
غزة انتصرت شاء من شاء وأبى من أبى
كتب عيسى سيار *
هذا ليس بروباغندا او سردية ديماغوجية او هتافا في مظاهرة، وإنما واقعاً ملموساً عشناه طولا وعرضا منذ أن قامت المقاومة بعمليتها البطولية السابع من أكتوبر، والتي حتما سيخلدها التاريخ وسوف تدرس فى الاكاديميات العسكرية والمراكز الاستراتيجية، فهي ليست عملية تكتيكية فحسب بل هو عمل استراتيجي بامتياز ذا بعد نظر ثاقب، وإليكم الأدلة ومن يرى عكس ذلك فمرحباً به وليدلو بدلوه.
وسوف أبدأ من المؤتمر الصحفي الأخير للمجرم المطارد دولياً ومحليا النتن ياهو، ولن اتطرق هنا إلى كلامه خلال المؤتمر، لأن الواقع على الأرض يقول إنه كذاب أشر، ولكن ما أريد أن اسلط الضوء عليه هنا حالته النفسية، فى تقديري وحسب خبراتي، فقد ظهر النتن مهزوزا وعصبيا ومنهارا ومحاولا السيطرة على أعصابه، ولم يشفع له الانتصار المزيف الذي يقول حققه على إيران، والذي تآكلت نتائجه بعد أن اكتشف الصهاينة ان إيران استطاعت الصمود ودكت جبهتهم الداخلية دكا غير مسبوق نفسياً ومادياً، وجعلت مناطق عديدة من تل أبيب وغيرها مناطق منكوبة.
ومن جهة أخرى الخسائر الجسيمة اليومية التي يتكبدها الصهاينة في غزة بسبب حملة حجارة داوود التي تنفذها المقاومة الفلسطينية الباسلة. لقد أخذت تعابير وجه النتن في الرعشة، عندما سأله أحد الصحافيين بأن حماس ما زالت تقاوم، وأيضاً لم يتم تحرير الأسرى الصهاينة؟ بالله عليكم هل هذه تعابير وجه تنم عن انتصار؟ أعتقد أنها تعابير تقول أمرا واحداً لا غير، وهو إنه فقد البوصلة حيث أجلسته المقاومة الباسلة وعصابته التوراتية على خازوق، ولا يعرف ماذا يفعل؟ وكما يقول المثل الشعبي: “شوف ويه العنز واحلب لبن” ويستشف من إجاباته أمرا واحداً: إن النتن ياهو قد اقتربت نهايته ولم يعد قادراً على إطالة أمد الحرب الأطول في تاريخ الكيان، وبخسائر غير مسبوقة منذ قيامه عام 1948، لأنه يعلم في قرارة نفسه بأنه لا يستطيع ذلك، وخاصة في ظل الصمود البطولي للمقاومة وتزايد الضغوط من الرئيس ترامب من جهة والجبهة الداخلية، من جهة أخرى في ظل خسائر يوميه يتعرض لها جيش الكيان في غزة فى الأرواح والعتاد، حيث من المؤكد بأن جيشه غاص في رمال غزة حتى الحناجر، لذا سوف يوقع قريباً على ما يسمونه بهدنه طويلة الأجل (60) يوماً، ولكنها في الحقيقة استسلام لا لبس فيه وإيذانا بايقاف الحرب، ولكن النتن ياهو كعادته سيغلفه بانتصار مزيف يسوقه على جبهته الداخلية والتي باتت لا تثق فيه، حيث عجز عن تحقيق أي من أهداف الحرب الثلاثة، وهي: القضاء على حماس، وتحرير الأسرى، وطرد حماس من غزة لمنع أي تهديد مستقبلي.
وكنت ذكرت في عدة مقالات سابقة بأن النتن ياهو سيهرب من غزة آجلا أم عاجلاً، يجر أذيال الهزيمة كما حصل للمجرم شارون في عام 2005، حيث استمات خلال العشرين شهراً الماضية فى الهروب إلى الأمام (كاديما بالعبري) لكي لا يتحمل فشل السابع من أكتوبر، وثانيا لتجنب عدة قضايا فساد قد تدخله السجن سنين طويلة إن تمت إدانته، وقد تحرمه “الوصمة” كما تسمى في الكيان من ممارسة النشاط السياسي إلى الأبد، كما حصل لرئيس الوزراء الأسبق ايهود اولمرت.
إن طوفان الأقصى البطولية هزمت الكيان الصهيوني في 7 أكتوبر كما ذهب الكثير من المحللين ذوي الآراء الوازنة، ومن بينهم خبراء صهاينة من مختلف التخصصات. ورغم الصلف الصهيوني التوراتي، اعتقد بأن عصابة النتن ياهو وصلت الى قناعة مفادها بأن التوقيع على اتفاق الهزيمة هو المخرج الوحيد للحفاظ على وجودية كيانهم اللقيط، والذي يعيش حالة من الانهيار العام، فالوقت ليس في صالحهم وجبهتهم الداخلية ممزقة وجيشهم يترنح واقتصادهم يتهاوى والمجتمع الدولي بدأ ينفض من حولهم، ومواقف عدد من الدول الأوربية مثل إسبانيا وايرلندا والنرويج لا لبس فيها، وتلويح بريطانيا وفرنسا وكندا بالاعتراف قريباً بدولة فلسطين ضربة تحت حزام الكيان، والتحضير لمؤتمر حل الدولتين العالمي الذي دعت له السعودية وفرنسا ما هو إلا غيض من فيض.
إن غزة والمقاومة الفلسطينية بقيادة حماس لا تفاوض الصهاينة فحسب، أنها تفاوض العالم الغربي المتصهين برمته وتفاوض بالنيابة عن العرب وكرامتهم وماء وجههم، إنها حقا حركة مقاومة ولكنها بقامة أمة عربية من المحيط إلى الخليج. أستطيع القول إن المقاومة هي من غيرت وستغير معالم ووجه الشرق الأوسط، وليس النتن ياهو وعصابته كما يدعي، فهو إلى زوال وأهل فلسطين باقون متجذرين في أرضهم كزيتونهم.
إن أعلن الرئيس ترامب خلال زيارة النتن ياهو لاميركا عن اتفاق الهدنة او إيقاف موقت للحرب أي كانت التسمية، فهي انتصار لا لبس فيه للمقاومة وهزيمة نكراء للكيان الصهيوني الذي لم يحقق أي من أهداف حربه على غزة.
واقول للمشككين والمرجفين والمتصهينين إن استرجاع الأراضي من المحتل الغاصب وخاصة المؤدلج عقائديا كالكيان ليست نزهة، ولا تأتي بالمفاوضات! وإلا استطاع أبو مازن وزمرته المحاصر والقابع في مبنى المقاطعة في رام الله أن يحقق حل الدولتين، وذلك بعد مضي أكثر من ثلاثة عقود على توقيع اتفاقية أوسلو، بل بالعكس اكتشف الفلسطينين بأن أوسلو خدعة وطريق لسرقة أراضيهم بطريقة سرطانية، وهنا اسأل من في قلبه مرض على سبيل المثال: هل نال الجزائرين والفيتنامين حريتهم على طبق من ذهب او حتى طبق من حديد؟
وختاماً اقولها وبكل ثقة كما كان يرددها أبو عمار في محطات مقاومته للصهاينة “شاء من شاء وأبى من أبى” غزة انتصرت ليس على الكيان، وإنما على العالم الغربي بقيادة أميركا المارقة. وإن السابع من أكتوبر سوف يأتي بالدولة الفلسطينية وليس أبو مازن وزمرته. وهذا هو البعد الاستراتيجي للسابع من أكتوبر الذي أشرت إليه في صدر مقالي.
فمن يرفع الشراع؟
* باحث وأكاديمي بحريني
ملاحظة: حقوق المقال محفوظة للكاتب من يرغب في إعادة نشر المقال له الشكر ولكن من دون إضافة او تعديل.



