
اختناقات الطرق… هل الذروة وحدها السبب أم أن ثقافة القيادة جزء من الأزمة؟
بقلم: ريان الجفري
يُرجع كثيرون الازدحام المروري اليومي إلى ساعات الذروة المرتبطة بخروج الموظفين والطلاب، باعتبارها السبب الرئيسي وراء بطء حركة السير. إلا أن الواقع يكشف أن المشكلة لا تقتصر على كثافة المركبات فحسب، بل تمتد إلى سلوكيات القيادة التي تسهم بشكل مباشر في تفاقم الأزمة، حتى أصبح الطريق في بعض الأحيان أشبه بساحة تنافس يحاول فيها كل قائد مركبة استغلال مهاراته للوصول أولًا، متجاوزًا قواعد النظام وروح الاحترام المتبادل.
ومن واقع تجربة يومية بحكم السكن في شمال مدينة جدة، وتحديدًا على طريق المدينة المنورة عند مناطق الالتفاف المؤدية إلى كبري الصالة الملكية وكبري الملك سعود، يتكرر المشهد ذاته كل صباح، حيث تتحول نقاط الاختناق إلى حالة من الفوضى الناتجة عن محاولات تغيير المسارات في اللحظات الأخيرة، وهو ما يربك الحركة المرورية في جميع الاتجاهات.
وإذا افترضنا أن الذروة هي السبب الوحيد، فإننا نتجاهل جانبًا مهمًا من المشكلة. فإدارة المرور، إلى جانب الجهات المعنية، تمتلك أدوات قادرة على تحسين المشهد من خلال تنظيم الحركة ورفع مستوى الوعي بثقافة القيادة، بما يعزز احترام النظام ويحفظ حقوق جميع مستخدمي الطريق.
ومن أبرز الحلول العملية، وضع لوحات إرشادية واضحة تحدد اتجاه كل مسار قبل نقاط الاختناق بمسافات كافية، بحيث يُخصص المسار الأيمن للراغبين في الالتفاف، بينما يُخصص المسار الأيسر للمتجهين شمالًا نحو المدينة المنورة.
كما يمكن الاستفادة من التخطيط الأرضي عبر استخدام الخط الأصفر المتصل لمنع الانتقال من المسار الأيسر إلى الأيمن بعد نقطة معينة، مع الإبقاء على الخط المتقطع في الاتجاه المقابل بما يسمح بالانتقال النظامي عند الحاجة.
مثل هذا التنظيم يمنح قائدي المركبات رؤية واضحة لمساراتهم قبل الوصول إلى نقطة الازدحام، ويحد من محاولات الانتقال المفاجئ بين المسارات، وهي السلوكيات التي تمثل أحد أبرز أسباب التكدس، فكثير من السائقين يفضلون البقاء في المسار الأسرع حتى آخر لحظة، ثم يحاولون الاندماج في مسار الالتفاف، اعتقادًا منهم أن الالتزام المبكر سيؤخر وصولهم أو يفقدهم دورهم في حركة السير، لتبدأ بعدها حالة من المنافسة الفردية التي تعطل انسيابية الطريق بالكامل.
والحل لا يكمن في الاعتماد على مهارات القيادة الفردية، بل في إيجاد بيئة مرورية تمنح الجميع الشعور بالعدالة والاطمئنان إلى أن النظام يحفظ حق كل قائد مركبة في دوره، وهو ما يقلل الحاجة إلى التصرفات العشوائية أو المخالفات التي تزيد من حدة الازدحام.
وليس هذا الطرح جديدًا على إدارة مرور جدة، فقد نجحت سابقًا في تطبيق حلول تنظيمية فعالة على طريق الملك عبدالعزيز، وأسهمت في تحقيق انسيابية ملحوظة لحركة السير.
كما أن النجاحات الكبيرة التي حققتها وزارة الداخلية في إدارة الحركة المرورية خلال موسم الحج، الذي يُعد أكبر تجمع بشري في العالم، تؤكد أن التخطيط المحكم والتنظيم الدقيق قادران على التعامل مع أصعب التحديات المرورية بكفاءة عالية.
ولا شك أن بعض المخالفات ستظل موجودة، إلا أن استمرار التنظيم، وتكثيف الرقابة، وتعزيز الوعي، كفيل بتقليصها تدريجيًا حتى يصبح الالتزام بالنظام ثقافة راسخة وسلوكًا يوميًا يعكس الرقي الحضاري للمجتمع.
إن معالجة نقاط الاختناق لا تتطلب حلولًا معقدة بقدر ما تحتاج إلى تخطيط ذكي، ولوحات إرشادية واضحة، وتخطيط أرضي مدروس، ورقابة فعالة، إلى جانب تعاون الجهات المعنية، وفي مقدمتها إدارة المرور، ووزارة التعليم، والبلديات، لترسيخ ثقافة مرورية قائمة على النظام والاحترام، بما ينعكس إيجابًا على انسيابية الحركة وجودة الحياة في المدن.



