
قد حان وقت المراجعة – 7
بقلم: محمد حسن العرادي – البحرين
يعلم الجميع بأن السكوت على معالجة ملف التجنيس لا يجعله يختفي من على طاولة النقاشات والحوارات الجانبية والجماعية أو حتى على طاولات المقاهي، وهو بدون شك أصبح ملفاً شائماً وضاغطاً على مختلف القضايا الأقتصادية، الاجتماعية والمعيشية في بلادنا الغالية، كثير من المجالس والتجمعات تتناول هذا الملف بالهمس واللمز والتلميح والتصريح وأخرى بالنقد اللاذع، وتلقي باللائمة عليه وتنسب له المسئولية عن كثير من الأزمات المجتمعية وخاصة أزمة البطالة والسكن والخدمات.
بالنسبة إلي أعتقد بأن حل هذا الملف حلاً جذرياً يتطلب شجاعة وتعاوناً من الجميع، فلقد عمدت الحكومة إلى التجنيس في ظل أوضاع اجتماعية غير مستقرة ومقلقة، وربما اختار بعض المسئولين الذهاب ” خيار التجنيس” معتقدين بأنه الحل الأمثل لشعور البعض بسطوة الأغلبية وشعور البعض الآخر بهاجس ومخاوف الأقلية، لكن الأيام أثبتت بأن كلا الشعورين كان زائفاً ومصطنعاً، ذلك أن الأوطان لا تبنى بمنطق التغالب وتكسير الإرادات، بل عبر تثبيت وترسيخ منطق المواطنة المتساوية أولاً وأخيراً .
إن لعبة الشد والجذب بين الأقلية والأغلبية، لعبة قاتلة مهما كانت مبرراتها وأسبابها ونتائجها، ولا يمكن لهذه اللعبة أن تنتهي بفوز أحد الطرفين على الطرف الآخر في الأمد البعيد، ثم أن اللجوء إلى التجنيس لكسر المعادلة الديموغرافية في كثير من البلدان، خلق معادلات جديدة، قد لا تكون أخف وطئاً من المعادلات القائمة، حتى وأن ساهمت بشكل مؤقت في تبديد المخاوف المتغلغلة وسط الأقلية، وإسكات المطامح لدى الأغلبية الجامحة فترة ما، لذا فإن العودة إلى معيار المواطنة المتساوية هو الضامن للإستقرار الإجتماعي والسياسي أولاً وأخيراً.
وبما أن استقرار نظام الحكم في البحرين وتثبيته حكماً وراثياً في أسرة آل خليفة الكرام، قد أصبح إحدى الثوابت الدستورية والشعبية غير قابلة للتشكيك والطعن، أما عن المشاركة في تولي المسئوليات السياسية والإدارية والمهنية في مختلف الوزارات والمؤسسات الرسمية وشبه الرسمية، فقد اصبحت مسئولية وشرف وحق يتمناه جميع المواطنين بعيداً عن الإنتماء العرقي والمذهبي، كما أن الولاء للوطن يجب أن لايكون محل نقاش أو تساؤل من قبل أي من المواطنين أبداً.
واذا كانت الدولة بحاجة إلى زيادة عدد السكان لأسباب جيوسياسية، فإن العلاج لا يكون باطلاق العنان للتجنيس بدون ضوابط مهما كانت مبررات ذلك، بل تكون عبر تشجيع المواطنين من مختلف المكونات على زيادة الإنجاب، عبر تقديم التسهيلات والمساعدات التحفيزية والدعم السخي للمقبلين على الزواج وتوفير حياة معيشية مريحة لهم ولأسرهم، بالإضافة إلى تشجيع الزواج المبكر في عمر مناسب، ومحاربة العزوف عن الزواج وتأخر سن المتقدمين له من الجنسين، يتبعه العمل على تهيئة البيئة المجتمعية الحاضنة لحياة الأبناء وتهيئة الرعاية والعناية الاجتماعية اللائقة والمشجعة لهم على الاستقرار والإنجاب.
ولعل أول الركائز لحياة كريمة مستدامة، العمل على توفير جودة التعليم والتدريب الذي يؤهل الأجيال الجديدة ليكونوا في مستوى التحديات التي يفرضها ويحتاجها سوق العمل، ومن ثم ضمان الوظائف المنتجة والمجزية للأجيال الجديدة، وليست الوظائف التي لا تحمي من فقر ولا تغني من جوع والتي تجعل الأجيال الجديدة عبئاً و هما على الأسرة والمجتمع في ظل زيادة اعداد المتقاعدين والعاطلين عن العمل من المتعلمين وحملة الشهادات العليا .
فإذا انتهت مشكلة البطالة أو تراجعت إلى حدود مقبولة ومحتملة، ثم ارتفعت مستويات المعيشة الاجتماعية، واختفت مشاكل الفقر والفاقة، وعولجت قضايا العزوف عن الزواج وتأخر مشاريع الإسكان، وتراجع الخوف من أعباء الإنجاب لدى المتزوجين حديثاً، وانتهى قلقهم على مستقبل أبنائهم والقدرة على تعليمهم وتكاليف توفير الطبابة لهم، فإنهم سيقدمون على الحياة بمحبة واطمئنان وسيرتفع النمو السكاني بين المواطنين، ولن تحتاج البلاد للبحث عن حلول بديلة عبر التجنيس من مختلف البلدان، وبدون شك فإن نسبة السكان بين المواطنين سترتفع إلى مستويات تغني عن التجنيس إلى الأبد.
من جهة أخرى فإن التجنيس يجلب معه العديد من المشاكل الاجتماعية، وربما الأمراض المستجدة من المجتمعات الغريبة والمختلفة العادات والتقاليد، والتي قد تكون بحاجة إلى تكاليف وأعباء لا يستطيع الوطن تحملها، بقي أن نقول بأن كل من حصل على شرف الجنسية البحرينية بصورة صحيحة وقانونية خلال العقود الماضية يجب أن يشعر بالأمان والاستقرار وعدم التهديد، شريطة ان لا تكون له مميزات استثنائية تمنحه أفضلية على المواطنين.
وفي الوقت ذاته يجب أن تتوقف عملية التجنيس نهائياً إلا في الحدود الدنيا التي لا تغير أو تؤثر على التركيبة السكانية ولا تشعل الخلاف المجتمعي ولا تتسبب بالأزمات بين المكونات الأصلية، مع ضرورة أن يمر كل من يتجنس بفترة انتظار الزامية قبل أن يحصل على كامل حقوق المواطنة، وذلك يحتاج إلى قيام لجنة وطنية تناقش ملف التجنيس وتقترح له الضوابط والإشتراطات المناسبة والمطمئنة تمهيدا لتشريعها حسب الأطر الدستورية، وللحديث صلة.



