
أسواق السندات تُحاصر الحكومات… حرب إيران تفتح باب التضخم وتهدد النمو العالمي
تقرير للمركزي الأوروبي يكشف انهيار استهلاك الأسر في منطقة اليورو... والأسواق بين فكي الديون المتصاعدة وأسعار النفط
كتب أحمد سمير
يمر الإقتصاد العالمي في الوقت الحالي بلحظة حرجة ممزوجة بأكبر اختبار مزدوج نادر من نوعه من جهة قد عاد ما يسمي بحراس السندات بقوة، مطالبين بتعويضات أعلى لتمويل حكومات غرقت في عجز مزمن، من جهة أخرى فقد أعادت الحرب الإيرانية تفجير اسواق الطاقة مرة أخرى.
لنجد أن الحصيلة النهائية موجهة عالمية من بيع السندات دفعت تكاليف الإقتراض الحكومي الى مستويات لم يشهدها العالم منذ عقود، في إشارة واضحة إلى أن المستثمرين باتوا يطالبون بعلاوة مخاطر أعلى مقابل إقراض حكومات مثقلة بالديون. يأتي هذا في ظل استمرار الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران منذ أواخر فبراير 2026، التي رفعت أسعار النفط والغاز، وأعادت إحياء مخاوف التضخم، وضربت توقعات النمو العالمي.
وتأتي هذه الرسالة في وقت تشهد فيه عوائد السندات الحكومية الكبرى ارتفاعات حادة، مع تنامي المخاوف من عودة التضخم بسبب النفط، وقد امتدت موجة بيع السندات إلى أسواق رئيسة، في حين دفعت التوترات الأميركيةـ الإيرانية أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة مجددًا.

الأخطر أن الأزمة لا تضرب جانبًا واحدًا من الاقتصاد، فارتفاع النفط يرفع تكاليف النقل والإنتاج والطاقة، بينما ارتفاع عوائد السندات يزيد تكلفة اقتراض الحكومات والشركات والأسر. وفي الوقت نفسه، يبدأ المستهلك في تقليص الإنفاق خوفًا من المستقبل في هذا المناخ المتوتر، جاءت إشارة الإنذار من فرانكفورت. فبحسب مقال في النشرة الاقتصادية للبنك المركزي الأوروبي، فإن استهلاك الأسر في منطقة اليورو انخفض بشكل حاد في الأسابيع الأولى من حرب إيران مع تراجع الثقة، مما يشير إلى أن تجدد الصراع قد يعيق الإنفاق الاستهلاكي مرة أخرى. ما يحدث ليس مجرد تذبذب في الأسواق، بل إعادة تسعير كاملة لمخاطر مالية وجيوسياسية كانت الحكومات تعتقد أنها تجاوزتها.
المفارقة اللافتة في تقرير البنك المركزي الأوروبي أن تراجع الاستهلاك لم يكن مدفوعاً بالتضخم المتسارع بقدر ما كان نتيجة لانهيار الثقة الناجم عن حالة عدم اليقين الجيوسياسي. فقد انخفض مؤشر ثقة المستهلكين بنحو 12 نقطة مئوية بين فبراير وأبريل، وهو تراجع مماثل في حدته لرد فعل الأسر إبان اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا مطلع عام 2022. ومع تباطؤ نمو الاستهلاك الاسمي إلى نحو 2.5% على أساس سنوي في أبريل/ نيسان، مقارنة بمتوسط تراوح بين 3% و4% منذ منتصف عام 2024، تتضح الصورة الأوسع لأزمة متعددة الأبعاد تضرب جوهر الاقتصاد العالمي.
هل يمكن للبنوك المركزية تحقيق التوازن بين مكافحة التضخم ودعم النمو في ظل صدمة جيوسياسية بهذا الحجم؟ في ظل توقعات رفع أسعار الفائدة مجدداً في منطقة اليورو والولايات المتحدة، كيف يمكن التوفيق بين تشديد السياسة النقدية ومخاطر الركود؟

انهيار الثقة أم أزمة دخل؟ قراءة في تقرير البنك المركزي الأوروبي
كشف البنك المركزي الأوروبي أن تراجع الإنفاق الاستهلاكي في منطقة اليورو كان مدفوعاً في جوهره بـ”قناة الثقة” وليس بقيود الدخل. فالأسر مرتفعة الدخل هي التي قادت موجة التقشف، مع خفض إنفاقها على السلع الكمالية، في مؤشر على أن التباطؤ يعكس قراراً طوعياً بتأجيل المشتريات في ظل حالة عدم اليقين، وليس عجزاً حقيقياً عن الإنفاق. ومع ذلك، فإن 40% من المستهلكين أعربوا عن قلقهم من أن التضخم السريع الناجم عن الصراع قد يؤدي إلى تآكل الدخل الحقيقي، مع عدم توقعهم تعويض هذه الخسائر.
ويشير البنك إلى أن تراجع الاستهلاك في أبريل/ نيسان كان مماثلاً من حيث الحجم لرد فعل الأسر على اندلاع الحرب في أوكرانيا، ما يعكس نمطاً متكرراً من الصدمات الجيوسياسية التي تترك “ندوباً” في توقعات المستهلكين وتجعلهم أكثر حساسية للصدمات اللاحقة. ومع بقاء مؤشر الثقة أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب، فإن أي تصعيد جديد قد يضغط مجدداً على الإنفاق الاستهلاكي، وهو ما يهدد المحرك الرئيسي لاقتصاد منطقة اليورو الذي يعاني أصلاً من ضعف ممتد منذ سنوات.

لماذا أصبحت أسواق السندات مصدر قلق مباشر للحكومات؟
لأن السندات هي العمود الفقري لتمويل الحكومات. وعندما ترتفع عوائد السندات، فهذا يعني عمليًا أن الحكومات مطالبة بدفع تكلفة أعلى لتمويل عجزها وإعادة تمويل ديونها القائمة.
المشكلة تصبح أكثر خطورة بالنسبة للدول ذات مستويات الدين المرتفعة؛ إذ إن ارتفاع الفائدة لا يؤثر فقط في الإصدارات الجديدة، بل ينتقل تدريجيًا إلى خدمة الدين القائم مع استحقاق السندات وإعادة إصدارها.
ولهذا يمكن أن يتحول ارتفاع العوائد من مؤشر في الأسواق المالية إلى ضغط مباشر على الموازنات العامة، ما يجبر الحكومات على الاختيار بين زيادة الضرائب، أو خفض الإنفاق، أو زيادة الاقتراض بتكلفة أعلى.
وقد شهدت أسواق السندات العالمية بالفعل موجة بيع واسعة مرتبطة بمخاوف التضخم والارتفاع الكبير في أسعار النفط وتزايد احتياجات الاقتراض الحكومي.
لماذا تحولت أسواق السندات من ملاذ آمن تقليدي إلى مصدر قلق رئيسي للحكومات في ظل الحرب؟
تقليدياً كانت السندات الحكومية ملاذاً آمناً في أوقات الأزمات، لكن الحرب أعادت تسعير المخاطر التضخمية والمالية معاً. ارتفعت عوائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات فوق 3% لأول مرة منذ 1996، وعوائد السندات البريطانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوياتها منذ 2008، بينما اقتربت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاماً من مستويات لم تُشهد منذ 2007. السبب الجوهري أن المستثمرين لم يعودوا يثقون بأن التضخم سيكون عابراً، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات الإمدادات. كما أن مستويات الدين العام المرتفعة أصلاً تجعل أي زيادة في العوائد مكلفة جداً على الموازنات.
هل نحن أمام خطر «الركود التضخمي»؟
نعم، وهذا أحد أخطر السيناريوات المطروحة.
الركود التضخمي يعني اجتماع ثلاثة عناصر:
ارتفاع الأسعار، ضعف النمو، تراجع القوة الشرائية.
والمؤشرات الأوروبية تقدم مثالًا واضحًا على هذه المعضلة. فالبنك المركزي الأوروبي رصد تراجعًا حادًا في استهلاك الأسر بعد اندلاع الحرب، بالتزامن مع انخفاض الثقة.
وفي الوقت نفسه، تؤدي أسعار الطاقة المرتفعة إلى زيادة التضخم.
وهنا يصبح الاقتصاد محاصرًا من جهتين:
من جهة: المستهلك يقلل الإنفاق بسبب ارتفاع الأسعار وعدم اليقين.
ومن جهة أخرى: الشركات تواجه تكاليف إنتاج أعلى، ما يدفعها إلى رفع الأسعار أو تقليص الاستثمار والتوظيف.
وبالتالي يمكن أن تتحول الحرب من أزمة طاقة إلى أزمة طلب واستثمار ونمو.
إلى أي مدى سيستمر تأثير “قناة الثقة” في قيادة سلوك المستهلكين؟ مع بقاء ثقة المستهلكين دون مستويات ما قبل الحرب، هل يعكس هذا تحولاً هيكلياً في أنماط الاستهلاك أم مجرد صدمة مؤقتة؟
عاصفة السندات العالمية بين مخاوف التضخم وارتفاع تكاليف الاقتراض
على الجانب الآخر من الأزمة، تشهد أسواق السندات العالمية موجة بيع عنيفة مع ارتفاع حاد في عوائد الديون الحكومية. فقد تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات 4.63%، وهو أعلى مستوى منذ فبراير 2025، في حين صعد العائد على السندات البريطانية لأجل 30 عاماً إلى 5.85%، وهو الأعلى في 28 عاماً. وفي اليابان، ارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى 4% للمرة الأولى منذ إصدارها في عام 1999.
هذه الموجة من البيع تعكس مخاوف المستثمرين من أن استمرار الحرب سيبقي أسعار الطاقة مرتفعة، مما يعزز الضغوط التضخمية ويدفع البنوك المركزية للإبقاء على سياسة نقدية مشددة لفترة أطول. وتشير التقديرات إلى أن متوسط عوائد السندات العشرية لدول مجموعة السبع ارتفع من حوالي 3.2% قبل الحرب إلى ما يقارب 4%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2004. ومع خسائر تقدر بنحو 2.5 تريليون دولار، تعيد هذه العاصفة المالية إلى الأذهان سيناريو أزمة الأسواق في عام 2022.
لماذا يمثل تراجع ثقة المستهلك الأوروبي خطرًا أكبر من مجرد انخفاض مؤقت في الإنفاق؟
لأن الثقة عنصر أساسي في الاقتصاد.
عندما يشعر المستهلك بأن الحرب قد تطول وأن أسعار الطاقة قد تستمر في الارتفاع، فإنه يبدأ بتأجيل القرارات غير الضرورية: شراء سيارة، أثاث، أجهزة، سفر أو سلع كمالية.
والأسر ذات الدخل المرتفع قد تقلص إنفاقها على السلع غير الأساسية، بينما تكون الأسر الأقل دخلًا أكثر تعرضًا للضغط لأنها تخصص نسبة أكبر من دخلها للغذاء والطاقة والسكن.
وهكذا يتحول الخوف من المستقبل إلى سلوك اقتصادي فعلي.
واللافت أن البنك المركزي الأوروبي أشار إلى أن تراجع الاستهلاك في أبريل كان مشابهًا من حيث الحجم لرد فعل الأسر تجاه اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022.
ما دلالة تراجع استهلاك الأسر في منطقة اليورو بحسب تقرير البنك المركزي الأوروبي، وهل هو مؤقت أم هيكلي؟
دلالة تراجع استهلاك الأسر في منطقة اليورو
أظهر تقرير البنك المركزي الأوروبي أن نمو الاستهلاك الاسمي تباطأ إلى نحو 2.5% على أساس سنوي في أبريل 2026، بعد أن كان يتراوح بين 3-4% منذ منتصف 2024. الانخفاض جاء مضاعفاً لما تشير إليه الاتجاهات التاريخية، ومماثلاً تقريباً لرد فعل الأسر بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022. اللافت أن التراجع كان مدفوعاً بشكل أساسي بتقليص الأسر ذات الدخل المرتفع لإنفاقها على السلع والخدمات غير الضرورية، وليس بقيود دخل صارمة. أي أن السبب الرئيسي هو تراجع الثقة والقلق من المستقبل، ما يجعل الاستهلاك عرضة لمزيد من الضعف إذا تصاعدت الحرب مجدداً.
كيف تحولت حرب إيران إلى محرك للتضخم؟
الحرب كسرت معادلة الطاقة. كل جولة قصف جديدة تدفع النفط للقفز، والنفط هو المادة الخام التي تدخل في كل شيء، من النقل إلى الغذاء إلى الصناعة. هذا يخلق ما يسميه الاقتصاديون “صدمة عرض” تضخمية.
الأسواق تربط الأمر مباشرة: تصاعد حرب إيران رفع أسعار النفط وضخم المخاوف بشأن التضخم المستمر وارتفاع الديون الحكومية وتشديد السياسة النقدية. النفط لا يرفع التضخم فقط، بل يدمر قدرة البنوك المركزية على خفض الفائدة لإنقاذ النمو. نحن أمام حلقة مفرغة: حرب ترفع النفط، النفط يرفع التضخم، التضخم يمنع خفض الفائدة، وارتفاع الفائدة يضرب النمو.

هل تستطيع الحكومات تحمل تكاليف الاقتراض المرتفعة مع استمرار الضغوط الجيوسياسية؟
قدرة الحكومات على تحمل تكاليف الاقتراض
حسب تحليلات، أدى ارتفاع العوائد منذ بداية الحرب إلى زيادة تكاليف خدمة الدين في دول مجموعة السبع بعشرات المليارات من الدولارات. الولايات المتحدة تتحمل الجزء الأكبر، لكن التأثير يمتد إلى أوروبا واليابان. مع الحاجة المتزايدة إلى الإنفاق الدفاعي ودعم الأسر المتضررة من أسعار الطاقة، تواجه الحكومات معضلة: إما تقليص الإنفاق أو زيادة الضرائب أو قبول عجز أكبر، وكلها خيارات صعبة سياسياً واقتصادياً.
كيف تتعامل البنوك المركزية مع هذه المعضلة؟
البنوك المركزية أمام معادلة شديدة التعقيد.
إذا رفعت أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، فإنها قد تزيد تكلفة الاقتراض وتضغط أكثر على الاستثمار والاستهلاك والنمو.
وإذا خفضت الفائدة أو أسرعت في التيسير النقدي، فقد تخاطر بتثبيت التضخم المرتفع، خصوصًا إذا استمرت أسعار النفط في الصعود.
لذلك فإن الحرب تضع البنوك المركزية أمام سؤال صعب:
هل الأولوية الآن لمحاربة التضخم أم حماية النمو؟
والأصعب أن الإجابة ليست واحدة لجميع الدول؛ فالاقتصادات المستوردة للطاقة ستكون أكثر تأثرًا بارتفاع النفط، بينما قد تستفيد بعض الدول المنتجة للطاقة من ارتفاع الأسعار.
هل ارتفاع عوائد السندات يعني أن المستثمرين فقدوا الثقة في الحكومات؟
ليس بالضرورة فقدانًا مباشرًا للثقة في قدرة الحكومات على السداد، وإنما يعكس مزيجًا من المخاوف.
أبرزها:
التضخم: المستثمر يريد عائدًا أعلى لتعويض تآكل القوة الشرائية.
ارتفاع الدين العام: زيادة الإصدارات الحكومية تعني عرضًا أكبر من السندات.
ارتفاع أسعار النفط: يزيد احتمال بقاء التضخم مرتفعًا.
السياسة النقدية: توقعات رفع الفائدة تضغط على أسعار السندات.
المخاطر الجيوسياسية: الحرب تجعل المستثمرين يعيدون تقييم المخاطر.
وقد شهدت عوائد السندات في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان مستويات مرتفعة للغاية في ظل هذه الضغوط.
هل يمكن أن تتحول أزمة السندات إلى أزمة ديون عالمية؟
هذا هو السيناريو الذي تخشاه الأسواق، وإن كان لا يعني أن أزمة ديون عالمية أصبحت حتمية.
المشكلة تكمن في تراكم الديون خلال سنوات طويلة من أسعار الفائدة المنخفضة.
عندما كانت الفائدة منخفضة، كان بإمكان الحكومات إعادة تمويل ديونها بتكاليف محدودة نسبيًا. أما الآن، فإن استمرار ارتفاع العوائد يعني أن فاتورة خدمة الدين ستصبح أكثر ثقلًا.
وإذا تزامن ذلك مع:
تباطؤ النمو،
ارتفاع الإنفاق الدفاعي،
ارتفاع أسعار الطاقة،
انخفاض الإيرادات الضريبية،
فإن المساحة المالية أمام الحكومات ستضيق بشدة.
وهنا يمكن أن تبدأ الأسواق في معاقبة الدول ذات الاختلالات المالية الأكبر عبر طلب عوائد أعلى على سنداتها.
هل نحن أمام سيناريو ركود تضخمي جديد لا تملك البنوك المركزية أدوات لمواجهته؟
نعم، هذا هو السيناريو الأقرب. الركود التضخمي هو أسوأ كابوس للبنوك المركزية لأنه يجمع بين عدوين متناقضين. إذا رفعت الفائدة لمحاربة التضخم النفطي، ستقتل النمو وتزيد البطالة. وإذا خفضت الفائدة لدعم الاستهلاك، ستفجر التضخم وتفقد مصداقيتها وتزيد من هروب المستثمرين من السندات.
المركزي الأوروبي والفيدرالي الأمريكي الآن في مأزق. لا يمكنهما تجاهل التضخم المستورد من النفط، ولا يمكنهما تجاهل انهيار الثقة. لذلك نرى أسواق السندات تتوقع زيادات جديدة للفائدة هذا الشهر، رغم كل التحذيرات من ضرب النمو العالمي.
السيناريوات المحتملة للنمو العالمي
إذا بقيت الحرب محدودة نسبياً، قد يمتص الاقتصاد العالمي الصدمة تدريجياً مع تكيف سلاسل التوريد. أما إذا طال الأمد أو أُغلق مضيق هرمز بشكل أوسع، فإن مزيج التضخم المرتفع والنمو الضعيف (الركود التضخمي) يصبح أكثر احتمالاً. في هذه الحالة ستجد البنوك المركزية نفسها مضطرة للإبقاء على سياسة نقدية متشددة، بينما تعاني الحكومات من ارتفاع تكلفة الدين، ما يهدد الاستقرار المالي خاصة في الدول ذات المديونية العالية.
تقف الأسواق العالمية عند مفترق طرق تاريخي، حيث تتداخل صدمة الطاقة مع أزمة ثقة المستهلكين وعاصفة أسواق السندات في حلقة مفرغة من التضخم وتباطؤ النمو. فمن جهة، يكشف تقرير البنك المركزي الأوروبي عن هشاشة نفسية المستهلكين في مواجهة الصدمات الجيوسياسية، مع تراجع الإنفاق ليس بسبب نقص الدخل بل بسبب حالة عدم اليقين التي تدفع الأسر إلى تأجيل الإنفاق. ومن جهة أخرى، تعكس أسواق السندات رهاناً على استمرار التضخم وتشديد السياسة النقدية، ما يرفع تكاليف الاقتراض ويضاعف الضغوط على الحكومات والشركات على حد سواء.
في هذا السياق، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً الذي تطرحه هذه التداعيات المتشابكة: في ظل استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي، هل تمتلك البنوك المركزية والأدوات المالية التقليدية القدرة على احتواء أزمة تجمع بين صدمة العرض في الطاقة، وانهيار الثقة، وعاصفة أسواق الديون، أم أن العالم أمام حقبة جديدة من التضخم المزمن والركود المتكرر تعيد تشكيل قواعد الاقتصاد الكلي كما عرفناها لعقود؟



