لاهاي لا تستقبل أوراقًا… تستقبل قائمة دم،تروس العدالة تسحق حصن الإفلات من العقاب
لاهاي لا تستقبل أوراقًا… تستقبل قائمة دم،تروس العدالة تسحق حصن الإفلات من العقاب.
كتب أحمد سمير
من غزة إلى الضفة الغربية، ومن السجون إلى «جريمة الفصل العنصري» ،فريق يضم آلاف المحامين يمثل ضحايا فلسطينيين يسلّم المحكمة قوائم ومعطيات جديدة عن مسؤولين إسرائيليين.. وملف نتنياهو وغالانت يتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة العدالة الدولية على ملاحقة المسؤولية عن الانتهاكات
مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية يتلقى حتى الآن أكثر حزمة أدلة منهجية بشأن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية،أدلة جديدة أمام الجنائية الدولية.. هل تقترب مذكرات توقيف جديدة بحق قادة الاحتلال؟
كتب : أحمد سمير
حين لا يعود القانون مجرد وعد على الورق :
طوال فترة طويلة، انتُقدت المحكمة الجنائية الدولية باعتبارها «محكمة أفريقيا» ، مؤسسة قضائية تجرؤ على مواجهة قادة الدول الضعيفة فقط، لكنها تصمت خوفاً أمام القوى العظمى. غير أن لاهاي في عام 2026 تشهد تحولاً تاريخياً.
لم يعد ملف الجرائم المنسوبة إلى مسؤولين إسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية مجرد معركة قانونية داخل أروقة لاهاي، بل أصبح واحدًا من أكثر الملفات حساسية في اختبار قدرة النظام القضائي الدولي على تحويل الأدلة إلى مساءلة فعلية.
وفى27 سبتمبر الماضي 2026، أفاد فريق من المحامين الدوليين الممثلين لضحايا فلسطينيين بأنه عقد اجتماعًا مع مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، وقدم معطيات جديدة وقوائم بأسماء مسؤولين إسرائيليين، بينهم مسؤولون عن سجون ومعسكرات احتجاز، مطالبًا باتخاذ إجراءات قانونية بحقهم. وقال عضو الفريق عبد المجيد مراري إن الفريق يضم أكثر من خمسة آلاف محامٍ، ويحمل توكيلات للترافع نيابة عن آلاف المتضررين.
وتستهدف هذه المبادرة توسيع نطاق التحقيقات الجارية وتطوير طلبات أومير أوغلو أو كريم خان (وفق سياقات الإدعاء) لإصدار ومتابعة مذكرات توقيف جديدة بحق كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين في حكومة الاحتلال. لم يعد الموقف القانوني مجرد مطالبة سياسية أو سجال دبلوماسي، بل تحول إلى مواجهة قضائية إستراتيجية تعتمد على تقارير ميدانية، وصور أقمار صناعية، وشهادات وثقت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية. إن هذا التطور يضع المؤسسة القضائية الدولية في اختبار مفصلي بين تأكيد ولايتها القانونية وحماية مبادئ القانون الدولي الإنساني، أو الارتهان للضغوط والموازنات السياسية التي طالما وفرت شبكة أمان للاحتلال.
هذه ليست عملية تسليم أوراق قانونية روتينية. إنها هجوم مباشر على منظومة «الإفلات من العقاب». المحامي البارز في مجال حقوق الإنسان جيل دوفر (Gilles Devers)، الذي يقود هذا التحرك القانوني، يمثل أكثر من 200 جمعية حول العالم وآلاف الضحايا في غزة، وتتضمن مواد الأدلة سجلات للعمليات العسكرية الإسرائيلية التي تستهدف المدنيين بشكل منهجي، وبيانات طبية، وشهادات ميدانية. لقد انتقلت استراتيجية الفريق القانوني من التلقي السلبي للشكاوى إلى التحقيق الجنائي النشط ، وهو تحول جذري في التكتيك القانوني.
لم يعد السؤال: «هل ينطبق القانون الدولي؟» بل: «من سيُحاسَب في النهاية أمام القانون الدولي؟»
وهنا تتجاوز القضية مجرد إضافة أسماء إلى ملف قضائي؛ لأن المعركة الحقيقية تتمثل في سؤال أكثر خطورة: هل تستطيع المؤسسات الدولية أن تلاحق المسؤولية الفردية عندما تتعلق الاتهامات بمسؤولين كبار، أم أن الضغوط السياسية ستظل قادرة على تعطيل طريق العدالة؟
واللافت أن المحكمة الجنائية الدولية لديها بالفعل ملف قائم ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت؛ فقد أصدرت في 21 نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحقهما، على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بينها التجويع كأسلوب من أساليب الحرب والقتل والاضطهاد وأفعال لا إنسانية أخرى. وهذه اتهامات قضائية وليست أحكام إدانة نهائية.
المحكمة ليست ناديًا أخلاقيًا. هي آلة اختصاص وجمع أدلة وعتبة «أسباب معقولة للاعتقاد». ومن يظن أن تكديس الجثث والصمت الدولي يكفي لتعطيل هذه الآلة إلى الأبد يتجاهل شيئًا بسيطًا: كل يوم إضافي من التعذيب والحرمان من العلاج والتجويع والاعتداء يُحوَّل، في منطق نظام روما، من «سياق حرب» إلى «مسؤولية جنائية شخصية».
أما الاحتلال فيردّ كالعادة بأن المحكمة مسيّسة ولا ولاية لها. هذا الردّ لا يلغي الشهادات، ولا يغلق السجون، ولا يمحو أسماء من وُضعوا على اللوائح.
الرسالة تتجاوز الشكل القانوني إلى المضمون السياسي: جدار الحماية الغربي يتشقق، ورواية “الدفاع عن النفس” التي غطت المجازر لم تعد تقنع حتى القاعات التي طالما صمتت.
إنها لحظة فارقة: فبعد أن أصدرت المحكمة في نوفمبر 2024 مذكرات اعتقال بحق نتنياهو وغالانت بتهم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وعلى رأسها استخدام التجويع كسلاح حرب في غزة، يأتي هذا التحرك ليثبت أن المسار القضائي لا يتراجع بل يتوسع، وأن القوائم الجديدة قد تطال وجوهًا لم تُمسّ من قبل. الاحتلال الذي عوّل على الفيتو الأمريكي والحماية الأوروبية، يجد نفسه اليوم أمام مؤسسة دولية لا تستطيع واشنطن حلّها بمرسوم.
ما الجديد الذي تقدّمه هذه الأدلة مقارنة بالملفات السابقة أمام الجنائية الدولية؟
طبيعة الأدلة الجديدة ودلالتها :
الخطوة الأخيرة لا تتعلق بجرائم غزة وحدها، بل بملف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، إذ قدّم فريق المحامين أدلة ووثائق جديدة وشهادات من ذوي فلسطينيين قُتلوا خلال الحرب، في إطار دعم المسار القانوني المتعلق بانتهاكات القانون الدولي الإنساني. هذا التوسيع في النطاق الزمني والموضوعي يعني أن المدعي العام بات يمتلك خريطة جرائم متكاملة: من التجويع الممنهج في غزة إلى التعذيب والقتل داخل السجون، وهي جرائم موثقة بشهادات مباشرة يصعب الطعن فيها.
والأهم أن هذه الأدلة تأتي بعد أن أكدت المحكمة منذ 2021 اختصاصها الإقليمي على الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها غزة، ما يغلق الباب أمام أي دفوع شكلية حول الولاية القضائية.
هل تعني هذه الخطوة أن مذكرات توقيف جديدة أصبحت وشيكة؟
لا يمكن الجزم بذلك.
تقديم الأدلة أو طلب إصدار مذكرات توقيف لا يعني تلقائيًا أن المحكمة ستصدرها، إذ يجب أن تمر المواد المقدمة بعملية فحص قانوني وأدلة، ويجب أن تتوافر الشروط اللازمة لإصدار المذكرة.
لكن أهمية الخطوة تكمن في أنها تعني أن فريق الضحايا يحاول توسيع دائرة المسؤولية الفردية بحيث لا يقتصر النقاش على المسؤولين السياسيين والعسكريين في قمة الهرم، وإنما يمتد إلى مسؤولين يُتهمون بالمشاركة المباشرة أو الإشراف على ممارسات داخل منظومة الاحتجاز.
وهذا التحول، إذا أثبتت الأدلة عناصر المسؤولية الجنائية الفردية، يمكن أن يجعل القضية أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى الأشخاص الذين تشملهم التحقيقات.
لماذا يستهدف التحرك الجديد مديري السجون تحديدًا إلى جانب قادة الاحتلال؟
استهداف مديري السجون.. توسيع دائرة المساءلة
إن إدراج مديري السجون في قوائم الملاحقة يمثل تحولًا استراتيجيًا ذكيًا: فهو ينقل المعركة من القيادة السياسية العليا إلى الجهاز التنفيذي المباشر للجرائم. فمدير السجن ليس صانع قرار سياسي يمكنه التذرع بـ”ضرورات الأمن القومي”، بل منفذ مباشر لسياسات التعذيب والإهمال الطبي والقتل البطيء. ملاحقته قضائيًا تبعث برسالة مرعبة إلى كل ضابط وجندي: الأوامر العليا لن تحميك، ويد العدالة قد تصل إلى زنزانتك.
ما أبعاد المسار الإجرائي داخل المحكمة الجنائية الدولية، وهل تملك المحكمة الإرادة السياسية والإجرائية لتنفيذ مذكرات التوقيف؟
الإجراءات القضائية ورهانات الإرادة الدولية
يخضع مسار مذكرات التوقيف لآليات قانونية حاسمة داخل الدوائر التمهيدية للمحكمة:
مراجعة الدائرة التمهيدية: تتولى الدائرة التمهيدية مراجعة الأدلة المقدمة للتحقق من وجود “أسباب معقولة للتقصي” ترجح ارتكاب الأشخاص المعنيين للجرائم المنسوبة إليهم.
اختبار استقلالية القضاء الدولي: تمثل هذه الملفات اختباراً حقيقياً لمدى صمود المحكمة أمام الضغوطات والتهديدات باللجوء إلى العقوبات ضد قضاتها، خصوصاً من قبل الولايات المتحدة وداعمي الاحتلال.
التعاون الدولاتي: يعتمد التفعيل الحقيقي لمذكرات التوقيف على التزام الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي (124 دولة) بالقبض على المتهمين وتسليمهم في حال وصولهم إلى أراضيها.
هل يكفي «التوثيق» لإصدار مذكرات توقيف جديدة، أم أن العائق سياسي أكثر مما هو قانوني؟
التوثيق شرط لازم… لكنه ليس كافيًا وحده
إصدار مذكرة توقيف يحتاج إلى اقتناع الدائرة التمهيدية بوجود أسباب معقولة، لا إلى إجماع سياسي عربي أو غربي. غير أن الواقع يقول إن المحكمة تعمل تحت حصار: طعون إسرائيلية متكررة على الاختصاص، نفي سابق لصدور مذكرات جديدة بعد تقرير «هآرتس»، عقوبات أمريكية على قضاة ومدعين، وجدل داخلي حول المدعي العام السابق كريم خان.
إذن العائق المزدوج حقيقي:
قانوني: استكمال عناصر الجريمة، الربط الفردي، تفنيد دفوع التكامل والاختصاص.
سياسي: دول لن تنفّذ، ودول ستعاقب من يحاول التنفيذ، ودول ستُجوّف نظام روما من الداخل بالانسحاب أو التجاهل.
من يختزل الأمر إلى «المحكمة جبانة» يتجاهل أن الضحية تحتاج ملفًا محكمًا لا بيانًا ناريًا. ومن يختزله إلى «المحكمة ستُسقِط الاحتلال غدًا» يبيع وهمًا. المسار بطيء، انتقائي تاريخيًا، ومكشوف أمام ميزان القوى. لكنه الوحيد الذي يحوّل اسم المسؤول من «صاحب منصب» إلى «مشتبه فيه دوليًا».
كيف يردّ الموقف الإسرائيلي والروايات المضادة على هذا المسار، وما وزن مبدأ التكامل؟
الرواية المضادة ليست هامشًا… ويجب تفكيكها لا تجاهلها
إسرائيل ليست عضوًا في نظام روما، وتقول إن المحكمة لا ولاية لها على مواطنيها، وإن الحرب ردّ على 7 تشرين الأول/أكتوبر، وإنها تحقق بنفسها في ادعاءات الجنود (مبدأ التكامل). كما صدرت مذكرات موازية في السابق بحق قادة من حماس قبل إسقاط بعضها لوفاة المعنيين. هذا السياق يُستخدم للقول إن الاستهداف «أحادي».
التفنيد القانوني لا يكون بالصراخ.:
المحكمة تُحقّق في وضع فلسطين منذ قرار سابق، وقضاة الاستئناف رفضوا أكثر من محاولة لوقف المسار بعد 7 أكتوبر.
التكامل لا يُفعَّل ببيان نيابة عامة؛ يُفعَّل بتحقيقات جدية مستقلة تطال صانعي السياسة لا الجنود الصغار وحدهم.
وجود جرائم منسوبة لطرف لا يُسقط جرائم منسوبة لطرف آخر. نظام روما لا يعمل بمنطق «من بدأ يُعفى».
أما الضغط الأمريكي والعقوبات فهما اعتراف عملي بأن الملف لم يعد رمزيًا. الدول لا تعاقب محكمة ميتة.
ماذا يعني توسيع دائرة المطلوبين بالنسبة لتنفيذ العدالة لاحقًا: اعتقال، عزل دبلوماسي، أم ملفات معلّقة؟
ماذا لو اتسعت دائرة المذكرات؟
مذكرة جديدة بحق مدير سجن أو قائد معسكر لن تُسقط حكومة في يومها. ستفعل شيئًا أضيق وأعمق: تقييد الحركة، تعقيد التحالفات الأمنية، رفع كلفة الزيارات الرسمية، ومنح الضحايا مركزًا قانونيًا لا يمكن شطبه بخطاب النصر.
وستكشف أيضًا نفاق منظومة التنفيذ: دول تصادق على نظام روما ثم تفسّر «التحليق فوق أجوائها» أو «الزيارة الخاصة» بما يُفرغ الالتزام من معناه، كما ظهر في جدل مرور طائرات وزيارات رسمية سابقة.
العدالة الدولية بلا إنفاذ تتحول إلى أرشيف. لكن الأرشيف نفسه، حين يُسمّي الأفراد، يمنع التبييض اللاحق للتاريخ.
كيف يمكن أن تؤثر هذه الخطوة على مسار التحقيق الأوسع في “الوضع في دولة فلسطين”؟
التأثير على مسار التحقيق الشامل
تأتي هذه الخطوة في إطار التحقيق الذي تجريه المحكمة في “الوضع في دولة فلسطين”، والذي شهد بالفعل إصدار مذكرات اعتقال بحق نتنياهو وغالانت. الأدلة الجديدة تعزز هذا المسار وتفتح الباب أمام مذكرات إضافية، خاصة أن فريق المحامين الدولي يعمل على هذا الملف منذ أكتوبر 2023 في معارك قانونية وسياسية معقدة أثمرت المذكرات السابقة. كما أن نقابة المحامين الأتراك قدّمت بدورها أدلة إضافية حول ما وصفته بالإبادة الجماعية في غزة، ما يعني تعدد الجبهات القانونية وتكاملها.
ما العقبات السياسية التي قد تعترض إصدار مذكرات التوقيف الجديدة؟
العقبات السياسية.. معركة الإرادة لا القانون
العقبة الحقيقية ليست قانونية بل سياسية: الضغوط الأمريكية والإسرائيلية على المحكمة، ومحاولات تقويض شرعيتها، بل وحتى التحرك الإسرائيلي المضاد بإعداد ملفات ضد قادة أتراك في محاولة للتشويش. لكن المفارقة أن هذه الضغوط نفسها تكشف حجم الرعب من العدالة؛ فمن يثق ببراءته لا يهدد القضاة ولا يبتز المؤسسات. كما أن دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية قد تُستخدم لتعزيز الإدانة أمام الجنائية الدولية، إذ يعلّق محامون دوليون آمالًا كبيرة على نتيجتها.
هل يصمد الأساس القانوني لمذكرات التوقيف أمام طعون إسرائيل في الاختصاص؟
تتمثل استراتيجية الدفاع الإسرائيلية المركزية في أن إسرائيل لم توقّع على نظام روما الأساسي، وبالتالي لا تعترف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية. هذا الدفع يبدو قوياً ظاهرياً، لكنه في الحقيقة يتجنب الأساس القانوني الحقيقي لاختصاص المحكمة.
اختصاص المحكمة الجنائية الدولية على الأراضي الفلسطينية مستمد من التنازل الإقليمي الذي قدّمته فلسطين بصفتها دولة طرفاً في نظام روما الأساسي. ففي عام 2015 انضمت فلسطين رسمياً إلى نظام روما، وأحالت الاختصاص الإقليمي على قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية إلى المحكمة. وقد قررت دائرة ما قبل المحاكمة في المحكمة الجنائية الدولية بوضوح في عام 2026: إن للمحكمة اختصاصاً على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة على الأراضي الفلسطينية، وإن مسألة عضوية إسرائيل لا تؤثر على هذا القرار.
لذلك، فإن «الطعن في الاختصاص» الإسرائيلي لا يصمد قانونياً. وقد قدمت إسرائيل حتى الآن طعنَين إلى المحكمة الجنائية الدولية، أحدهما يتعلق تحديداً بالتشكيك في اختصاص المحكمة على مواطنين إسرائيليين. لكن جوهر هذه الطعون ليس مرافعة قانونية، بل مماطلة سياسية — وكما أشار المدير التنفيذي السابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش، كينيث روث، فإن مذكرتي التوقيف بحق نتنياهو وغالانت هما «نتاج فريق المدعي العام، وليس قراراً منفرداً من خان، وقد أقرّه ثلاثة قضاة في مرحلة ما قبل المحاكمة. وستستمران في المضي قدماً».
هل العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية هجوم على استقلال القضاء أم حماية لحليف؟
تستعد إدارة ترامب الأمريكية لفرض عقوبات شاملة على المحكمة الجنائية الدولية، بهدف «شلّ عمل المحكمة». وقد فرضت واشنطن بالفعل عقوبات على 13 مسؤولاً في المحكمة، بينهم 9 قضاة، وأطلق وزير الخارجية روبيو حملة لعزل المحكمة الجنائية الدولية، داعياً دولاً أخرى إلى الانسحاب منها.
هذه ليست مسألة قانونية، بل سياسة قوة مكشوفة. فالمسؤولون الأمريكيون لا يخفون هدفهم: مطالبة المحكمة الجنائية الدولية بإلغاء مذكرات التوقيف بحق القيادة الإسرائيلية، وكذلك التحقيق السابق المتعلق بالقوات الأمريكية في أفغانستان. إن قوة عظمى تستخدم العقوبات المالية والضغط الدبلوماسي لمحاولة إجبار مؤسسة قضائية دولية على التخلي عن ملاحقة حلفائها — وهذا السلوك نفسه يشكّل أخطر هجوم منهجي على نظام سيادة القانون الدولي.
لكن العقوبات أنتجت نتائج غير متوقعة. وكما دعا مسجل المحكمة الجنائية الدولية، يُطلب من الدول الأوروبية الأعضاء تقديم دعم سياسي لضمان أن المحكمة قادرة على «العمل دون عوائق». إن هدف العقوبات الظاهر هو المحكمة الجنائية الدولية، لكنها تصيب في العمق ثقة العالم بأسره بالمبدأ الأساسي القائل إن «الجميع متساوون أمام القانون».
ما الذي غيّرته الأدلة الجديدة التي قدمها فريق المحامين الدوليين؟
يتمثل الاختراق الجوهري في الأدلة الجديدة في ثلاثة جوانب:
أولاً، توسيع نطاق الضحايا. لم تعد الأدلة التي قدمها الفريق القانوني مقتصرة على الخسائر المدنية في حرب غزة، بل امتدت لتشمل ما يقرب من 9500 معتقل فلسطيني في نظام السجون الإسرائيلي — بينهم 94 امرأة وأكثر من 350 طفلاً — تعرضوا لانتهاكات منهجية. وقد وصف معتقلون أُفرج عنهم حديثاً ظروفاً بالغة السوء، وروى أحد الشهود أنه عندما استغاث سجين وهو يتقيأ دماً بسبب مرض شديد، كان رد إدارة السجن: «انتظروا حتى يموت ثم نادونا».
ثانياً، ترقية نوعية الأدلة. تشمل المواد شهادات عائلات الضحايا، وسجلات طبية جُمعت ميدانياً، وبيانات جغرافية، وتقارير طب شرعي لجثامين استُعيدت ودُفنت حديثاً من غزة. وهذا التحول من «إفادات الشهود» إلى «الأدلة المادية + الطب الشرعي» يعزز بشكل ملحوظ مقبولية الأدلة وإقناعها أمام المحكمة.
ثالثاً، توسيع الإطار القانوني. صنّف الفريق القانوني بشكل منهجي سياسات إسرائيل في الضفة الغربية بأنها «جريمة فصل عنصري» — وهي تهمة بالغة الخطورة في القانون الدولي. وقد أعلن سموتريتش علناً أنه «فخور جداً» بسياسة توسيع المستوطنات، وهدد بالتوقيع على أمر يطرد فوراً سكان خان الأحمر، وهذه التصريحات العلنية أصبحت بذاتها جزءاً من أدلة الاتهام.
ثالثاً: الصورة الأكبر، جبهات قانونية متعددة تتقارب
ومن الجدير بالملاحظة أن تحرك المحكمة الجنائية الدولية ليس حدثاً معزولاً. فقضية الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية (ICJ) تتقدم بالتوازي، وقد استأنف وفد جنوب أفريقيا جلسات الاستماع في سبتمبر 2026، وقدم أدلة جديدة «جوهرية» بشأن هجمات إسرائيل على المدنيين والمدارس والمستشفيات ودور العبادة. وكانت محكمة العدل الدولية قد أصدرت سابقاً أوامر تدابير مؤقتة تطالب إسرائيل «بالوقف الفوري للهجوم العسكري في رفح».
إن الجبهتين القانونيتين ، ملاحقة المسؤولية الجنائية الفردية أمام المحكمة الجنائية الدولية، وتحديد مسؤولية الدولة أمام محكمة العدل الدولية ، تتشكلان في قوة واحدة. فقضية الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية توفر خلفية قانونية على مستوى الدولة لملاحقة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أمام المحكمة الجنائية الدولية، بينما توفر مذكرات التوقيف الصادرة عن الأخيرة دعمًا لآلية تنفيذ أحكام محكمة العدل الدولية. يمكن لإسرائيل أن ترفض أوامر محكمة العدل الدولية، لكن مذكرات التوقيف تعني أن القادة الإسرائيليين سيواجهون خطراً واقعياً بالاعتقال عند سفرهم إلى الخارج.
هل تواجه المحكمة ضغوطًا سياسية قد تؤثر في عملها؟
المحكمة تواجه بالفعل ضغوطًا سياسية معلنة.
ففي سبتمبر 2026، دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب دولًا إلى الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، فيما واصلت الولايات المتحدة اتخاذ إجراءات ضد مسؤولين في المحكمة، بينما أعلنت دول أوروبية دعمها للمحكمة.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: المحكمة مطالبة بإثبات استقلالها في ملف شديد الحساسية، في وقت تتعرض فيه مؤسساتها وموظفوها لضغوط سياسية من دول مؤثرة.
لكن من الناحية القانونية، لا يكفي وجود ضغوط سياسية لإثبات أن المحكمة ستتخذ قرارًا معينًا أو أنها ستتراجع عنه؛ ولذلك يجب فصل الضغط السياسي عن المسار القضائي والأدلة التي ينظر فيها القضاة والمدعون.
ما السيناريو الأكثر أهمية الآن؟
الأهم ليس عدد الأسماء التي يتم تقديمها، وإنما ما إذا كانت المواد الجديدة ستتحول إلى ملفات تستوفي المعايير القانونية المطلوبة.
فإذا خلصت أجهزة المحكمة إلى وجود أساس قانوني وأدلة كافية، فقد تتطور بعض الملفات إلى إجراءات قضائية إضافية.
أما إذا لم تستوف الأدلة المعايير المطلوبة، فلن يكون تقديمها وحده كافيًا لإصدار مذكرات.
وهنا تصبح المعركة الحقيقية معركة إثبات: وثائق، شهادات، تسلسل قيادي، أوامر مكتوبة أو موثقة، أدلة طبية، بيانات زمنية، صور وأشرطة، وشهادات يمكن التحقق منها وربطها بأشخاص وأفعال محددة.
عندما يبدأ وهم «عدم المساءلة الأبدية» بالانهيار .
على مدى عقود، بنت إسرائيل وحلفاؤها مظلة دقيقة لـ«الإفلات من العقاب»: عدم التوقيع على نظام روما، والضغط على الدول الحليفة لإضعاف المؤسسات القضائية الدولية، وفرض عقوبات على القضاة والمدعين، وتشويه كل نقد بتوصيفه «معاداة للسامية». وقد عملت هذه المنظومة بفعالية في السابق.
لكنها الآن تنهار. فالمحكمة الجنائية الدولية لم تتراجع تحت تهديد العقوبات، بل سرّعت دفع طلبات مذكرات التوقيف الجديدة. وفريق المحامين الدوليين لم يصمت بسبب الترهيب، بل قدّم حتى الآن أكثر حزمة أدلة منهجية وثقلاً قانونياً. وجنوب أفريقيا لم تسحب قضيتها تحت الضغط الأمريكي، بل قدّمت مزيداً من الأدلة أمام محكمة العدل الدولية.
وقد وصف سموتريتش طلب مذكرة التوقيف بأنه «إعلان حرب»، وهدد «بالرد بطريقة انتقامية». هذا التفاعل الهستيري يثبت تحديداً فعالية الضغط القانوني. فحين لم يعد بإمكان طرف مدعى عليه تجنّب المراجعة القضائية عبر المماطلة الإجرائية والضغط السياسي، بل اضطر إلى استخدام لغة «إعلان الحرب» للرد على ورقة قانونية، يكون القانون قد انتصر في الخطوة الأولى.
لكن السؤال الأكثر جوهرية لا يزال معلقاً عندما تصل مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية أخيراً إلى كل دولة طرف، فهل تختار هذه الدول تنفيذ القانون الدولي، أم تختار الاستمرار كشريكة في السلطة؟ وعندما تبدأ تروس العدالة بالدوران، هل يمتلك المجتمع الدولي الشجاعة الكافية لجعلها تسحق حتى النهاية؟

