هيمنة النفوذ المالي: واشنطن تخيّر حلفاءها بين الشراكة وسلاح العقوبات

«اقتصاد خارج النظام الأميركي»... واشنطن توسّع العقوبات الثانوية على شبكات النفط والتمويل والنقل المرتبطة بإيران، فهل تتحول العقوبات من سلاح ضد طهران إلى أداة لإعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي؟

كتب أحمد سمير
عندما يصبح الدولار أخطر من المُقاتلات… في 24 من أغسطس الماضي 2026، أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ما وصفه بـ«أكبر حملة عزل اقتصادي في التاريخ» ضد إيران، تحت مسمى «عملية المنبوذ الاقتصادي». لم يكن الإعلان مجرد جولة جديدة من العقوبات التي تعوّد عليها الاقتصاد الإيراني على مدى خمسة عقود، بل تحوّلًا نوعيًا في استراتيجية الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العالمي: الانتقال من استهداف الدولة المستهدفة مباشرةً إلى استهداف شركائها التجاريين وإجبارهم على الاختيار بين البقاء داخل النظام المالي الدولي القائم على الدولار، أو مواصلة التعامل مع طهران.
وقد كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن مساعد وزير الخزانة لشؤون تمويل الإرهاب، جوناثان بيرك، قاد جولة مكوكية شملت الشرق الأوسط وأوروبا، حاملًا رسالة صريحةإلى أكثر من 50 دولة: «إما أن تتعاملوا مع واشنطن، أو تتعاملوا مع طهران — لكن ليس مع كليهما». وهذه المعادلة ليست مجرد تهديد دبلوماسي، بل هي تفعيل لآلية «العقوبات الثانوية» التي تمنح مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة سلطة فصل أي بنك أو شركة أو حتى دولة عن نظام الدولار العالمي «بضغطة زر».


أوجدت واشنطن آلية نفوذ تتجاوز سيادة الدول الوطنية، معتمدة على مركزية الدولار ونظام “سويفت” (SWIFT) للمراسلات المالية. وضع هذا النهج العديد من القوى الإقليمية والدولية أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الامتثال الفوري وإيقاف أو تقليص التعاملات الاقتصادية مع طهران، أو التعرض للعزل المالي والشطب من قائمة الشركاء الموثوقين لدى الأسواق الغربية.
فواشنطن لا تستهدف المؤسسات الإيرانية وحدها، وإنما تضغط أيضًا على الشركات والبنوك وشركات الشحن والوسطاء الموجودين خارج إيران، في محاولة لمنع طهران من الوصول إلى مصادر التمويل والأسواق الدولية.
وتصاعدت الحملة خلال الشهر الجاري؛ ففي 29 سبتمبر فرضت الخزانة الأميركية عقوبات على 10 أفراد وكيانات في عدة دول، متهمة إياها بالمساعدة في توفير أسلحة ومكونات عسكرية لإيران.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن وزارة الخزانة الأميركية باتت تمارس دورًا محوريًا في إعادة تشكيل خريطة التحالفات الاقتصادية الدولية، من خلال إملاء شروط صارمة على الدول التي تربطها علاقات تجارية مع طهران.
وهنا تظهر القضية الأوسع: هل تستخدم الولايات المتحدة قوتها المالية والدولارية ليس فقط لمعاقبة خصومها، وإنما لإجبار أطراف أخرى على الاختيار بين الوصول إلى النظام المالي الأميركي وبين استمرار علاقاتها الاقتصادية مع طهران؟
السؤال الحقيقي لا يتعلق بإيران فقط. يتعلق بمن يملك حق تقرير من يدخل النظام المالي العالمي ومن يُطرد منه؟

اختارت واشنطن توسيع العقوبات الثانوية الآن بالذات؟
لماذا الآن؟ توقيت التصعيد ليس بريئا، التصعيد يأتي بعد سبعة أشهر من حرب أميركية- إسرائيلية ضد إيران بدأت في 28 فبراير، ووصلت إلى طريق مسدود ميدانيا. الفشل العسكري دفع واشنطن لتغيير التكتيك: توسيع العقوبات المالية لتشمل شركات من دول ثالثة تتعامل مع شركات إيرانية، فيما يعرف بالعقوبات الثانوية.
في 21 سبتمبر، أعلن بيسنت عقوبات على 27 شركة طيران إيرانية مع تهديد بعقوبات ثانوية ضد أي شركة أجنبية تقدم لها الوقود أو الخدمات الأرضية. ثم تبعها في 29 سبتمبر عقوبات جديدة على 13 فردا وكيانا في روسيا والصين وهونغ كونغ وباكستان بتهمة مساعدة إيران في شراء الأسلحة. التوقيت يكشف منطق الحرب الهجينة: عندما تتعثر الصواريخ، تتقدم البنوك.


كيف تعمل آلية التخيير الأميركي: العقوبات أم طهران؟
كيف تعمل آلية “إما نحن أو طهران”؟
الآلية بسيطة ووحشية في آن واحد. وزارة الخزانة أبلغت شركاء إيران التجاريين في الشرق الأوسط وأوروبا بضرورة الاختيار بين مواصلة التعامل مع طهران والحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع واشنطن.
الأداة التنفيذية هي التهديد بالقطع من النظام المالي الأميركي. المطارات والشركات التي تزود الطائرات الإيرانية بالوقود أو خدمات الهبوط أو بيع التذاكر تخاطر بعقوبات ثانوية قد تقطعها عن النظام المالي الأميركي. النتيجة العملية ظهرت فورا: شركاء إقليميون، منهم العراق، أوقفوا الرحلات الإيرانية بعد التهديد الأميركي بمعاقبة أي مطار يخدم الخطوط الإيرانية.
هنا تتحول الخزانة من وزارة مالية إلى وزارة خارجية موازية، والدولار من عملة إلى سلاح.

هل وضعت واشنطن الدول فعلًا أمام خيار «إيران أم الولايات المتحدة»؟
المشهد أكثر تعقيدًا من صيغة الاختيار المباشر، لكنه يتجه إلى ذلك عمليًا في بعض القطاعات.
وزارة الخزانة أعلنت أنها وسعت نطاق التعرض للعقوبات الثانوية ضد الجهات التي تستمر في التعامل مع النظام الإيراني، وحذرت من أن الجهات التي تسهّل غسل الأموال أو التحايل على العقوبات قد تفقد الوصول إلى النظام المالي الأميركي.
وهذا يعني أن الدولة أو الشركة لا تواجه بالضرورة أمرًا أميركيًا صريحًا يقول: «اقطعوا العلاقات مع إيران»، وإنما تواجه حسابًا اقتصاديًا أكثر تعقيدًا:
هل السوق الإيرانية والعلاقة التجارية مع طهران أهم من استمرار الوصول إلى الدولار والأسواق والمؤسسات المالية الأميركية؟
بالنسبة إلى الشركات العالمية الكبرى، قد يكون القرار شديد الحساسية؛ لأن الخطر لا يتعلق فقط بالسوق الأميركية، بل بالتمويل والتأمين والمصارف والتحويلات الدولية.

لماذا يمثل النفط الإيراني نقطة الصراع الأساسية؟
لأن النفط هو أحد أهم مصادر العملة الأجنبية لإيران.
وتقول الخزانة الأميركية إن الصين تستحوذ على النسبة الأكبر من صادرات النفط الإيرانية، وإن المصافي الصينية المستقلة تلعب دورًا رئيسيًا في استيراد الخام الإيراني.
وبالتالي فإن واشنطن عندما تضغط على مشتري النفط الإيرانيين، فإنها لا تستهدف طهران فقط، بل تحاول التأثير في السلسلة التجارية بأكملها: المنتج، والوسيط، وشركة الشحن، وشركة التأمين، والمصفاة، والبنك.
وهذا يحول العقوبات إلى شبكة اقتصادية واسعة، وليس مجرد قائمة من الأسماء المحظورة.

لماذا اختارت واشنطن «الخيار الثنائي» (أميركا أو إيران) بدل التفاوض المتدرج؟
السياق مركب. حرب ممتدة منذ أواخر فبراير 2026، اضطراب في هرمز، انهيار متسارع للريال، ومفاوضات متعثرة بعد مذكرة تفاهم صيفية لم تتحول إلى اتفاق نهائي. فشلت محاولة «الترخيص المؤقت» للنفط في إعادة طهران إلى مسار تفاوضي مستقر، فعادت الخزانة إلى عقيدة الضغط الأقصى، لكن بأدوات أوسع: إنذار جماعي، مهل محددة، وتهديد صريح باستبعاد أي جهة تسهّل غسل الأموال أو بيع النفط أو تشغيل الطيران الإيراني.
الرهان الأميركي واضح: إذا ارتفعت كلفة الالتفاف على العقوبات فوق العائد، تتقلص قدرة طهران على تمويل الجهد العسكري والوكلاء والبرنامج التسليحي من دون الحاجة إلى تصعيد ناري مستمر.

ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى الصين؟
الصين تمثل أحد أهم الاختبارات لهذه السياسة.
فمن ناحية، تعتمد بكين على علاقاتها الاقتصادية والطاقة مع إيران، ومن ناحية أخرى فإن شركاتها ومؤسساتها المالية ليست معزولة عن النظام التجاري العالمي.
وقد استهدفت العقوبات الأميركية بالفعل شركات وأفرادًا في الصين وهونغ كونغ ضمن شبكات مرتبطة بالنفط الإيراني أو مشتريات عسكرية لإيران.
وهنا يظهر صراع أوسع من الملف الإيراني:
هل تستطيع الولايات المتحدة استخدام النظام المالي العالمي للضغط على شركات مرتبطة بالقوى الاقتصادية الكبرى، أم أن استمرار العقوبات سيدفع الصين وغيرها إلى بناء قنوات مالية وتجارية أكثر استقلالًا عن النظام الذي تقوده واشنطن؟

من الدول والقطاعات الأكثر انكشافاً أمام هذا الإنذار؟
الخريطة العملية للضغط
ما ظهر حتى الآن ليس خطاباً فقط. الإمارات أعلنت وقف التعاملات المالية والرحلات الإيرانية. تركيا وعُمان أوقفتا رحلات «ماهان إير». بنوك في الإمارات وتركيا قلّصت أو قطعت المعاملات. عقوبات طالت عشرات شركات الطيران، شبكات صرافة، ناقلات، ومنصات أصول رقمية، ثم شبكات توريد عسكري في الصين وهونغ كونغ وباكستان.
الانكشاف الأكبر يقع في أربع دوائر:
النفط والخصم السعري وأسطول الظل.
المصارف المراسلة والوصول إلى الدولار.
الطيران المدني وقطع الغيار والتأمين.
الذهب والعملات المشفرة كقنوات بديلة للسيولة.
كل دائرة منها ليست «إيران» بقدر ما هي بنية تحتية عالمية يمكن لواشنطن أن تغلق عقدها واحدة تلو الأخرى.
الخلاصة : الحملة تستهدف ثلاث دوائر: دائرة الجوار الإيراني (العراق، تركيا، باكستان، دول الخليج)، ودائرة أوروبا، ودائرة آسيا الكبرى (الصين). العقوبات الأخيرة طالت كيانات في الصين وباكستان وتركيا والسعودية وإيران بتهمة دعم الجيش الإيراني.
بالنسبة لدول مثل العراق، الخسارة مزدوجة: خسارة التجارة والطاقة الإيرانية الرخيصة، وخسارة الاستقلالية السياسية. أما أوروبا فتجد نفسها أمام اختبار سيادة مؤلم: شركاتها مهددة لأنها التزمت بقانون دولي لا يعترف بالعقوبات الأحادية

هل تنجح استراتيجية “العزلة الاقتصادية” في إسقاط طهران أم في تفكيك التحالفات الأميركية؟
التاريخ يقول إن العقوبات الثانوية تنجح تكتيكيا وتفشل استراتيجيا. تكتيكيا، ستشل القدرات اللوجستية الإيرانية مؤقتا. استراتيجيا، هي تدفع الدول المستهدفة للبحث عن بدائل: أنظمة دفع غير دولارية، مقايضة نفطية، وتكتلات مالية موازية.
الأخطر على واشنطن أن هذه السياسة تزرع عدم الثقة حتى مع الحلفاء. عندما تُخيَّر دولة بين سيادتها ومصالحها الاقتصادية مع أميركا، فإنها قد تختار أميركا اليوم، لكنها ستخطط للتحرر من الدولار غدا. كل تهديد بقطع الخدمات المالية عن مطار أو بنك هو إعلان مجاني لمنظومة بريكس ولبكين وموسكو.


هل يمكن أن تؤدي هذه السياسة إلى انقسام الاقتصاد العالمي؟
هذا أحد أخطر السيناريوات بعيدة المدى.
فكلما توسعت العقوبات الثانوية، زادت حوافز الدول والشركات للبحث عن بدائل للدولار، وأنظمة دفع بديلة، وشبكات تجارة ثنائية، وتأمين وشحن خارج المنظومة الغربية.
ولا يعني ذلك أن الدولار يفقد دوره فورًا، لكن الاستخدام المتكرر للعقوبات المالية يمكن أن يدفع بعض الدول إلى التفكير في تقليل تعرضها للنظام المالي الأميركي.
وبالتالي فإن المعركة قد تنتقل تدريجيًا من:
«كيف نعاقب إيران؟»
إلى سؤال أكبر:
من يملك حق وضع قواعد التجارة والتمويل العالمي؟الصين وروسيا: كاسرا الحصار أم مستفيدان منه؟
الصين هي الهدف الأكبر المعلن ضمنيا في “عملية المنبوذ الاقتصادي”، حيث تهدف واشنطن لإجبار بكين على قطع كل الروابط المالية مع طهران. لكن بكين أدانت العقوبات ووصفتها بغير القانونية، وهي أكبر مشتر للنفط الإيراني عبر قنوات ملتفة.
روسيا، الشريك في المواجهة مع الغرب، توفر لطهران شبكة بديلة للتوريد العسكري والتقني، وهو ما تعكسه العقوبات الأخيرة التي طالت كيانات روسية. النتيجة: بدلا من عزل إيران، قد تسرّع واشنطن ولادة كتلة أوراسية مالية مغلقة لا يصل إليها الدولار.

وماذا عن الاقتصاد العالمي نفسه؟
العقوبات على إيران لا تحدث في فراغ؛ فهي تأتي في ظل أزمة مرتبطة بالطاقة والممرات البحرية والتوتر حول مضيق هرمز.
كما أن تشديد العقوبات على النفط الإيراني قد يؤثر في حجم الإمدادات المتاحة عالميًا، خصوصًا إذا تزامن مع اضطرابات في حركة الملاحة.
وهذا يجعل العقوبات سلاحًا ذا تأثير مزدوج: يمكنها الضغط على إيران، لكنها قد تزيد في الوقت نفسه تكلفة الطاقة والنقل والتأمين إذا أدت إلى تقليص الإمدادات أو زيادة المخاطر الجيوسياسية.
ومن هنا يصبح القرار الأميركي جزءًا من معادلة أكبر تشمل أسعار النفط، والتضخم، وأسواق السندات، وأسعار العملات، وحركة التجارة العالمية.


المشهد الحالي يكشف أن الصراع الأميركي- الإيراني لم يعد مجرد مواجهة بين دولتين، وإنما أصبح اختبارًا لقوة النظام الاقتصادي الدولي نفسه.
واشنطن تمتلك أدوات استثنائية؛ فالدولار، والنظام المصرفي الأميركي، والأسواق المالية، وشبكات التأمين والشحن الدولية تمنح العقوبات قدرة على الوصول إلى أطراف موجودة خارج الأراضي الأميركية.
وفي المقابل، تحاول إيران بناء مسارات بديلة، بينما تجد الصين وروسيا ودول أخرى نفسها أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على مصالحها التجارية وبين تجنب الوقوع تحت العقوبات الأميركية.
واللافت أن الخزانة الأميركية لا تكتفي باستهداف المؤسسات الإيرانية، بل تحاول توسيع دائرة المخاطر لتشمل من يساعد طهران على التجارة والتمويل والنقل، وهو ما ظهر بوضوح في حملة «Economic Outcast» والعقوبات المتلاحقة خلال سبتمبر.
وبذلك تصبح إيران ساحة اختبار لنفوذ اقتصادي أميركي أكبر: هل تستطيع واشنطن استخدام قوتها المالية لإعادة ضبط حركة التجارة الدولية وفق شروطها، أم أن الضغط المتزايد سيدفع العالم تدريجيًا إلى بناء نظام اقتصادي أكثر تعددًا وأقل اعتمادًا على الأدوات الأميركية؟
وهل تتحول العقوبات على إيران في النهاية من وسيلة للضغط على طهران إلى شرارة تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي بأكمله؟

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى