
ليلة شيوخ الطرب… حين يصبح المسرح محراباً
تصوير زينب الدايخ
لم تكن حفلة عادية، بل كانت عودة للزمن الجميل، ليلة اجتمع فيها شيوخ الطرب شادي الأصيل وعمران روبي وشادي الصغير على خشبة واحدة في مسرح المونو، ليذكرونا أن الغناء ليس صوتاً فحسب، بل هو روح وذاكرة وتاريخ.
عندما انفتحت الستارة الحمراء، لم يصعد مطربون، صعدت هيبة. بعباءاتهم الأنيقة وعمائم الفن الأصيل، وقفوا صفاً واحداً، وفي عيونهم بريق من عاش النوتة حرفاً حرفاً. أول ما لامست أيديهم الميكروفون، صمتت القاعة كلها، كأن الصمت نفسه أراد أن يسمع.
بدأت الحفلة بموشحات “ارجعي يا ألف ليلة” و”يا ليل الصب متى غده”. هنا يتجلى الإبداع الأول، إبداع الحفاظ. هؤلاء الشيوخ لم يغنوا الأغنية كما سمعناها، بل كما كُتبت أول مرة. أعادوا للقصيدة أصلها، للعتابا حزنها النقي، للميجانا هدير الجبل. في زمن صار فيه كل شيء سريعاً ومستهلكاً، كان إصرارهم على أداء الجملة الطربية كاملة، بكل زخارفها وحلياتها، هو قمة الإبداع. أن تحافظ على الأصل في زمن التشويه، هذا هو الفن.
ثم جاء الإبداع الثاني، إبداع الصوت. شادي الصغير غنى “اسمك يا شهباء انكتب مجد وحضارة، حضارة وأدب”، وطبقته الصوتية تكاد تلامس السماء. لم يكن صوته قوياً فقط، كان حكيماً. كان يعرف متى يهمس حتى تكاد لا تسمعه، ومتى يصرخ حتى ترتجف القلوب. هذا التحكم، هذه المساحة بين الهمس والصراخ، لا تُدرّس في معاهد، بل تأتي من خبرة الوقوف على المسارح. رأينا كيف يلعبون بالمقامات، ينتقلون من البيات إلى الصبا إلى الرست بسلاسة الماء، يأخذون المستمع من الفرح إلى الشجن في ثانية واحدة من دون أن يشعر.
أما الإبداع الثالث، فكان في التفاعل. لم يكن هناك مطرب وجمهور، كان هناك حوار. عندما ارتجل شادي الأصيل موالاً لم يكن في البرنامج، رد عليه عمران روبي بموال ثانٍ، كأنهما يتحادثان شعراً. الفرقة الموسيقية خلفهم لم تكن تعزف، كانت تنصت لهم وتتبعهم. القانون يبكي حين يبكون، والعود يضحك حين يضحكون. هذا الارتجال الجماعي، هذا السلطنة التي لا يمكن كتابتها على ورق، هي سر الطرب العربي الذي كاد أن يضيع.
لا بد أن يتضمن البرنامج “خمرة الحب” للعملاق صباح فخري غناها شادي الأصيل ورقص عليها فألهب الجمهور رقصاً وتصفيقاً.
في الختام، وقفوا جميعاً ليغنوا “يا مال الشام”. لم يعد هناك سولو، صار هناك كورال من الحناجر العتيقة، أصوات متعبة، مبحوحة قليلاً، لكنها عندما اجتمعت، صنعت جداراً من الدفء غطى المسرح كله. فهم الجمهور حينها أن هؤلاء لا يغنون ليطربونا فقط، بل يغنون ليحفظوا شيئاً فينا، ليذكرونا من نحن.
نزلت الستارة، لكن الطرب لم ينزل. بقي معلقاً في هواء المسرح، في ذاكرة كل من حضر. كانت ليلة تثبت أن الإبداع ليس دائماً أن تأتي بجديد، أحياناً الإبداع الحقيقي هو أن تعيد القديم إلى الحياة بصدق، فيعود جديداً كأنه غُني لأول مرة.
























