوى عسكرياً لكنه أضعف سياسياً إذا لم تكن هناك عقيدة أمنية مشتركة.
الهند: نقطة الضغط الأكثر حساسية
إذا كان التحالف سيواجه اختباراً شبيهاً باختبار CENTO، فإن الهند قد تكون المسرح الأوضح.
ستريد باكستان بطبيعة الحال أن تشعر بأن حلفاءها يقفون إلى جانبها في أي مواجهة كبرى مع الهند.
لكن السعودية لها علاقات اقتصادية واستراتيجية متنامية مع الهند.
وتركيا، رغم خلافاتها مع نيودلهي حول بعض الملفات، ليس من السهل تصور أنها تريد حرباً مع الهند.
وهنا قد تعود المشكلة القديمة تقريباً بحذافيرها.
باكستان قد تقول: التهديد الوجودي لنا هو الهند.
والآخرون قد يقولون: نعم نحن حلفاء، لكن التزامنا لا يشمل كل حرب باكستانية–هندية.
إذا حدث ذلك، ستظهر داخل التحالف الفجوة نفسها التي أضعفت CENTO.
IMEC: الممر الاقتصادي يدخل قلب المعادلة الأمنية
وهنا يظهر عامل جديد لم يكن موجوداً بهذه الصورة في تجربة حلف بغداد: الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا IMEC.
فالمشروع يقوم على ربط الهند بأوروبا عبر الخليج والسعودية ثم مسارات تمتد باتجاه شرق المتوسط وأوروبا.
وبالنسبة إلى السعودية، يمثل هذا الممر فرصة استراتيجية ضخمة.
هو يدعم التحول إلى مركز لوجستي وتجاري عالمي، ويمنح المملكة موقعاً مركزياً في الربط بين آسيا وأوروبا، ويتناسب مع أهداف التنويع الاقتصادي.
لكن بالنسبة إلى التحالف الجديد، يخلق IMEC تناقضاً عميقاً.
فالهند بالنسبة إلى السعودية شريك اقتصادي مهم.
لكنها بالنسبة إلى باكستان الخصم الاستراتيجي الأساسي.
وهكذا تظهر مرة أخرى مشكلة شبيهة بحلف بغداد:
الدولة التي يعتبرها أحد أعضاء التحالف شريكاً اقتصادياً مركزياً قد يعتبرها عضو آخر تهديداً وجودياً.
وهذا يضع التحالف أمام اختبار دقيق.
إذا استطاعت السعودية الحفاظ على علاقة اقتصادية عميقة مع الهند من دون أن تشعر باكستان بأن هذه العلاقة تأتي على حساب مصالحها الاستراتيجية، يمكن للرياض أن تتحول إلى قوة موازنة بين الطرفين.
أما إذا أصبح IMEC جزءاً من استراتيجية أوسع لرفع الوزن الهندي في المنطقة على حساب باكستان، فإن المشروع قد يتحول إلى عنصر توتر داخل التحالف.
إسرائيل بوصفها عقدة في الممر
الأهمية الجيوسياسية لـIMEC لا تتوقف عند الهند.
فالنسخة الأصلية للممر ترتبط أيضاً بإسرائيل بوصفها إحدى بوابات العبور نحو المتوسط وأوروبا.
وهذا يخلق تناقضاً إضافياً.
تركيا اليوم في علاقة شديدة التوتر مع إسرائيل.
باكستان لا تعترف بإسرائيل أصلاً.
أما السعودية، فتبقي الباب مفتوحاً أمام تسوية مستقبلية، لكنها تربطها بشروط سياسية وأمنية معقدة.
إذا أصبح نجاح IMEC مشروطاً عملياً بالتطبيع السعودي–الإسرائيلي، فقد يتحول المشروع الاقتصادي إلى اختبار داخلي للتحالف.
فكلما اقتربت السعودية من إسرائيل ضمن مشروع استراتيجي واسع، قد يزداد القلق في أنقرة وإسلام آباد.
أما إذا أعيد تصميم مسارات تربط الخليج بتركيا أو بمصر أو بممرات أخرى، فقد يتحول المشروع من عامل انقسام إلى عامل تكامل.
ومن هنا فإن مسار السكك الحديدية والموانئ قد يصبح له أثر على التحالف لا يقل عن أثر الصواريخ والطائرات.
التكنولوجيا النووية الأميركية: الأمن والتكنولوجيا مقابل السياسة
العامل الآخر الأكثر حساسية هو الاتفاق النووي المدني الأميركي–السعودي.
إذا أصبح الحصول على التكنولوجيا النووية الأميركية مرتبطاً بشروط سياسية، وخصوصاً بالتطبيع مع إسرائيل، فإن السعودية ستواجه معادلة استراتيجية معقدة.
من ناحية، تستطيع التكنولوجيا النووية المدنية أن تدعم تنويع الاقتصاد، وتطوير قاعدة علمية وصناعية، وتعزيز أمن الطاقة، وتقوية العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن.
ومن ناحية أخرى، فإن ربط التكنولوجيا بمسار سياسي تجاه إسرائيل قد يحد من استقلال القرار السعودي.
وهنا تظهر مفارقة مهمة:
السعودية تريد استقلالاً استراتيجياً أكبر، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى تكنولوجيا خارجية متقدمة لبناء هذا الاستقلال.
وهذا يعني أن الاستقلال لن يكون مطلقاً، بل تفاوضياً.
هل تقوي التكنولوجيا الأميركية التحالف أم تضعفه؟
يمكن أن تعمل في الاتجاهين.
إيجابياً، إذا حصلت السعودية على التكنولوجيا الأميركية مع الحفاظ على استقلال قرارها، فإنها تصبح أكثر قوة اقتصادياً وتكنولوجياً، وتزداد قدرتها على تمويل مشاريع دفاعية وصناعية مشتركة مع تركيا وباكستان.
كما أن استمرار العلاقة القوية مع واشنطن قد يطمئن الولايات المتحدة وأوروبا إلى أن التحالف الجديد ليس مشروعاً عدائياً موجهاً ضد الغرب.
بهذا المعنى يمكن أن يعمل الاتفاق النووي كصمام أمان.
لكن الجانب السلبي يظهر إذا أصبح الحصول على التكنولوجيا مشروطاً بتنازلات سياسية واسعة.
عندها قد يشعر أعضاء التحالف الآخرون بأن السعودية تنجذب أكثر نحو محور أميركي–إسرائيلي–هندي.
وهذا قد يعيد إنتاج مشكلة CENTO بطريقة مختلفة:
التحالف قائم، لكن بعض أعضائه يشعرون بأن الأولويات الاستراتيجية الفعلية تتحرك خارج التحالف.
البدائل الصينية والباكستانية
إذا تعثرت التكنولوجيا الأميركية أو أصبحت شروطها صعبة، يمكن أن تتجه السعودية إلى بدائل أخرى.
الصين قادرة على تقديم تعاون نووي مدني وتكنولوجي واسع.
وباكستان تملك معرفة نووية وعسكرية متقدمة، وإن كان أي تعاون حساس في هذا المجال سيخلق ردود فعل دولية كبيرة.
وهذا يفتح الباب أمام استقطاب جديد.
إذا اعتمدت السعودية على التكنولوجيا الأميركية، تبقى داخل النظام التكنولوجي الغربي.
إذا اتجهت إلى الصين، تزيد استقلالها عن واشنطن لكنها تقترب أكثر من المنافس الاستراتيجي الرئيسي للولايات المتحدة.
اما إذا ظهر تعاون نووي حساس مع باكستان، فقد تدخل الهند وإسرائيل والولايات المتحدة مباشرة في دائرة القلق.
ومن هنا فإن الملف النووي قد يتحول من مشروع طاقة إلى مؤشر على اتجاه النظام الإقليمي كله.
السعودية وسياسة عدم الاختيار
كل هذه الملفات تكشف شيئاً مركزياً في السياسة السعودية الجديدة.
السعودية لا تريد، بالضرورة، أن تختار محوراً واحداً.
هي تريد الأمن الأميركي.
والتكنولوجيا الأميركية.
والتجارة الصينية.
والاستثمار والعلاقات الاقتصادية مع الهند.
والتحالف مع تركيا وباكستان.
وعلاقة قابلة للإدارة مع إيران.
وربما تسوية مستقبلية مع إسرائيل.
وهذا يمثل شكلاً متقدماً من التعدد في الاصطفافات أو multi-alignment.
وهو يختلف عن منطق الحرب الباردة الذي فرض على الدول غالباً اختيار معسكر واضح.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل ميزة وخطراً في الوقت نفسه.
الميزة أنها تمنح السعودية خيارات أوسع.
أما الخطر فهو أن هذه الخيارات قد تتعارض فيما بينها عند الأزمات.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل التحالف
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية.
السيناريو الأول: التكامل المرن
تنجح السعودية في الحفاظ على التحالف مع تركيا وباكستان، وتستمر في علاقاتها الاقتصادية مع الهند، وتحصل على تكنولوجيا غربية أو آسيوية متقدمة، وتبقي العلاقة مع إسرائيل محدودة أو مشروطة.
في هذا السيناريو يصبح التحالف جزءاً من سياسة تعدد الاصطفافات، وليس بديلاً عنها.
وهذا هو السيناريو الأكثر قدرة على الاستمرار، لأنه لا يفرض على الأعضاء اختيار محور واحد.
السيناريو الثاني: الانجذاب نحو المحور الغربي
إذا أصبحت IMEC والعلاقة مع الهند والتطبيع مع إسرائيل والتكنولوجيا الأميركية هي الأولويات العليا للسعودية، فقد يتحول التحالف مع تركيا وباكستان إلى شراكة أمنية أقل طموحاً.
في هذه الحالة قد تشعر باكستان خصوصاً بأن التحالف لا يخدم مصالحها الأساسية.
وهذا يشبه بعض ما حدث في CENTO عندما اكتشفت إسلام آباد أن الحلف لا يتعامل مع الهند باعتبارها التهديد الذي من أجله تريد الحماية.
السيناريو الثالث: استقلال أكبر عن الغرب
إذا تعثرت العلاقة مع واشنطن واستمر الجمود مع إسرائيل، وقدمت الصين بدائل اقتصادية وتكنولوجية، فقد يصبح التحالف أكثر استقلالية وأكثر ارتباطاً ببكين.
هذا قد يقوي الرابط السعودي–التركي–الباكستاني.
لكنه في المقابل قد يزيد الضغط الأميركي والأوروبي، ويرفع مستوى القلق في الهند وإسرائيل.
لماذا يمكن للتحالف أن ينجح أكثر من حلف بغداد؟
هناك عدة أسباب.
أولاً، هو مشروع تقوده دول إقليمية نفسها، وليس تصميماً غربياً واضحاً.
ثانياً، الدول الثلاث تملك قدرات صناعية ومالية وعسكرية أكبر بكثير.
ثالثاً، يمكن بناء مصالح مادية مشتركة في الصناعة الدفاعية والطاقة والتجارة والنقل.
رابعاً، العالم متعدد الأقطاب يمنحها مساحة أكبر للمناورة.
خامساً، السعودية وتركيا وباكستان تمتلك خبرة طويلة في إدارة العلاقات مع القوى الكبرى.
سادساً، وجود باكستان كقوة نووية يعطي بعداً إضافياً للردع.
وسابعاً، إذا انضمت مصر، فقد يكتسب المشروع شرعية عربية وجغرافية أوسع.
ولماذا يمكن أن يفشل؟
في المقابل، توجد عوامل فشل خطيرة.
عدم وجود تعريف موحد للعدو.
غموض الالتزام العسكري.
اختلاف علاقات الأعضاء بإيران وإسرائيل والهند.
التناقض المحتمل بين تركيا وNATO.
احتمال تحول IMEC إلى مصدر توتر بسبب الهند وإسرائيل.
إمكانية ربط التكنولوجيا الأميركية بشروط سياسية تخلق انقساماً داخل التحالف.
احتمال التوسع السريع من دون عقيدة موحدة.
تغير الأنظمة أو الأولويات السياسية الداخلية.
وتحول العامل النووي من مصدر ردع إلى مصدر ضغط دولي.
لكن العامل الأكثر أهمية يبقى:
ما الذي سيحدث عند أول أزمة حقيقية؟
الاختبار الذي سيكشف كل شيء
يمكن إنشاء أمانة عامة.
يمكن تنفيذ مناورات.
يمكن الإعلان عن مشاريع صناعية.
يمكن بناء ممرات اقتصادية.
يمكن توقيع اتفاقات نووية.
لكن لا شيء من ذلك يعادل اختبار أزمة عسكرية فعلية.
إذا تعرضت دولة عضو لهجوم كبير، ستظهر الأسئلة الحقيقية:
هل الحرب حرب الجميع؟
من يرسل القوات؟
من يقدم الدفاع الجوي؟
من يقدم الاستخبارات؟
من يتحمل الخسائر؟
هل يمكن لعضو أن يرفض المشاركة من دون أن تنهار مصداقية التحالف؟
وهل تبقى العلاقات الاقتصادية مع خصم حليفك أهم من الالتزام العسكري تجاهه؟
عندها فقط نعرف هل أمامنا تحالف أم مجرد شبكة تعاون.
ما الذي يجب مراقبته؟
خلال السنوات المقبلة، يجب مراقبة مؤشرات عملية أكثر من البيانات السياسية:
إنشاء قيادة عسكرية مشتركة.
تأسيس مركز عمليات دائم.
دمج الرادارات وشبكات الإنذار المبكر.
بناء دفاع جوي وصاروخي مشترك.
زيادة تبادل المعلومات الاستخباراتية.
إنشاء مخزونات أو قواعد أو منشآت مشتركة.
تطوير مشاريع تصنيع دفاعي مشتركة.
موقف مصر من الانضمام.
موقف دول الخليج الأخرى.
المسار الحقيقي لـIMEC.
هل يمر عبر إسرائيل أم يجري تعديله؟
هل تبقى الهند شريكاً اقتصادياً للسعودية من دون أن يتحول ذلك إلى مشكلة مع باكستان؟
هل تحصل السعودية على التكنولوجيا النووية الأميركية؟
وما الشروط السياسية المرافقة؟
وهل يظهر أي تغيير في طبيعة العلاقة النووية بين السعودية وباكستان؟
هذه هي المؤشرات التي ستحدد مستقبل التحالف.
الدرس الأكبر من حلف بغداد
إن أهم ما يقدمه حلف بغداد اليوم ليس حكماً بأن التحالف الجديد سيفشل.
بل يقدم قاعدة أكثر دقة:
لا تستطيع المعاهدة أن تعوض غياب الاستراتيجية المشتركة.
حلف بغداد ضم دولاً قوية.
امتلك مؤسسات.
حصل على دعم خارجي.
واستمر سنوات طويلة.
لكنه لم يستطع تحويل القوة المشتركة إلى إرادة مشتركة.
أما التحالف الجديد فيملك فرصة أفضل لأنه أكثر إقليمية، وأكثر تنوعاً في مصادر القوة، وأكثر قدرة على بناء مصالح اقتصادية وصناعية عميقة.
لكن هذه الميزة قد تتحول إلى نقطة ضعف.
فالدول الثلاث لا تختلف فقط في تعريف العدو.
هي أيضاً مرتبطة بشبكات اقتصادية وتكنولوجية وسياسية مختلفة.
السعودية مرتبطة بالهند اقتصادياً.
باكستان ترى الهند خصماً استراتيجياً.
تركيا تريد موقعاً مركزياً في طرق التجارة نحو أوروبا.
الولايات المتحدة تريد الحفاظ على نفوذها التكنولوجي والأمني.
الصين تريد توسيع دورها الاقتصادي.
إسرائيل تريد أن تبقى جزءاً من الممرات الإقليمية الجديدة.
إيران تريد ألا يتحول التحالف إلى أداة لاحتوائها.
وهكذا فإن مستقبل التحالف لن يتحدد فقط في القواعد العسكرية ومراكز القيادة.
سيتحدد أيضاً في الموانئ والسكك الحديدية والمفاعلات النووية وشبكات البيانات وسلاسل التوريد واتفاقات التجارة.
وهنا يظهر الفرق بين النجاح والفشل.
إذا استطاعت الدول الأعضاء تحويل هذه الشبكات المتداخلة إلى مصالح مشتركة، فقد تصبح أمام نواة نظام أمني واقتصادي جديد في المنطقة.
أما إذا أصبحت هذه الشبكات أدوات تجذب كل دولة إلى محور مختلف، فقد يعيد التاريخ إنتاج مشكلة حلف بغداد في صورة أكثر تعقيداً:
تحالف عسكري واحد، لكن اقتصادات واستراتيجيات مرتبطة بعوالم مختلفة.
وفي النهاية، يبقى السؤال نفسه الذي لم يستطع حلف بغداد الإجابة عنه:
ماذا سيفعل كل عضو عندما تبدأ حرب لم يخترها هو، لكن اختارها التاريخ لحليفه؟
إذا كانت الإجابة واضحة، ومؤسساتية، ومدعومة بالقوة والمصالح المشتركة، فإن التحالف الجديد قد يتجاوز تجربة CENTO ويصبح نواة لنظام إقليمي جديد.
أما إذا كانت الإجابة: يعتمد ذلك على الخصم والظروف ومصالحنا في تلك اللحظة، فإن الأسماء قد تتغير والدول قد تتغير، لكن المعضلة ستبقى هي نفسها.هذه النسخة تدمج البعدين العسكري والتاريخي مع البعد الاقتصادي والتكنولوجي في حجة واحدة: مستقبل التحالف لن يتحدد فقط بالسلاح، بل أيضاً بمن يتحكم بالممرات، التكنولوجيا، الطاقة، التمويل، وسلاسل الاعتماد المتبادل.



