الشيخ الجمري… لا يزال حاضراً – 4

بقلم: محمد حسن العرادي- البحرين

في نوفمبر 1995 تحولت قرية بني جمرة إلى قِبلة الحراك الشعبي والسياسي في البحرين، وباتت جميع المكونات والتكتلات والجماعات تحرص على زيارة دارة الشيخ الجمري رحمه الله، حيث يعتصم سماحته مع عدد من الشخصيات السياسية التي أطلقت على نفسها اسم “لجنة المبادرة”، ورغم أن قيادة الحراك الجماهيري كانت حتى تلك اللحظة تنسب إلى “لجنة العريضة الشعبية” التي تشكلت في أعقاب الغزو العراقي لدولة الكويت الحبيبة عبر تحالف من مختلف المكونات السياسية والمجتمعية (التيار الإسلامي بشقيه السني والشيعي، التيارات القومية واليسارية وبعض المستقلين)، إلا أن إعتقال سماحة الشيخ الجمري ورفاقه من المكون الشيعي فقط، والزج بهم في السجن قد غير مسار الأحداث ومآلاتها.

في غرف سجن القلعة المخيف وأروقته المحصنة، أجريت مفاوضات أمنية حاسمة بين الجهات المعنية وسماحة الشيخ عبدالأمير الجمري، الذي طالب بالتشاور مع بعض الشخصيات البحرانية المسجونة معه، وبعد أن أتيح لهم قدراً معقولاً من الحوارات المرصودة وتبادل الرأي، اتفق المجتمعون على قبول العرض الرسمي، الذي بموجبه يتم الإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين بما فيهم المجموعة المفاوضة، في مقابل رفع خطاب إعتذار وتعهد بالعمل على تهدئة غضب وهيجان الشارع، ريثما يتم البحث عن مخارج لتسوية الأزمة السياسية، من هناك تشكلت “لجنة المبادرة” بزعامة سماحة الشيخ الجمري وعضوية بعض الشخصيات التي اختارها الشيخ الجمري لمشاركته الحوار.

تمت كتابة خطاب الاعتذار الموجه للقيادة السياسية في البلاد، وتمسّك الشيخ الجمري ومجموعته بوضع أداة شرط في الرسالة (إننا نعتذر إذا ما كنا قد أخطأنا) وكانت تلك الصيغة الملتبسة كافية ومقبولة من قبل المفاوض الأمني الذي أفرج بموجب الإتفاق عن شخصيتين سياسيتين (الأستاذ حسن مشيمع – تم اعتقاله عام 2010 وافرج عنه بعد أحداث فبراير 2011، ثم أعيد اعتقاله والحكم عليه بالسجن ولا يزال مسجونا منذ ذلك الوقت رغم تدهور حالته الصحية، إلى جانب الشيخ خليل سلطان الذي سافر مع الاستاذ مشيمع للتشاور مع الشخصيات السياسية لكنه لم يعد إلى البحرين منذ ذلك الوقت)، للقيام بالتواصل والتشاور مع بعض القيادات في الداخل والخارج من أجل تهيئة الساحة للانفراجة الكبرى والقبول بالتسوية، ومنذ تلك اللحظة أخذت الأحداث مساراً مختلفاً، انتقل فيه الثقل السياسي من “لجنة العريضة الشعبية” التي تعقد اجتماعاتها ولقاءاتها في مدينة المحرق إلى “لجنة المبادرة” التي اتخذت من قرية بني جمرة مقراً لها، خاصة بعد أن أفرج عن سماحة الشيخ الجمري وزملاءه بموجب تفاهمات السجن.

بدأت الأمور تأخذ مُنحياً جديداً من خلال تصدي سماحة الشيخ الجمري لصلاة الجمعة في جامع الدراز الكبير، ومع خطاباته وخطبه الأسبوعية التفصيلية والحماسية وخاصة في الشق السياسي، تبلورت الحالة الشعبية بصورة أكبر، وتجذرت قيادته ورمزيته زعيماً أوحداً للحراك الشعبي، وهكذا إنسحب البساط من تحت أقدام “لجنة العريضة الشعبية” التي كان أعضائها لا يزالون يتوهمون بأنهم يقودون الحراك ويوجهونه حسب خططهم وتكتيكاتهم المنطلقة من خبراتهم وتجاربهم السابقة، بينما الواقع يقول بأن اجتماعات تلك اللجنة قد أصبحت مجرد لقاءات تشاورية لمتابعة ما يجري في جامع الصادق بالدراز وجامع زين العابدين في بني جمرة، دون أن يكون لديهم القدرة على اتخاذ اي قرار مهم.

وفي غمرة إزدياد أعداد المصلين خلف سماحة الشيخ عبدالأمير الجمري الزاحفين إلى الدراز من كل حدب وصوب، حدث تراجع مُخل في تنفيذ الوعود التي حصل عليها سماحة الشيخ الجمري وأصحاب المبادرة، ما أدى إلى إتخاذهم قراراً (غير مدروس ومستعجل جداً في نظريودون تحضير جيد) بالإعتصام داخل مجلس سماحة الشيخ الجمري في بني جمرة، إحتجاجاً على ما اعتبروه إخفاقاً وإخلالاً بالتفاهمات والوعود التي حصلوا عليها قبل خروجهم من السجن.

لقد إستمر الإعتصام أعضاء لجنة المبادرة 10 أيام فقط لكنه أحدث هزة سياسية كبيرة تركت أثاراً لا يزال صداها يتردد في أذهان الناس والسلطة أيضا، ومع الاعتصام تحولت بني جمرة إلى عاصمة الحراك الشعبي البحريني، وفود مجتمعية من كافة القرى والمدن، تتوافد لتقديم الدعم والمساندة، مع وفود مهنية وأكاديمية وسياسية تعلن تأييدها للمطالب التي أطلقتها “لجنة المبادرة” وفي اعتقادي أن المعتصمين أنفسهم قد فوجئوا بحجم الالتفاف الجماهيري الذي غَصت به ساحات حي الإمام زين العابدين في بني جمرة فضلاً عن المراقبين السياسيين والرسميين أيضاً، وفي تصوري أن لجنة المبادرة لم تكن قد بلورت برنامجاً سياسياً لإدارة تلك الحشود التي قدرت بعشرات الآلاف من المواطنين المتجمهرين من مختلف الفئات والمستويات الاجتماعية.

في تلك الأجواء المحتقنة، ظهرت الحاجة إلى وضع المتجمهرين في صورة الحدث اليومي، وإعلامهم بأخر تطورات المفاوضات والحوارات مع الطرف الرسمي، إن بشكل مباشر أو عن طريق الوسطاء الذين بدأوا يتوافدون على مجلس سماحة الشيخ الجمري مقر الاعتصام (بينهم شخصيات سياسية وأكاديمية ومهنية وتجار ورسميين أيضاً) ، وقد اتبع الاعتصام بالاعلان عن الإضراب المفتوح عن الطعام (مؤشر آخر لحالة الإرتباك وعدم وجود برنامج سياسي متفق عليه)، وعلى منبر الإحتجاجات الذي نصب في ساحة الاعتصام المفتوحة برزت قيادات سياسية لم تكن حتى ذلك الوقت تتمتع بالكثير من الجماهيرية، لكن القدر وضعها إلى جانب سماحة الشيخ الجمري فأصبحت ذات شأن كبير، وفرضت نفسها على الساحة لتلبية حاجة المتجمهرين لمن يخاطبهم.

وهنا يُحسب لسماحة الشيخ الجمري رحمه الله، عدم إستئثاره بالحضور الاعلامي، أو احتكاره لمخاطبة الجمهور، بل أنه وافق على تعيين إحدى الشخصيات من المعتصمين معه كناطق رسمي باسم لجنة المبادرة ومتحدث إعلامي، لمقابلة الوفود السياسية والصحفيين والإعلاميين الذين يطلبون التواصل مع اللجنة، ورغم أن أغلب الزائرين والوفود الرسمية والشعبية كانت تطلب اللقاء مع سماحة الشيخ الجمري بشكل مباشر نظرا لايمانها بأنه زعيم الحراك، إلا أنه كان يوزع الأدوار، ويقدم غيره من القيادات ويؤثرهم على نفسه.

في ظل هذه الأجواء تم تسريب “رسالة الاعتذار ” الموقعة من قبل الشيخ وزملاءه داخل السجن، رغم أن الإتفاق كان ينص على إبقاءها في طي الكتمان، وكان الهدف الواضح لتلك الخطوة إحراج سماحة الشيخ الجمري وأصحابه في “لجنة المبادرة” وقد أحدث تسريب رسالة الإعتذار إرباكاً كبيراً في الساحة السياسية، علاوة على الشكوك التي بدأت تساور الشخصيات المشاركة في “لجنة العريضة الشعبية” خاصة وأنهم لم يكونوا على إطلاع بموضوع تقديم رسالة الاعتذار ، فماذا حدث بعد ذلك، المزيد من التفاصيل في الحلقات التالية من هذه السلسلة وللحديث صلة.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى