
زيارة لسفير فوق العادة
كتبت د. شيرين العدوي
عقب نشر مقالي في جريدة الأهرام الغراء يوم الإثنين 25/5/2026 تلقيت اتصالا هاتفيا من مكتب وزير الخارجية دكتور بدر عبدالعاطي يحدد معي موعدا لمكالمة مع السفير تميم خلاف المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، معبرا عن اهتمامه بما كتبت. كان اتصالا فوق العادة أعرب فيه عن سعادته البالغة بقلمي وبما طرحت وتبادلنا وجهات النظر حول بعض الهنات، التي ربما تعرقل خطوات جادة تقوم بها الدولة بالفعل تجاه المصريين بالخارج، وقد أعرب عن رغبته في لقائي بمكتبه مع مجموعة من شباب الدبلوماسيين.
كان اللقاء في مقر الوزارة الجديد بالعاصمة. ما إن تطأ قدماك المكان تشعر بهيبة التاريخ ممتزجة بشموخ الحاضر وتطلعات المستقبل. وقد لمست عن قرب كيف يتحول الصرح المعماري الفريد إلى خلايا نحل حية لا تنام؛ تدار بعقول مصرية شابة تركت «رابطات العنق» جانبا ونزلت إلى أرض الواقع. حكيمة في تحركاتها، حارة في انتمائها. لم يكن تغيير العنوان للعاصمة إلا تغييرا يحمل تحولا بنيويا وفكريا شاملا يمكن أن نطلق عليه «دبلوماسية الاشتباك الإيجابي الذكي ».
في عالم يموج بالتحولات المتسارعة، والمشى على خط النار الحي؛ أثبتت الدبلوماسية المصرية أنها خط الدفاع الأول عن الأمن القومي، والأكثر حيوية للمحافظة على المصالح العليا لمصر، عازفة من قلب العاصمة سيمفونية تجمع بين عراقة التقاليد ورشاقة الأداء. معربة عن تطور عملاق لهيكلة بنيوية تجمع بين الملفات الدبلوماسية وسياسة التعاون الدولي والاستثمار وشؤون العاملين بالخارج.
وشهدت كيف أصبحت السفارات المصرية مراكز جذب استثماري، ومنافذ لترويج الفرص الاقتصادية الوطنية؟ هذا التطور حقق قفزات استراتيجية من أهمها: الانفتاح المتوازن نحو الاتجاه للشرق الآسيوي والعمق الروسي بالتوازي مع الحفاظ على العلاقات العربية الغربية. وتسخير كل هذه العلاقات لدعم المشروعات القومية الكبرى، مع فتح أسواق جديدة للمنتجات المصرية في القارة الأفريقية. عبر مظلة اتفاقية «التجارة الحرة القارية. إنها إستراتيجية الخارج من أجل نمو الداخل.
وخلال جولتي في المقر استوقفتني البنية التكنولوجية الفائقة، والشاشات التفاعلية، والمنظومات الرقمية العالمية. وتجلى ذلك فى العمل القنصلي لخدمة ملايين المصريين في الخارج، وأصبحت الإجراءات تنجز في دقائق عبر منصات رقمية مؤمنة مما عزز ربط المغتربين بوطنهم الأم، وتفعل الوزارة أدوات الدبلوماسية الرقمية عبر منصات التواصل العالمية لتفنيد الشائعات، وإيصال صوت مصر إلى مراكز صنع القرار، ومخاطبة الرأي العام العالمي بلغات متعددة وبصياغات عصرية شديدة التأثير.
إن المشاهدة الإنسانية الأعمق داخل أروقة المبنى هي جيل الدبلوماسيين الجدد الذين يحملون إرث الرواد. إنهم عقول قادرة على إدارة ملفات أكثر تعقيدا بحس إنساني واستراتيجي رفيع، يتجلى ذلك فى التكليفات الأخيرة للحركة الدبلوماسية، والتي كان من أبرزها ترشيح السفير تميم خلاف سفيرا لمصر في لبنان، فهو اسم يحمل تقديرا يمتزج بدموع الفخر بين زملائه؛ حيث يحمل روح الجيل الجديد الواعية لدبلوماسية مصرية تقف على مسافة واحدة من الجميع، وتعمل كمنارة احتواء، كما يؤكد أن العقيدة الاستراتيجية ليست مجرد شعار سياسي.
وأنها قادرة على إدارة الأزمات بقنوات مفتوحة. خرجت بأجنحة تحلق بي في سماء دبلوماسية جديدة هدفها «ابن مصر»، تسمع الآراء وتصنع بذكاء التطور.
المصدر : مؤسسة الأهرام



