أنقرة… رقعة شطرنج ثلاثية الأبعاد

دبلوماسية تجميد الصراع" التي يروجها ترامب تصطدم بترتيبات الناتو الجديدة

من كييف إلى دمشق… كيف يعيد الرئيس الأمريكي رسم خارطة الأمن الأوروبي- الأطلسي؟

كتب أحمد سمير
عندما تجتمع في مدينة أنقرة تركيا، في ال7و8 من يوليو الجاري2026، ثلاثة رؤساء يحمل كل منهم أجندة مختلفة، فإن المشهد يتجاوز مجرد “قمة حلف شمال الأطلسي”، إنها ساحة اختبار لـ”فن الصفقات” الذي يتبناه دونالد ترامب، والذي يحاول فيه فرض رؤيته القائمة على “إنهاء الأزمات بأسرع وقت”، حتى لو كان الثمن هو تجميد الصراع الأوكراني وإعادة تأهيل نظام سوري كان حتى الأمس القريب تحت طائلة العقوبات الغربية، بين لقاء زيلينسكي الذي يسعى للحصول على ذخائر الدفاع الجوي، ولقاء الرئيس السوري أحمد الشرع الذي يبحث عن شرعية دولية، ولقاء أردوغان الذي يلعب دور الوسيط والرابح الأكبر، تُعقد في أنقرة خيوط نظام عالمي جديد لم يعد يرتكز على القيم، بل على المصالح الآنية والرهانات الشخصية للرئيس الأميركي.

فالرئيس الأميركي، ترامب، بنى حملته على وعد “إنهاء الحروب الأبدية”، يستغل أرضية تركيا — الدولة العضو في الناتو التي تتمتع بعلاقات معقدة مع روسيا وأوكرانيا وسوريا — ليرسم خريطة سلام براغماتية بعيداً عن الخطاب الليبرالي التقليدي، هذا التحرك يأتي في وقت يعاني فيه الغرب من إرهاق الحرب، وتسعى فيه موسكو إلى مخرج مشرف، وتحاول دمشق الجديدة كسر عزلتها الدولية.

الاختيار التركي ليس مصادفة. أنقرة هي العضو الوحيد في الناتو الذي يحافظ على قنوات مع موسكو وكييف ودمشق معاً، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان قال إن ترامب سيحضر “بسبب احترامه الشخصي لأردوغان”، الرسالة واضحة: ترامب يريد وسيطاً عملياً، لا بياناً ختامياً.
السؤال الجوهري: هل نحن أمام بداية نهاية حقيقية للحرب، أم مجرد إعادة توزيع للنفوذ؟

ما أهمية قمة الناتو في هذا التوقيت؟
القمة تأتي وسط تصاعد التحديات الأمنية العالمية، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات في الشرق الأوسط، إضافة إلى سعي الحلف لتوحيد مواقفه بشأن الأمن الأوروبي، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وتعزيز التعاون مع الشركاء الإقليميين.
أنقرة كمنصة بديلة، تركيا تمنحه ثلاث مزايا: قاعدة عسكرية أمريكية ضخمة، علاقة شخصية قوية مع أردوغان، وقدرة على استضافة خصوم لا يجتمعون في مكان آخر، القمة تأتي أيضاً بينما يواصل ترامب انتقاد الحلفاء علناً بسبب الإنفاق الدفاعي، لذلك يريد أن يظهر كـ”صانع صفقات” لا كضامن جماعي.

لماذا يلتقي ترامب بزيلينسكي الآن، وما هي فرص تحقيق اختراق حقيقي؟
اللقاء المقرر بين ترامب وزيلينسكي يوم الأربعاء ليس مجرد لقاء بروتوكولي، بل هو محاولة جادة لدفع مسار إنهاء الحرب التي دخلت عامها الخامس، المصادر تؤكد أن الاجتماع سيركز على “سبل إنهاء الحرب” ومناقشة “كيفية إنهاء الحرب”، هناك مؤشرات على أن الجانبين يعملان على تحقيق تقدم، حيث صرّح زيلينسكي أخيراً بأن “هناك فرصة حقيقية لإنهاء هذه الحرب” بعد محادثة مع ترامب، كما أفادت تقارير بأن زيلينسكي وافق على حملة مدتها 40 يوماً “للضغط” على روسيا من أجل إنهاء الحرب، من المتوقع أن يطرح زيلينسكي ملف إعادة إعمار بلاده خلال اللقاء ، بينما سيواصل ترامب جهوده التي قد تشمل اتصالاً لاحقاً بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
كل المؤشرات تشير إلى أن اللقاء لن يفضي إلى “اتفاقية سلام”، بل إلى “تفاهم على تجميد الجبهات”.

التصريحات الأميركية التي تحدثت عن “إلحاح” ترامب تعني ببساطة أنه غير مستعد لاستمرار نزيف المساعدات المالية والأسلحة، الأهم من ذلك، أن تهميش زيلينسكي ومنعه من إلقاء كلمة في القمة هو رسالة سياسية قاسية مفادها أن واشنطن لم تعد تنظر إلى كييف كشريك متساوٍ، بل كطرف مُلزَم بقبول أي صفقة يفرضها البيت الأبيض. لذلك، سيكون محور النقاش عملياً هو كيف يمكن تجنب الانهيار العسكري الأوكراني، وليس كيفية تحقيق الانتصار، واشنطن قد تضغط على زيلينسكي لتقديم تنازلات جغرافية (مثل الاعتراف بواقع شبه جزيرة القرم وأجزاء من دونباس) مقابل ضمانات أمنية وإعادة إعمار مدعومة دولياً. النجاح هنا يعتمد على قدرة ترامب على تقديم “صفقة” تشمل روسيا، ربما بتخفيف العقوبات مقابل وقف إطلاق نار.

صفقة زيلينسكي: سلاح مقابل تنازلات
البيت الأبيض أكد أن ترامب سيلتقي زيلينسكي والشرع الأربعاء خلال القمة، وقال مسؤول أميركي إن الاجتماع مع زيلينسكي سيكون لمناقشة “كيف يمكننا إنهاء الحرب”.
كييف تدخل اللقاء مثقلة: روسيا كثفت ضرباتها ومقتل 50 شخصاً في العاصمة في يوليو وحده، وأوكرانيا شنت هجمات متصاعدة على قطاع الطاقة الروسي، زيلينسكي يريد من ترامب أمرين محددين، بيع منظومات باتريوت الأمريكية، والالتزام بعقوبات أشد على موسكو.
ترامب بالمقابل يريد إطاراً سريعاً لإنهاء الحرب، وقال خلال لقائه أردوغان في القمة: “أعتقد أن الحرب في أوكرانيا ستُحسم، نأمل قريباً”، هذا يعني ضغطاً على كييف للقبول بخارطة طريق تفاوضية، ليس فقط الحصول على سلاح
هل يمتلك ترامب القدرة على إنهاء الحرب الأوكرانية؟
إنهاء الحرب لا يعتمد على واشنطن وحدها، بل يتطلب موافقة روسيا وأوكرانيا والقوى الأوروبية. ومع ذلك، تمتلك الولايات المتحدة أدوات ضغط سياسية وعسكرية واقتصادية تجعلها لاعبًا رئيسيًا في أي تسوية مستقبلية.
ما هي الرسالة الخفية وراء لقاء ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع على هامش قمة الناتو؟
هذه ليست خطوة دبلوماسية عابرة، بل هي “انقلاب استراتيجي” في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط. باستقبال الشرع، يعترف ترامب عملياً بأن سوريا الجديدة هي محور أساسي في معادلة المنطقة، في محاولة لانتزاع دمشق من الغطاء الإيراني والروسي. لكن المغزى الأعمق هو إرسال رسالة لأنقرة: “نحن نقدر نفوذك الإقليمي، ونحن على استعداد لتقاسم الغنائم معك”. إنها صفقة واضحة: تركيا تحصل على اعتراف أميركي بدورها في سوريا، وأمريكا تحصل على موطئ قدم جديد لإبعاد إيران عن حدود الجولان.

لماذا الشرع؟
إدخال الرئيس السوري الجديد ليس هامشياً. البيت الأبيض قال إن النقاش مع الشرع يأتي بينما “ترامب تحدث علناً عن دور سوريا في الشرق الأوسط”.
سوريا ما بعد الأسد هي ورقة ضغط على روسيا، موسكو خسرت قاعدتيها الرئيسيتين في طرطوس وحميميم جزئياً، وواشنطن تريد من الشرع ضمانات بعدم عودة النفوذ الإيراني- الروسي، إذا قدمت دمشق تعاوناً أمنياً، يمكن لترامب أن يقول لبوتين: “خسارتك في سوريا دائمة إلا إذا تنازلت في أوكرانيا”، اللقاء إذن ليس إنسانياً، بل مقايضة جيوسياسية، سوريا ما بعد الأسد هي ورقة ضغط على روسيا، موسكو خسرت قاعدتيها الرئيسيتين في طرطوس وحميميم جزئياً، وواشنطن تريد من الشرع ضمانات بعدم عودة النفوذ الإيراني-الروسي، إذا قدمت دمشق تعاوناً أمنياً، يمكن لترامب أن يقول لبوتين: “خسارتك في سوريا دائمة إلا إذا تنازلت في أوكرانيا”، اللقاء إذن ليس إنسانياً، بل مقايضة جيوسياسية.
ما هي الرسالة الخفية وراء لقاء ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع على هامش قمة الناتو؟
هذه ليست خطوة دبلوماسية عابرة، بل هي “انقلاب استراتيجي” في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط. باستقبال الشرع، يعترف ترامب عملياً بأن سوريا الجديدة هي محور أساسي في معادلة المنطقة، في محاولة لانتزاع دمشق من الغطاء الإيراني والروسي. لكن المغزى الأعمق هو إرسال رسالة لأنقرة: “نحن نقدر نفوذك الإقليمي، ونحن على استعداد لتقاسم الغنائم معك”. إنها صفقة واضحة: تركيا تحصل على اعتراف أمريكي بدورها في سوريا، وأميركا تحصل على موطئ قدم جديد لإبعاد إيران عن حدود الجولان.
هل يمثل هذا التقارب الأميركي- السوري تحولاً في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، أم مجرد مناورة تكتيكية؟
هذا ليس تحولاً أيديولوجياً بقدر ما هو براغماتي. ترامب يفضل “الصفقات” على الحروب المكلفة. نجاحه قد يعني إنهاء حرب أوكرانيا، تقليل الاعتماد الأوروبي على الطاقة الروسية، وفتح الباب أمام استقرار نسبي في الشام. أما الفشل، فيعني استمرار النزيف وتعزيز تحالفات روسيا-إيران-الصين.
هل لقاء أنقرة يمهد لمكالمة مباشرة بين ترامب وبوتين؟
الكرملين أعلن الاثنين أن بوتين وترامب اتفقا خلال مكالمة نهاية الأسبوع على التحدث مجدداً “في المستقبل القريب”، مرجحاً أن يكون ذلك خلال أو بعد قمة الناتو، مصادر نقلت أن ترامب يخطط للقاء زيلينسكي في أنقرة ثم الاتصال ببوتين.
هذا التسلسل يكشف تكتيك ترامب: يأخذ من زيلينسكي تفويضاً بالتفاوض، ثم يذهب لبوتين حاملاً “عرضاً جاهزاً” وليس مجرد وساطة. الخطر أن بوتين قد يرى اللقاء الثلاثي في تركيا محاولة لتطويقه.

هل يمكن الربط بين الملفين السوري والأوكراني؟
رغم اختلاف طبيعة الأزمتين، فإنهما يرتبطان بتوازنات القوى بين الولايات المتحدة وروسيا وتركيا، وبالتالي فإن أي تفاهم في أحد الملفين قد ينعكس على الآخر ضمن صفقة سياسية أوسع.
الدلالات الاستراتيجية:
هذا ليس تحولاً أيديولوجياً بقدر ما هو براغماتي. ترامب يفضل “الصفقات” على الحروب المكلفة. نجاحه قد يعني إنهاء حرب أوكرانيا، تقليل الاعتماد الأوروبي على الطاقة الروسية، وفتح الباب أمام استقرار نسبي في الشام. أما الفشل، فيعني استمرار النزيف وتعزيز تحالفات روسيا-إيران-الصين.
ما المكاسب التي تسعى إليها تركيا من استضافة القمة؟
تركيا تسعى إلى تعزيز مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة، وتأكيد قدرتها على لعب دور الوسيط بين الشرق والغرب، بما ينعكس على نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري داخل حلف الناتو وخارجه.

كيف سيؤثر لقاء ترامب وأردوغان على مستقبل التحالف داخل الناتو؟
سيكون هذا اللقاء بمثابة “فحص الضغط” للعلاقة بين واشنطن وأنقرة. ترامب سيطلب بوضوح من أردوغان دعمه في الضغط على بقية الأعضاء لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي، وهو ما يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة أردوغان على لعب دور “الجسر” بين أمريكا وأوروبا القلقة، لكن الأوروبيين يراقبون بقلق هذه العلاقة الحميمية بين ترامب وأردوغان، خاصة وأن صفقات الأسلحة التركية الضخمة التي ستُعلن خلال القمة، ستُحدث شرخاً إضافياً مع اليونان وقبرص، وستظهر أن الناتو لم يعد حلفاً أيديولوجياً بقدر ما أصبح سوقاً للمزايدات الأمنية.

كيف تنظر روسيا إلى هذه اللقاءات؟
من المرجح أن تتابع موسكو القمة بحذر شديد، لأنها تدرك أن أي تفاهم أمريكي-أوكراني أو أمريكي-تركي قد يؤثر في مسار الحرب وفي حساباتها الاستراتيجية، لكنها ستظل متمسكة بتحقيق مصالحها الأمنية والسياسية.

هل نشهد بداية مرحلة جديدة في السياسة الأميركية؟
التحركات الحالية قد تشير إلى اعتماد نهج أكثر براغماتية يقوم على التفاوض المباشر مع الخصوم والحلفاء، بهدف تقليل تكلفة الصراعات المفتوحة وإعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية الأميركية.

ما السيناريوات المتوقعة بعد القمة؟
هناك ثلاثة سيناريوات رئيسية:
السيناريو الأول: إطلاق مسار تفاوضي جديد بشأن أوكرانيا.
السيناريو الثاني: تفاهمات سياسية حول ملفات سوريا والأمن الإقليمي.
السيناريو الثالث: استمرار الخلافات دون اختراق حقيقي، مع الاكتفاء برسائل سياسية ودبلوماسية.
وفى نهاية الأمر لا تبدو قمة الناتو في تركيا مجرد اجتماع دوري لقادة الحلف، بل تمثل اختبارًا لقدرة القوى الكبرى على الانتقال من إدارة الأزمات إلى البحث عن تسويات سياسية، فاللقاءات المرتقبة بين ترامب وزيلينسكي وأردوغان وأحمد الشرع قد تحدد ملامح مرحلة جديدة في العلاقات الدولية، سواء عبر فتح قنوات للحوار أو إعادة تشكيل التحالفات.
ويبقى السؤال الأهم: هل تتحول هذه اللقاءات إلى نقطة انطلاق نحو تسويات تاريخية تنهي بعض الصراعات، أم أنها ستكون مجرد محطة دبلوماسية جديدة في مسار أزمات لا تزال بعيدة عن الحل؟

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى