
مساهمة في النقاش: سورية في حقبة احتواء الأزمات تأسيساً لحقبة النهوض والقيادة 1 / 4
الحرب التدميرية والدولة الاجتماعية
ميخائيل عوض
شهدت سورية في السنوت الأخيرة اختناقات اقتصادية واجتماعية عبرت عن نفسها بارتفاعات لأسعار العملات الأجنبية وانعكست بارتفاعات فلكية لأسعار السلع والحاجات الأساسية، وفقدان الكثير منها بسبب العقوبات الأميركية التي اشتدت بالتزام لبنان والأردن ودول تطبيق قانون قيصر الجائر، ويرى الكثير من الخبراء أن الأزمة العاصفة في لبنان وتجفيف الأموال وتبديدها صممت واستهدفت في مقاصد منها إصابة المودعين والمدخرين السورين بكارثة، كما اللبنانيين والعرب الذين خدعوا بالنظام المصرفي اللبناني وبالسوق الحرة والحملات الترويجية التي خدمته.
كل ذلك بالإضافة إلى حرب لاثنتي عشر سنة متواصلة شاركت وتشارك فيها غالبية دول العالم وأجهزة وجيوش، وتحتل أميركا والناتو والتركي و”إسرائيل” أجزاءً واسعة وثرية من الجغرافية السورية، ومصدر تأمين الغذاء والنفط والمياه. اضافة إلى تدمير المنشأة والبنى التحتية وتفكيك ونهب المصانع، فحرب كالتي جارية في سورية لجهة مدتها وشدتها وفروعها واتخاذها صفة العالمية العظمى، مدمرة وتؤدي كما عادات الحروب الأقل شدة وعالمية من الجارية في سورية، إلى مجاعات وانتشار الأمراض السارية والإفقار الشديد للشعوب، وإلى عجز الدول عن تأمين أبسط الحاجات والخدمات، إلا أنه يسجل لسورية وللدولة السورية اشتقاق معجزات في حربها حيرت الخبراء والمخططين الذين راهنوا على سقوط الدولة وعجزها عن تأمين الرواتب والحاجات الأساسية، وتأمين نفقات الصمود وإطعام وتطبيب وتعليم شعبها وهذه تسجل لسورية ودولتها.
كما وقع رهانات كثيرة على تمرد المجتمع وفئاته على الدولة كهدف لحرب التدمير وإطالتها والتهجير والحصار الشديد، لتحقيق غايات الغزاة الكثر. إلا أن الشعب السوري كشف عن طينته وتضامنيته وقدراته الهائلة على التحمل والصبر وتدبير الأمر، ولم يستجب للتحريض ولم يحقق رهانات الأعداء.
وعلى رغم كل ما جرى وعصفه وعسفه ما زالت سورية من أقل الدول استدانة واعتماداً على تمويل الخارج، على رغم شح التحويلات الخارجية وانعدام الاستثمارات والتراجع الحاد للإنتاج والصادرات السورية، وتعثر الحركة الاقتصادية وتأزمها بسبب الحرب والاستهداف ولأسباب الارتفاعات الفلكية في كلف الانتاج والطاقة وندرتها، وتعقيدات استيراد الضروريات ومدخلات الإنتاج…
في بيئة كهذه من المنطقي أن تشهد سورية ازمات واختناقات تموينية وعجوزات وتراجع قدرة الدولة على تأمين الخدمات والحاجات وتأمين الأموال لاستمرار الدعم وتأمين شبكات الأمان الاجتماعية، التي كانت تتميز بها لزمن مديد، وتعجز الحكومة عن رفع الرواتب بما يتناسب مع التضخم وارتفاع الأسعار واكلاف الحياة.
وبفعل تلك الأزمات شهدت في الآونة الأخيرة حملات هجرة واسعة للكفاءات والصناعيين والمستثمرين وللشباب والعائلات، تجاوز في مخاطرها وانعكاساتها موجات الهجرة التي جرت في سنوات الحرب بحثاً عن السلامة والأمان وهرباً من التجنيد وأهوال الحرب. بينما الموجات الجديدة طلبا للحاجات وتأميناً لفرص العمل والاستثمار والحياة الكريمة، وبدافع فقدان الأمل والثقة بالدولة وبالسياسات والادارة.
عليه، فأي اقتراحات أو آراء أو مقاربات لاستنباط مخارج وحلول واقعية وممكنة التحقق، لابد من أخذ ما تقدم بالاعتبار، وعدم تجاهل البيئة المضطربة وأكلاف الحرب المستمرة ونتائجها المدمرة، وأيضاً تأكيد شهادات الحق بالدولة وما استطاعته من تقديمات وما حققته من ثبات وصمود واستمرار الفاعلية في الحرب ومساراتها.
غداً؛ التأسيس تمهيداً لحقبة النهوض والريادة.
….يتبع



