النفاق المؤسسي في الرياضة الدولية… معايير مزدوجة بين روسيا و”إسرائيل” وإيران

دعوة مكشوفة للاتحادات الدولية،إما تطبيق القوانين على الجميع، أو الاعتراف العلني بأنها مجرد أداة سياسية بيد الولايات المتحدة وحلفائها

كتب أحمد سمير

الرياضة لم تعد ميدان حياد، بل صارت مرآةً فاضحة للنفاق الغربي. عندما غزت روسيا أوكرانيا في 2022، تحركت ماكينات العقاب في ساعات، أما حين تحولت غزة ولبنان إلى مقابر جماعية تُبث على الهواء، فجأةً اكتشف FIFA و UEFA و IOC أن “الرياضة لا علاقة لها بالسياسة”، هذه ليست ازدواجية معايير، هذه خطة ممنهجة لحماية إسرائيل وتصفية خصومها، وإيران اليوم هي الهدف التالي في كأس العالم 2026.
ووسط هذه التوترات، تستمر إسرائيل في المشاركة رغم الاتهامات الثقيلة بالمجازر في غزة ولبنان، ومطالب شعوب واسعة بمقاطعتها، الأمر الذي يعتبر انعكاس لتوازنات القوة الجيوسياسية، حيث تُصبح الرياضة أداة سياسية انتقائية، تُعاقب الضعفاء أو الأعداء الاستراتيجيين وتُحمي الحلفاء.
هذه ليست سياسة، هذا نفاق مؤسساتي بامتياز.
الأمر لا يتعلق بموقف من دولة أو أخرى، بل بانهيار أساسي في مبدأ العدالة الذي تزعم المنظومة الرياضية الدولية التمسك به، فعندما تكون روسيا هي المعتدية، تُعاقب فوراً، وعندما تكون إسرائيل هي المعتدية، تُمنح حصانة دبلوماسية داخل الملاعب، وعندما تكون إيران هي الطرف المهدد، تثار تساؤلات حول استبعادها من البطولات، السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل الرياضة الدولية مجرد أداة للسياسة الغربية، أم أن هناك ميزاناً واحداً للعدالة يُطبق على الجميع؟
هل يستطيع أي اتحاد دولي منع مشاركة أي دولة؟
يملك الاتحادات الرياضية الدولية صلاحية استبعاد أي دولة عضو، لكن هذه الصلاحية تخضع لمعايير محددة في لوائحها الداخلية، وليست مطلقة،فيفا واليويفا قاما بتعليق مشاركة روسيا وأنديتها في جميع المنافسات الدولية فور اندلاع الحرب على أوكرانيا، خبراء الأمم المتحدة دعوا صراحةً FIFA و UEFA إلى تعليق إسرائيل بسبب ما وصفوه بالإبادة في فلسطين المحتلة، مؤكدين وجود التزام قانوني بمنع الإبادة، Amnesty International طالبت بتعليق الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم حتى يستبعد الأندية الستة التي تلعب في مستوطنات الضفة الغربية المحتلة، وهو انتهاك مباشر لنظام الفيفا والقانون الدولي،التطبيق حصل فعلاً في رياضات أخرى: الاتحاد الدولي لهوكي الجليد IIHF حظر إسرائيل منافساته “بسبب مخاوف أمنية”، بنفس المعاملة التي طُبقت على روسيا وبيلاروسيا، الأولمبياد الدولي لعلم الفلك والفيزياء الفلكية علّق مشاركة إسرائيل المستقبلية، وسمح فقط بمشاركة فردية، بعد اتهامات بانتهاك القانون الدولي ومنع الطلبة الفلسطينيين، إندونيسيا منعت فريق الجمباز الإسرائيلي من دخول بطولة العالم في جاكرتا، وقالت الحكومة إن القرار يتماشى مع موقفها الرافض لإسرائيل حتى قيام دولة فلسطينية،هذا القرار لم يصدر،عن جهة سياسية، بل عن الهيئة الرياضية نفسها، مما يثبت أن الاتحادات تملك الآلية والقدرة على اتخاذ مثل هذه القرارات متى شاءت.
كما أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز دعمه لمنع إسرائيل من المشاركة في الأحداث الرياضية الدولية، تمامًا كما حدث مع روسيا،وأعربت اتحادات كروية في النرويج وإيطاليا عن تحفظاتها، وتبرع الاتحاد النرويجي بعائدات مباراته ضد إسرائيل لصالح غزة .
العقبات: رغم هذه الضغوط، لم يصدر قرار نهائي بعد، تواجه هذه الخطوة معارضة سياسية كبيرة، وتسعى إسرائيل جاهدة لعرقلتها، كما أن الفيفا، بحكم طبيعته، يحاول تجنب الخوض في السياسة، رغم أن قرار استبعاد روسيا جعله سابقة يصعب تجاهلها.
لكن التطبيق العملي يكشف أن هذه الصلاحية تُستخدم انتقائياً، وفقاً للتوازنات السياسية الدولية وليس وفقاً لمبادئ ثابتة،إذن المشكلة ليست في غياب الآلية، بل في غياب الإرادة لتطبيقها على الجميع دون تمييز.
لماذا عوقبت روسيا بينما لم تُعاقب إسرائيل؟
تُعد روسيا المثال الأبرز على العقوبات الرياضية الجماعية.
فبعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022: جُمدت عضوية المنتخبات والأندية الروسية.
مُنعت روسيا من المشاركة في معظم البطولات الدولية.
استُبعدت من تصفيات وبطولات كبرى.
وجاء ذلك نتيجة ضغوط واسعة من الحكومات الأوروبية، والاتحادات الرياضية، واللجنة الأولمبية الدولية.
أما في حالة إسرائيل، فرغم المطالبات الشعبية والحقوقية بتعليق مشاركتها بسبب الحرب في غزة ولبنان، فإن الاتحادات الدولية لم تتخذ حتى الآن قرارًا مماثلًا.
ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، منها:
اختلاف الأساس القانوني الذي تستند إليه الاتحادات.
وجود انقسام داخل المجتمع الدولي بشأن كيفية توصيف النزاع.
الضغوط السياسية والدبلوماسية المتباينة.
خشية الاتحادات من الطعون القانونية أو الانقسامات داخل عضويتها.
وهذا ما دفع كثيرين إلى الحديث عن “ازدواجية المعايير”، بينما ترى جهات أخرى أن كل حالة لها ظروفها القانونية والسياسية الخاصة.
لماذا يُسمح لإسرائيل باللعب في أوروبا رغم أنها دولة آسيوية؟
لأن الاتحادات الأوروبية وفرت لها ملاذاً آمناً بعد مقاطعتها عربياً في السبعينيات، اليوم هذا الملاذ يتحول إلى حصانة سياسية، فلا الفيفا الأوروبي يجرؤ على تطبيق لوائحه عليها.
أليس حظر روسيا مبرراً لأنها بدأت حرباً عدوانية؟
لكن المعيار نفسه ينطبق على إسرائيل، إذا كان الغزو سبباً للحظر، فالقصف المستمر لغزة ولبنان والاحتلال الاستيطاني سبب أقوى. الانتقائية هي الجريمة.
هل يمكن قانوناً استبعاد إسرائيل؟
قانونياً يمكن ذلك، ففي لوائح الفيفا واللجنة الأولمبية، هناك بنود تسمح بتعليق عضوية أي دولة تنتهك مبادئ الرياضة أو تخرق القوانين الدولية. لكن التطبيق يتطلب إرادة سياسية، وهذه الإرادة غائبة تماماً بسبب الضغوط الأميركية والأوروبية الداعمة لإسرائيل.
هل تم تدبير خطة لإخراج إيران من كأس العالم 2026 الجارية؟
لا توجد خطة رسمية من FIFA لإخراج إيران بشكل مباشر. إيران تأهلت، لكن مشاركتها تواجه عقبات:توترات مع الولايات المتحدة (مضيف جزئي) بسبب حروب وتصريحات ترامب حول السلامة.
مشاكل تأشيرات للطاقم، نقل معسكر إلى المكسيك، وسحب تذاكر جماهير.
تصريحات إيرانية باحتمال عدم المشاركة أو مقاطعة مباريات في أمريكا.
FIFA أكدت مشاركتها، ولا يوجد حظر اتحادي، بل ضغوط سياسية خارجية وذاتية. هذا يختلف عن حظر روسيا المباشر.
لماذا لم تنسحب إيران، وتتجنب الإهانة؟
لأن الانسحاب هدية مجانية لأمريكا وإسرائيل، البقاء واللعب في لوس أنجلوس وسياتل أمام مصر وبلجيكا هو مقاومة رياضية، الانسحاب يعني عقوبة مالية ورياضية، واستبدالها بفريق خليجي موالٍ لواشنطن.
تهديد إيراني بالانسحاب: هددت إيران بالانسحاب من البطولة إذا تم توجيه إهانات سياسية أو شعارات معادية لها خلال المباريات، وأبلغت الفيفا بأن بعثة المنتخب ستغادر الملعب فور سماع أي شعارات سياسية،عقوبات الانسحاب: في حال انسحبت إيران، ستواجه عقوبات قاسية من الفيفا تشمل الحرمان من المشاركة في بطولتي كأس عالم على الأقل، بالإضافة إلى غرامات مالية كبيرة.
دعوات للاستبعاد: هناك دعوات من قبل محتجين ونشطاء لاستبعاد إيران لأسباب سياسية، تتعلق بقضايا حقوق الإنسان داخل إيران،لكن هذه الدعوات لم تترجم إلى إجراءات رسمية من قبل الفيفا.
لم تكن هناك،خطة لاستبعاد إيران. التهديد الوحيد هو انسحابها الطوعي، وهو ما سيكبدها خسائر فادحة، الفارق الجوهري هنا هو أن إسرائيل تواجه ضغوطًا لاستبعادها بسبب أفعالها العسكرية في الخارج، بينما تواجه إيران ضغوطًا بسبب أوضاعها الداخلية، لكن لا يوجد إجراء رسمي ضد أي منهما حتى الآن.
لماذا تشارك إسرائيل رغم المجازر والمطالبات الشعبية؟

هذا هو جوهر الازدواجية التي أشرت إليها. الأسباب متعددة ومعقدة:
الضغط السياسي والدبلوماسي: تمتلك إسرائيل شبكة علاقات دولية قوية، خاصة مع الولايات المتحدة والدول الغربية الكبرى، التي تمارس ضغوطًا غير معلنة لمنع أي إجراء عقابي ضدها في المحافل الرياضية.
غياب الإجماع الدولي: على عكس حالة روسيا التي حظيت بإدانة شبه عالمية من الغرب، فإن الموقف من إسرائيل أكثر انقسامًا، هناك دول تدعمها وأخرى تعارضها، مما يمنع تشكيل إجماع كافٍ داخل الفيفا لاتخاذ قرار حاسم.
بطء الإجراءات القانونية: التحقيقات التي يجريها الفيفا تحتاج إلى وقت طويل، وقد تستمر لسنوات، هذا التأخير يخدم إسرائيل التي تواصل مشاركتها بشكل طبيعي في هذه الأثناء.
الضغوط الشعبية غير الكافية: رغم المطالبات الشعبية العارمة في العالمين العربي والإسلامي، وحتى في بعض الدول الغربية، إلا أن هذه الضغوط لم تصل بعد إلى مستوى كافٍ لإجبار الحكومات والاتحادات الرياضية على اتخاذ خطوات عملية وحاسمة.
هل أصبحت الرياضة رهينة للسياسة؟
من الصعب القول إن الرياضة منفصلة تمامًا عن السياسة.،فالرياضة أصبحت:
أداة للقوة الناعمة.
وسيلة للضغط الدبلوماسي.
منصة لإظهار المواقف السياسية.
مجالًا تتداخل فيه الاعتبارات القانونية والاقتصادية والإعلامية.
ولذلك، فإن القرارات الرياضية الكبرى كثيرًا ما تُقرأ في سياق التوازنات الدولية، وليس في إطار اللوائح فقط.
هل تعكس قرارات الفيفا إرادة المجتمع الدولي أم مصالح القوى الكبرى؟
الهيكل: الفيفا منظمة غير حكومية لكن أعضاؤها (الاتحادات الوطنية) يمثلون دولاً ذات سيادة. القرارات تتطلب أغلبية 3/4 من الأعضاء (211 اتحاداً).
التوازنات: الدول الغربية (أوروبا، أمريكا) تملك نفوذاً مالياً وإعلامياً. الدول العربية/الإسلامية (57 اتحاداً) قد تدفع لمقاطعة إسرائيل، لكنها تواجه معارضة غربية.
السابقة: جنوب أفريقيا أُبعدت خلال الفصل العنصري (1970-1992) بعد ضغط أفريقي واسع. اليوم، القوى متفرقة.
ما مدى فعالية الضغط الشعبي في تغيير سياسات الاتحادات الرياضية؟
الحملات: حركة BDS (مقاطعة، سحب استثمارات، عقوبات) ضد إسرائيل ناشطة منذ 2005. حققت نجاحات في الأوساط الأكاديمية والثقافية، لكن الرياضة صعبة بسبب التعقيد القانوني.
النجاحات المحدودة: بعض الرياضيين رفضوا اللعب ضد إسرائيل، لكن الاتحادات تفرض عقوبات عليهم (غرامات، منع).
المستقبل: الضغط المتزايد من منظمات حقوق الإنسان قد يخلق “مسؤولية أخلاقية” للفيفا، لكن القرار السياسي يبقى حاسماً.
هل يمكن فصل الرياضة عن السياسة في عصر الصراعات الإقليمية؟
النظرية: ميثاق الفيفا يؤكد “الحياد السياسي”، لكن التاريخ يظهر العكس (مقاطعة أولمبياد 1980، 1984؛ جنوب أفريقيا).
الواقع: الرياضة أداة دبلوماسية “ناعمة”،الدول تستخدمها للتطبيع (مصر-إسرائيل 1979) أو للعقاب (روسيا 2022).
الاستثناء: الألعاب الأولمبية تسمح للرياضيين بالمشاركة كـ”أفراد” تحت العلم الأولمبي إذا منعت دولهم (كوسوفو، تايوان).
ما السيناريوهات المستقبلية؟
قد تتجه الأمور إلى أحد السيناريوهات التالية:
استمرار مشاركة إسرائيل دون تغيير، مع تزايد الضغوط السياسية والشعبية.
فرض قيود أو عقوبات رياضية إذا حدث تغير كبير في مواقف الاتحادات أو المجتمع الدولي.
استمرار التعامل مع كل حالة على حدة، دون اعتماد معيار موحد ينطبق على جميع الدول.
وفى الختام الرياضة الدولية لم تعد ملعباً نظيفاً، بل ساحة حرب بالوكالة،روسيا عوقبت لأنها تحدت النظام الغربي، ثم عادت عندما خفّت الحماسة،إسرائيل تمشي على حبل مشدود، محمية بـ”حصانة استثنائية” رغم أدلة انتهاكات حقوق الإنسان،إيران تُهدّد لكن لا تُستبعد، لأن العقوبات الرياضية سلاح ذو حدين،المعايير المزدوجة ليست خطأً إدارياً، بل سياسة مقصودة، الفيفا والاتحادات الكبرى تختار أعداءها بحسابات جيوسياسية باردة، الضحايا الحقيقيون هم الرياضيون والشعوب التي تُحرم من مبدأ “المنافسة العادلة”.
السؤال ليس “هل يمكن منع إسرائيل؟” بل “متى ستنهض الإرادة الدولية لإنهاء هذه الحصانة؟” حتى ذلك الحين، ستظل الرياضة مرآة قاتمة لعالم غير عادل.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى