بعد 3000 عام تحت الرمال مصر تكشف المدينة الذهبية المفقودة وجثث بألسنة من ذهب

بين معبد "رمسيس الثالث" في هابو، ومعبد "أمنحتب الثالث" في ممنون، تصعد مدينة آتون كأكبر مدينة في تاريخ مصر القديمة

كتب أحمد سمير
في كشفين متزامنين يضيفان فصولاً جديدة إلى سجل مصر الحضاري، أعلنت وزارة السياحة والآثار عن العثور على مدينة سكنية متكاملة تعود للعصر البيزنطي، اختفت تحت رمال صحراء الداخلة لأكثر من 1600 عام، تروي قصة مجتمع مزدهر كان يعج بالحياة، شوارع واسعة، كنيسة شاهقة، ومئات الوثائق التي تكشف يوميات أهلها، بالتزامن مع ذلك أسفرت أعمال التنقيب في مارينا العلمين عن 18 مقبرة أثرية تحوي بقايا بشرية دفنت مع رقائق ذهبية داخل أفواهها، في طقس جنائزي يعكس معتقدات عميقة حول الحياة الآخرة، هذا الثنائي الأثري لا يقتصر على كونه مجرد اكتشاف للمقتنيات، بل هو نافذة مزدوجة على حقبة شهدت فيها مصر ازدهاراً عمرانياً وتنوعاً ثقافياً، في وقت كانت فيه جسراً بين الشرق والغرب.
ولا يمثل هذا الاكتشاف مجرد إضافة جديدة إلى سجل الآثار المصرية، بل يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول طبيعة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية خلال ما يُعرف بـ«السنة الذهبية»، وهي مرحلة شهدت ازدهارًا حضاريًا غير مسبوق.

ما الذي تم العثور عليه فعلا؟
المدينة الذهبية المفقودة: بعثة الدكتور زاهي حواس التي بدأت في سبتمبر 2020 عثرت على مدينة كاملة من الطوب اللبن، بها ورش وأفران وأوان فخارية. حواس نفسه قال: “لقد عثرنا على جزء فقط من المدينة، التى تمتد شمالا وغربا”، وهو ما يعني أن العمل سيستمر لسنوات.
مقبرة الألسنة الذهبية: البعثة الإسبانية التابعة لجامعة برشلونة أعلنت كشف مقبرة رومانية بها مومياوات رومانية بعضها مزين بزخارف هندسية، وتوابيت خشبية، وثلاثة ألسنة ذهبية وآخر نحاسي، بالإضافة إلى دلائل على استخدام رقائق الذهب على بعض المومياوات.

لماذا هذا الكشف استثنائي؟
البعد التاريخي: المدينة تعود لعهد الملك أمنحتب الثالث، تاسع ملوك الأسرة الثامنة عشر، واستمر استخدامها من قبل توت عنخ آمون قبل 3000 عام. هذا يعني أنها تربط بين ذروة ازدهار الإمبراطورية ومرحلة غامضة هي فترة العمارنة.
البعد الديني والعقائدي: الألسنة الذهبية لم تكن زينة، المصريون في العصرين اليوناني والروماني كانوا يضعون لسانا من الذهب للمتوفى ليتمكن من الكلام أمام محكمة أوزير في العالم الآخر. العثور على 3 ألسنة دفعة واحدة يؤكد استمرار العقيدة الفرعونية حتى بعد دخول الرومان.
البعد العلمي النادر: داخل إحدى المومياوات عُثر على بردية نادرة تتضمن نصا من الكتاب الثاني من الإلياذة للشاعر هوميروس، والمعروف بـ “فهرس السفن”، هذا أول دليل مادي على تدريس الأدب اليوناني الكلاسيكي في صعيد مصر.
تنوع اللقى غير المسبوق: جنوب الموقع اكتُشفت تماثيل صغيرة من التيراكوتا والبرونز، منها تماثيل للمعبود حاربوقراط على هيئة فارس، وتمثال صغير لكيوبيد، مما يثبت أن البهنسا كانت مركزا كوزموبوليتانيا يجمع بين المصري واليوناني والروماني.
أهمية الاكتشاف الحضاري: يكشف الموقع في واحة الداخلة عن حياة يومية كاملة لمجتمع بيزنطي متكامل (كنيسة بازيليكا، شوارع مخططة، أبراج مراقبة، منازل مقببة، أفران، مطابخ، طواحين)، مما يقدم صورة نادرة عن الحياة في الواحات النائية خلال فترة الإمبراطورية البيزنطية (القرن الرابع الميلادي)، بعيداً عن التركيز التقليدي على العصور الفرعونية.
الوثائق الحية: حوالى 200 قطعة أوستراكا (كسرات فخار مكتوبة) باليونانية والقبطية توثق معاملات تجارية ورسائل يومية، بالإضافة إلى عملات وأدوات منزلية، وهي تمثل سجلاً أرشيفياً استثنائياً يعكس النشاط الاقتصادي والاجتماعي.
الطقوس الجنائزية: في مارينا العلمين، اكتشاف 18 مقبرة مع تابوت جرانيتي ضخم و”ألسنة ذهبية” (رقائق ذهبية في أفواه الموتى) يعكس تأثيراً يونانياً-رومانياً قديماً يرمي إلى مساعدة المتوفى على الكلام في الآخرة، مع رموز مثل “عين حورس” التي تدمج التراث المصري القديم.
السياق التاريخي: يبرز الاكتشاف دور مصر كإقليم غني في الإمبراطورية البيزنطية لأكثر من 250 عاماً، حيث انتشرت المسيحية وتداخلت الثقافات الرومانية والمصرية والمسيحية.
القيمة العالمية: الموقع مدرج في القائمة التمهيدية لليونسكو، مما يعزز مكانة مصر الأثرية ويفتح آفاقاً للسياحة الثقافية والأبحاث المستقبلية.

كيف تسهم التكنولوجيا الحديثة في فك ألغاز الماضي؟
أصبحت تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد، وتحليل الحمض النووي، والمسح الجيوفيزيائي، أدوات رئيسية في علم الآثار الحديث، ما يسمح للباحثين بفهم المواقع المكتشفة دون الإضرار بها واستخلاص معلومات لم تكن متاحة في السابق.

ما التأثير المتوقع لهذا الاكتشاف على السياحة المصرية؟
من المتوقع أن يسهم هذا الكشف في تعزيز الاهتمام العالمي بالحضارة المصرية، خاصة مع تنامي الاهتمام الدولي بالاكتشافات الأثرية الكبرى، وهو ما قد ينعكس إيجابًا على قطاع السياحة الثقافية والاقتصاد المصري.

هل ما زالت مصر تخفي المزيد من الأسرار؟
يرى خبراء الآثار أن ما تم اكتشافه حتى الآن لا يمثل سوى جزء محدود من الكنوز المدفونة تحت الرمال المصرية، إذ تشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من المواقع الأثرية لا تزال تنتظر الكشف والدراسة.
وفي نهاية الأمر لا يقتصر اكتشاف المدينة المفقودة على كونه إنجازًا أثريًا فحسب، بل يمثل نافذة جديدة لفهم حضارة استطاعت أن تبهر العالم عبر آلاف السنين. وبينما يواصل العلماء التنقيب في طبقات التاريخ، يبقى السؤال الأهم: كم من المدن والأسرار لا تزال مدفونة تحت الرمال المصرية، في انتظار أن تعيد كتابة فصول جديدة من قصة الحضارة الإنسانية؟

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى