
حين ارتوت الأرض من دم الأبرياء أي ثقة تعطى لهذه الحكومة؟
كتبت د. مي خليل مراد
ما فائدة الإدانة إذا جاءت بعد أن دُمّر الجنوب وسُفكت دماء أبنائه؟
ما قيمة البيان السياسي عندما يكون البيت قد تهدّم والعائلة قد تشردت والمسعف قد سقط والإعلامي قد قُتل والجندي قد دفع حياته ثمنًا لواجبه؟
الإدانة موقف سياسي. أما حماية الناس فهي مسؤولية دولة.
وهنا لا أتحدث عن حادثة واحدة ولا عن يوم واحد. أتحدث عن مسار زمني طويل بدأ بعد اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 واستمر خلال عام 2025 ووصل إلى عام 2026.
خلال هذا المسار وثقت الأمم المتحدة واليونيفيل خروقات واعتداءات إسرائيلية متكررة داخل الأراضي اللبنانية. وفي عام 2025 وحده وثقت اليونيفيل آلاف الخروقات الجوية والبرية الإسرائيلية. وفي عام 2026 استمرت الاعتداءات والعمليات العسكرية والاحتلال الفعلي لأجزاء من الجنوب.
وفي المقابل كانت السلطة اللبنانية تنتقل تدريجيًا إلى جعل حصر السلاح بيد الدولة أولوية سياسية مركزية.
وهنا لا بد من السؤال.
هل كان المطلوب من اللبناني أن يسلّم كل وسائل دفاعه للدولة قبل أن يرى هذه الدولة قادرة على حماية أرضه؟
هل كان المطلوب من الجنوبي أن يثق بأن الدولة ستدافع عنه بينما كانت أرضه تتعرض للقصف وبيوته تُهدم وأجزاء من وطنه تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية؟
أنا لا أرفض الدولة.
أنا أريد دولة قوية.
لكن الدولة القوية لا تطلب من مواطنيها الثقة بها بالكلمات وحدها.
الدولة تثبت قدرتها على حماية مواطنيها بالفعل.
أما الإدانة التي تأتي بعد وقوع المجزرة وبعد تهدّم البيوت وبعد نزوح الناس وبعد سقوط الضحايا فلا يمكن أن تُستخدم لمحو ما سبقها من تقصير سياسي أو عجز عملي
قد تقول الحكومة إنها أدانت
وقد تقول إنها اعترضت
وقد تقول إنها طالبت المجتمع الدولي بالتدخل
لكن المواطن من حقه أن يسأل:
ماذا تغيّر بعد كل هذه الإدانات؟
هل توقف القصف؟
هل انسحبت القوات الإسرائيلية من كل الأراضي اللبنانية؟
هل عاد جميع المهجرين إلى بيوتهم؟
هل توقفت عمليات هدم المنازل؟
هل أصبح الجنوب أكثر أمنًا؟
إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة لا تزال تحمل الكثير من علامات الاستفهام فمن حق اللبناني أن يسأل عن معنى الثقة وعن الأساس الذي تُبنى عليه
الثقة ليست شيكًا على بياض
الثقة تُبنى عندما يرى المواطن أن دولته تقف أمام المعتدي بالقدر نفسه من الحزم الذي تقف به أمام أبنائها
وهنا تكمن المشكلة
لأن المواطن رأى السلطة ترفع صوتها عاليًا في مواجهة سلاح المقاومة بينما بقي المعتدي خارج الحدود السياسية للدولة لكنه داخل أرضها
ورأى الجنوب ينزف ثم سمع بيانات الإدانة
ورأى البيوت تسقط ثم سمع حديثًا عن السيادة
ورأى الأهالي يُهجرون ثم سمع حديثًا عن الدولة
والسؤال البديهي هو:
أين كانت الدولة عندما كان المطلوب منها أن تحمي هؤلاء الناس؟
أنا لا أطلب من الدولة أن تدافع عن حزب
ولا أطلب منها أن تمنح أحدًا حصانة
وأنا لا أقول إن المقاومة فوق المساءلة إذا ثبت عليها خطأ
لكنني أرفض أن يتحول وجود المقاومة إلى ذريعة لإعفاء العدو من مسؤوليته عن الاعتداء على لبنان كما أرفض أن يتحول الحديث عن السيادة إلى ذريعة لتجاهل عجز الدولة عن حماية مواطنيها
من يريد نزع السلاح باسم الدولة عليه أن يقدم أولًا جوابًا واضحًا عن السؤال الأصعب:
كيف ستحمي الدولة المواطن عندما يُعتدى عليه؟
هذه ليست مسألة حزبية
هذه مسألة وطنية
لأن من سقطوا في الجنوب لم يكونوا جميعًا مقاتلين
كان بينهم مدنيون وأطفال ومسعفون وإعلاميون وأفراد من الجيش وقوى الأمن وأناس كانوا في بيوتهم
هؤلاء لبنانيون
ودمهم ليس أقل قيمة لأنهم لم يحملوا راية حزب
لذلك لن أقبل أن يُقال لي إنني أدافع عن حزب لمجرد أنني أرفض الظلم
أنا أدافع عن الإنسان
وأرفض أن يصبح الدم اللبناني رقمًا في بيان
وأرفض أن تصبح الإدانة المتأخرة بديلًا عن الحماية
وأرفض أن تُطلب الثقة من شعب دفع الثمن بينما لم يرَ بعد ضمانات حقيقية تمنع تكرار المأساة
لا أريد تبرئة المقاومة
ولا أريد تبرئة الحكومة
ولا أريد تبرئة العدو
أريد الحقيقة كاملة
ومن حق اللبناني أن يسأل حكومته:
ماذا فعلتم قبل أن تسيل الدماء؟
لا ماذا قلتم بعدها
فالفارق بين الدولة الحقيقية والدولة التي تكتفي بالبيانات هو أن الأولى تحاول منع الكارثة قبل وقوعها أما الثانية فتكتفي بوصفها بعد وقوعها
وحين يكون الجنوب قد دُمّر وأبناؤه قد سقطوا وشُرّدت عائلاته يصبح السؤال عن الثقة أكثر من حق
يصبح واجبًا
لأن الثقة لا تُطلب من المواطن
الثقة تُبنى أمام عينيه



