الأساتذة المتعاقدون في لبنان… ضياع بين وعود الدولة وانقسام الصفوف

مع انطلاق الأعمال التحضيرية في مدارس التعليم الرسمي، وبدء الدوام الرسمي للأساتذة الملاك، يستعد الأهالي والطلاب والاساتذة لاستقبال عام دراسي جديد يحدد موعده الفعلي يوم الثلاثاء 15 أيلول. لكن هذا المشهد السنوي المتكرر يحمل في طياته قصةً مؤلمةً لا تقلّ أهمية عن انطلاق العام الدراسي نفسه، إنها قضية الأساتذة المتعاقدين التي تُرحّل كل عام كالجرح النازف، دون أي حل جذري يلملم شتاتها. فهم يسيرون العام الدراسي تحت معاناة جائرة وهي:
1- *واقعٌ مرير وتهميشٌ ممنهج*
منذ عام 2010، تاريخ آخر مباراة لتثبيت الأساتذة المتعاقدين كانت عام 2010 في التعليم الأساسي، وعام 2016 في التعليم الثانوي، انقطعت وزارة التربية عن أي خطوة جدية نحو تثبيت هؤلاء الأساتذة. وتحولت عقودهم إلى مجرد أوراق هشّة لا تضمن لهم أبسط حقوق المواطنة الكريمة:
– لا تقديمات طبية ولا استشفائية.
– لا منح تعليمية لأبنائهم.
•-لا راتب شهري ثابت كما سائر الموظفين أو المتعاقدين في وزارات وإدارات الدولة.
فما يحصلون عليه يقتصر على أجر الساعة (8 دولارات للتعليم الأساسي، و14.5 دولاراً للتعليم الثانوي)، إضافةً إلى بدل نقل لا يغطي سوى ثلاثة أيام في الأسبوع الدراسي، مع أن دوامهم الفعلي يمتد لأكثر من ذلك، باستثناء يوم العطلة الأسبوعية. وهو ما يضعهم في خانة “العامل اليومي” لا “المربي” الذي يقضي جل وقته في إعداد الأجيال وتربية الناشئة.
*2-شيخوخة بلا تقاعد.. وعيشٌ بلا كرامة*
مع تقادم السنوات، يقترب عدد لا بأس به من هؤلاء الأساتذة المتعاقدين من سن التقاعد، ليكتشفوا أنهم سيمضون بقية عمرهم دون معاش تقاعدي يؤمن لهم حياة كريمة، ودون تغطية صحية تحميهم من أزمات المرض التي لا تستثني أحداً. هم يدرّسون اليوم، لكن الغد يطل عليهم بوجه قاسٍ لا مكان لهم فيه، وكأن عقودهم المؤقتة هي التي تحدد قيمة وجودهم، لا عطاؤهم المستمر وتضحياتهم الجسام.
*3- الانقسام… سلاحٌ بيد الدولة*
لكن المفارقة الأكثر إيلاماً أن الأساتذة المتعاقدين أنفسهم، وبسبب تعدد فئاتهم وكثرة ممثليهم، ظلوا أسرى الانقسام الداخلي. فبدلاً من أن يكونوا قوةً واحدةً تدفع بقضيتهم نحو الحل، تحوّل تعدد الأصوات إلى سبب رئيسي لاستبعاد معظم ممثليهم من اجتماعات الوزارة ومتابعة مطالبهم. وقد أدركت الدولة ووزارة التربية هذا الواقع جيداً، واستغلّته ببراعة لتمرير سياسة “التأجيل والتهميش” على حساب قضية عادلة، وكأن الانقسام صار ذريعةً لتبرير الجور، وكأن على المظلوم أن يكون مثاليّاً في وحدته لينال حقه!
*4-دعوةٌ للوحدة.. قبل فوات الأوان*
ألم يحن الوقت بعدُ ليتحد الأساتذة المتعاقدون في كيان واحد، خلف صوت واحد، ومطلب واحد: “التثبيت العادل والمنصف للجميع”؟
ألم يدركوا أن استمرار الانقسام إنما يُضعف قضيتهم، ويؤجّج الألم، ويمنح الوزارة فرصةً ثمينةً لإطالة أمد معاناتهم؟
إن الوحدة ليست مجرد خيار، بل هي ضرورة وجودية لا مفرّ منها، إن كانوا يرغبون حقاً في إنصاف قضيتهم. فكيف لهم أن يطالبوا الدولة بالعدل وهم لم يتحلّوا به بينهم؟ كيف يطلبون من الوزارة أن تنظر إليهم بعين الانصاف وهم ينظرون إلى بعضهم من زوايا متعدّدة؟

*وأخيراً*، إن قضية الأساتذة المتعاقدين في لبنان ليست مجرد قضية فئة من الموظفين، بل هي اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة بحقوق الموظفين فيها، وامتحان لوعي الأساتذة أنفسهم بقيمة التضامن والوحدة. فالتثبيت ليس منّةً تمنحها الوزارة، بل هو حقٌّ مكتسبٌ لمن أفنوا سنوات عمرهم في تعليم أبناء هذا الوطن، وهم يستحقّون أن يختتموا مسيرتهم المهنية بتكريم يليق بهم، لا أن يودّعوها بمرارة الحرمان وانكسار الأمل.
فلتتحد الأصوات، ولتعلُ كلمةُ الحق، فما دامت القضية واحدة، فلن ينفع إلا صوت واحد يهزّ الضمير الرسمي، ويفتح باب العدل الذي طالما أُغلق في وجوههم.

د. حسين سعد
*نقابي وباحث تربوي*

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى