سنة على العملية القيصرية من الخاصرة الاوكرانية 1/…

ميخائيل عوض

إعادة تعريف وتأسيس للمفاهيم

الحرب، بحسب كلاوز فيتز استمرار للسياسة بوسائل أخرى- عنفية- ويكمل تعريفها وهي أشبه بالعمليات التجارية، أي أن العمليات التجارية هي أعمال حربية والاستراتيجيات والتكتيكات الحربية اكتسب الكثير منها في العمليات التجارية، وتعني بصورة أدق الحرب هي بدوافع اقتصادية وتجارية في المقام الأول.

الحرب في تعريف آخر: هي وسيلة تدمير وإبادة الخصم.

وفي تعريف مختلف، هي القابلة القانونية لتوليد الجديد من رحم القديم…

ويمكن استعراض آلاف التعريفات للحرب، إلا أننا نكتفي بما تقدم لكونها تجب التعريفات الأخرى.

أجيال الحروب صارت خمسة، وتشكيلات الجيوش وهيكلياتها وفروعها تنوعت واتسعت وباتت تشمل كل مجالات ونطاقات الحياة، وتتجسد في الحرب الأوكرانية كلها، فالجيل الخامس جار اختباره، وكل الأسلحة والوسائط جار توظيفها، ومسارح هذه الحرب لجهة تفاعلاتها وتأثيراتها هي مساحة الكرة الأرضية والفضاء وما فوق وتحت السطح، وهي الحرب الأولى التي تتخذ حقا صفة العالمية بمعنى مسرحها وعدد الدول المنخرطة فيها وتأثيراتها الجارية وما سيكون بنتيجتها.

وهي الحرب الشاملة التي لم يسبق أن وقعت مثيلتها في التاريخ.

شاملة، بمعنى أنها الحرب الأولى التي توظف فيها كل وأي من قدرات وإمكانيات ونطاقات وجغرافية ووسائط وحاجات الحياة ومنتجات الحضارة وقدرات المتحاربين. فقد بادرت أميركا وحلفها لفرض العقوبات والقطع والقطيعة مع روسيا في نطاقات ومجالات الحياة كافة، المال والاقتصاد وسلاسل التوريد، والثقافة والقيم والقطط، والحيوانات والموسيقى، والأدب والفن، والتاريخ والواقع، وذهبت أبعد باستهداف خطوط النقل، وفرضت العقوبات والحصار، وأكثر، فتجرأت على نسف أنابيب نقل الغاز ستريم2 في البحر 2، واعلنت توظيف التقانة والتكنولوجيا وانترنت الفضاء” ستارلينك”، وانترنت الاشياء والذكاء الصناعي، وشبكات التواصل، وليس من مجال أو نطاق إلا وتستخدم في الحرب، حتى القنبلة الذرية القذرة كادت أن تستخدم ولم تنحسر فرص وإمكانات الحرب النووية التكتيكية أو القذرة وأو حرب التدمير الشامل.

لأن الحرب على هذه الشدة والاتساع والتنوع والعالمية والثقافية والقيمية سيكون لها زمن وأبعاد ومسارح وتحولات غير مسبوقة، ولن تضع أوزارها إلا وقد أنتجت البشرية، وولدت العصر الحضاري الإنساني الثالث بما تعنيه من اندثار عالم ساد وشاخ وبلطج وسعى لتأبيد نفسه حاكماً مطلقا، وفشل ويفشل ليخلي السبيل لصالح عالم جديد بنظام وبقواعد وقوانين ونظم ضابطة للعلاقات بين البشر أفراد وشرائح وهويات وامم وقارات. قواعد وقوانين من نمط جديد تطابق حاجات التاريخ والأزمنة وتلبي حاجات البشر المادية والروحية في الألفية الثالثة، وتتساوق مع حقائق ومنتجات العصر وما بلغته المتغيرات في وسائل الإنتاج وملكيتها، وقواعد وآليات التوزيع.. فيولد الجديد وأو تباد الحياة البشرية وتعود إلى حقبة البدائية والمشينية.

فالحالة الجارية وفيها الحرب الأوكرانية هي حالة ولادة طال مخاضها واستعصت أن تكون طبيعية، فتجري العملية القيصرية من الخاصرة الأوكرانية. والمسارات إما ولادة قيصرية أو موت المولود وأو موت الوالدة.

قصدنا هذا التقديم لبحثنا، بهدف إعادة تصويب البوصلة وتصحيح التعامل مع الجاري والتحولات بعقليات ومنهجيات وآليات تفكير تتناسب معها لا الاستعارة من الأزمنة الغاربة ومن أمثلتها ومعطياتها لفهم الواقع والجاري في الحرب.

فاستعجال حسمها وأو استعجال إطلاق تحليلات وخلاصات تفيد بسقوط روسيا أو الأطلسي ،وإو اعتبار هزيمة في معركة تفصيلية وتكتيكية كمؤشرات استراتيجية لتحولات الحرب ونتائجها يمثل قمة القصور الفكري والنظري والتنظيري، كما هو جار اليوم كمثل الانبهار بالحرب التضليلية الإعلامية وترداد الفبركات ببغاويا، كالتي تصور روسيا كأنها تقف على الرصيف لتشحذ السلاح والذخائر من الصين ومن إيران، وأو اعتبار مسارعة الدول والناتو لإمداد وتمويل أوكرانيا بالسلاح والأموال، وعدم القيام بذات الأمر لروسيا من حلفائها، وكأنه تحول استراتيجي أو مؤشرات لهزيمة روسيا، فالقائلون ومروجو هذا الكلام إما هم أغبياء أو سذج أو مجرد آلات لترويج الحملات الأميركية من دون تبصر أو تفكير.

فالفارق بين أوكرانيا وروسيا لهذه الجهة فلكي، فبينما أوكرانيا عارية من عناصر القوة وتصنيع السلاح، تلعب روسيا دوراً محورياً في صناعة وتجارة السلاح عالمياً، وهي المكافئ لقدرات الأطلسي مجتمعا وتتفوق على الغرب مجتمعا بعشرين سنة على الأقل . وروسيا السباقة والأولى عالمياً بصناعة تقانة الفضاء والسلاح والنووي ومحركات الصواريخ والطائرات، وهي أول من امتلك الصواريخ والغواصات الفرط صوتية وطائرات الجيل السادس،  الأمر الذي لم تبلغه أميركا نفسها بعد. وكل تقانة صناعة السلاح الإيرانية والصينية هي منتج روسي. ويتطاولون على روسيا ويفترضون أنها بحاجة لإسناد بالذخائر والصواريخ والدبابات والمدفعية.

هم أنفسهم الذين نظروا لهزيمة روسيا وتوهموا انهيارها وانقلابات وتمردات على قيصرها بمجرد إن قررت القيادة العسكرية للجبهة الممتدة ل1000 كلم متر التخلي عن مدينة خيرسون، لاتقاء كلفة الدفاع عنها وبهدف تحويلها إلى مصيدة للقوات الأوكرانية وتشكيلات المرتزقة، وكمثل اعتبار خسارة روسيا لثلاثة آلاف كيلو متر مما حررته سابقاً والبالغة مساحاته، بحسب تصريحات زلنسكي نفسه، ماية وعشرون ألف كيلومتر مربع… تصوروا ترك أو خسارة 3000 كيلو متر من أصل 120000 ألف كيلو متر سيطرت عليها روسيا ، وتثبتت بها وضمتها للأراضي الروسية، أصبحت مؤشراً لاختلال استراتيجي في العملية العسكرية الخاصة ومؤشر لهزيمة روسيا.

إذن:

سنعتمد في تحليلنا وبحثنا لنتائج ومسارات الحرب خلال السنة على العلم والمنهج والوقائع والأحداث المعاشة لا على الإعلام ومروجي الفبركات والقصص وأفلام وأفكار الإعلام الحربي الأميركي والأطلسي والترهات، كي نصل إلى خلاصات واستنتاجات واقعية تفيدنا في استطلاع ورسم ملامح سيناريوات المستقبل والتطورات.

غداً الرابحون من الحرب.

…/ يتبع

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى