
لبنان يودع حبيب صادق ليزرعه فكراً في النبطية
رحل الأديب اللبناني والنائب الأسبق حبيب صادق، الذي اشتهر بلقب “الأمين العام للمجلس الثقافي للبنان الجنوبي”، أسس أكثر من صرح ثقافي أدبي، جمع فيهم نخبة مستقلة من اعلام الفكر والادب والشعر، و ناشطين شباب بهدف نشر الوعي السياسي والاجتماعي عبر الاندية الثقافية والإعلامية التي يشغلونها.
ورث حبيب صادق تراثاً عائلياً (ديني وأدبي) عن والده الفقيه والشاعر اللامع الشيخ عبد الحسين صادق، ما ساهم في تكوين شخصيته المعرفية والأدبية، على الرغم من تنصله هو في احد تصريحاته الصحافية من تلك التأثيرات، كون والده الشيخ الذي كان فقده طفلاً في 12 من عمره، لم يكن يهتم به ويسأل عن حاله، مع انه كان اصغر ابنائه، وذلك بسبب انشغاله بالشأن العام ومتابعة الامور الدينية لرعيته في مدينة النبطية وجوارها.
كانت نشأته في مدينة النبطية عاصمة الثقافة العاملية في ذلك الوقت، التي كان يتصدرها نشاط والده الديني والأدبي في ذلك الزمان، مع ثلة من المبدعين رموز النهضة العاملية حينها، منهم محمد جابر ال صفا والشيخ احمد رضا والشيخ سليمان ظاهر وغيرهم، فانه دون شك سمع وحفظ وهو طفل في المرحلة الابتدائية، مقاطع من خطب وأشعار والده الشيخ الاديب عبد الحسين صادق، التي كان يرددها أفراد عائلته والمحيطين به من الاقارب والاصحاب من اهالي المدينة، وبالتالي فان معانيها التي حفظها مع الاحرف الأبجدية الاولى في المدرسة، كانت الركيزة الاولى التي كونت سليقته الشعرية وذوقه الادبي، واصبح الإبن عندما كبر شاعرا واديبا ومعلما ثقافيا كبيرا كوالده الشيخ، مستبدلا فقط العقيدة الدينية الطاغية في خطب الوالد والبناء الكلاسيكي الصارم في شعره، بالحداثة والثقافة المدنية المعاصرة والعقيدة اليسارية التي تعرف عليها لاحقا، بسبب تقدّم المعارف وانتشار المكتبات ووسائل الاعلام في العصر الحديث.
نشاطه الثقافي
نزح حبيب صادق إلى العاصمة بيروت، كي يدرس ويحصل على اجازته الجامعية في العلوم المصرفية ويتعيّن في وزارة الصحة، غير انه ما لبث ان استقال بعد ان غرق في عالم الاندية الثقافية والكتابة والنشر والتأليف، ثم انضم الى المجلس الثقافي للبنان الجنوبي وترأسه عام 1975، محدثا نهضة ثقافية كبرى فيه، فقد نسج علاقات بكثيرٍ من الأدباء والمثقفين القادمين من الجنوب، مثل إميلي نصر الله ومحمد دكروب وعبد اللطيف شرارة وسلام الراسي وبولس سلامة وحسن الأمين وجورج جرداق وعبد الرؤوف فضل الله ويوسف حوراني، وكانت علاقته وطيدة مع الشيخ واللغوي عبد الله العلايلي، وكانت ابواب المجلس الثقافي مفتوحة دائما، للمثقفين الجنوبيين والمفكرين من رجال الدين المتنورين المستقلين مثل السيد محمد حسن الأمين والسيد هاني فحص رحمهما الله.
نشاطه السياسي
عاش حبيب صادق محطات نضالية واجتماعية كثيرة من الجنوب إلى بيروت. فهو تزوج من الاديبة الراحلة ديزي الأمير (1973–1975)، شارك في انتخابات المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ليفوز بخمسة مقاعد (العام 1975 ضمن لائحة “التضامن الوطني”). تعرض لمحاولة اغتيال في 9 أيلول 1977 عقب دخول جيش النظام السوري الى لبنان، دُمّر منزله وجُرف في الخيام بعد الاجتياح الإسرائيلي الأول العام 1978، عاش لسنوات في المنفى في بغداد، ثم باريس.
ترشح حبيب صادق للانتخابات النيابية العام 1968، ثم العام 1972 مدعوماً من احزاب اليسار مع انه لم يكن حزبيا، فلم يوفّق، ثم شارك في الانتخابات النيابية العام 1992 مرشحاً في لائحة “حركة أمل وحزب الله “في اول انتخابات برلمانية بعد انتهاء الحرب الأهلية، ونجح عن منطقة النبطية، ولكن سرعان ما دبّ الخلاف بينه وبين الثنائية الشيعية، لينسحب من التحالف معهما ويعلن نفسه نائبا مستقلا.
فاز في الانتخابات النيابية العام 1992 مرشحاً في لائحة “حركة أمل وحزب الله” ولكن سرعان ما دبّ الخلاف وانسحب من التحالف معهما
وفي عام 1996 عاد وترشح للانتخابات النيابية مدعوما ايضا من اليسار فنال اكثر من 65000 الف صوتا، ولكنه خسر بوجه تحالف امل حزب الله المدعوم من السلطة.
صدر للاديب الراحل حبيب صادق أكثر من 13 كتاباً في الأدب والسياسة والشعر، بالإضافة إلى اشتراكه في الكثير من الدراسات التي نظّمها واصدرها المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، وبوصفه حارسا لثقافة الجنوب وأمينا على تراثه، اهتمّ صادق بجمع التراث الشعري والأدبي العاملي، وأشرف على مجموعة من الإصدارات تحت عنوان (تراث عاملي).
الحركة الثقافية انطلياس
وأثر وفاته، نعت الحركة الثقافية انطلياس النائب السابق الراحل حبيب صادق فقالت في بيان: “مع غياب حبيب صادق الأمين العام للمجلس الثقافي للبنان الجنوبي تخسر الحركة الثقافية، أنطلياس، صديقااستثنائيا نسقت معه في العمل الثقافي والوطني منذ أكثر من 45 عاما: وقفنا بصلابة مع الوحدة الوطنية. دافعنا عن السلم الأهلي والعيش المشترك. عقدنا المؤتمرات حفاظا على ثرواتنا المائية وحدودنا البحرية والبرية في مواجهة الأطماع الإسرائيلية. واجهنا موجات التعصب والظلامية ودافعنا معا عن علمنة الدولة والمجتمع والتربية والثقافة. خضنا المعارك والتحركات دفاعا عن الجامعة اللبنانية والتعليم الرسمي وسائر القضايا المطلبية المحقة. واجهنا قمع الحريات العامة وانتهاك حقوق الإنسان اللبناني والعربي. بلورنا الصيغ الثقافية لترسيخ العلاقات اللبنانية – السورية على أسس احترام استقلال وسيادة الدولة اللبنانية والمصالح المشتركة بين الشعبين اللبناني والسوري، في إطار البيان الشهير ( دمشق – بيروت، بيروت – دمشق)”.
وتابعت: “تفاعلنا مع المثقفين العرب وتداولنا معهم سبل مواجهة الأخطار المحدقة والمهددة لمصالح شعوبنا. نسقنا المشاريع الإنمائية التي تنهض بأبناء شعبنا، ووقفنا ضد قوى الاستغلال والسياسات المناقضة للإنماء ولتقدم شعبنا، وأكدنا باستمرار أولوية العدالة الاجتماعية والحفاظ على المصالح العليا للمواطنين، وعلى الحرية كقيمة مركزية ملازمة لجوهر القضية اللبنانية. تداولنا باستمرار في سبل إبراز دور المثقفين اللبنانيين الطليعيين، وعقدنا حول إنجازاتهم المؤتمرات، وأصدرنا الكتب والدراسات”.
أضافت: “مع غياب الحبيب الصادق تشعر الحركة الثقافية، أنطلياس، أن جزءا من قلبها العاملي قد توقف، وأن صفحة من أغزر صفحات العمل الثقافي والوطني قد انطوت. إن الحركة الثقافية، أنطلياس، بهيئتيها الإدارية والعامة، تتقدم من كل فرد من أعضاء المجلس الثقافي للبنان الجنوبي بأعمق مشاعر التعزية، كما تتقدم من عائلة الراحل الكريم في الخيام، ومن كل أصدقائه وقادريه، ومن كل مثقفي الوطن بأصفى معاني المؤاساة. وإن حركتنا على يقين من أن الخط الثقافي العلماني الاستقلالي والسيادي الذي دافع عنه الراحل الكبير طوال حياته، سيكون، ولا شك، خط المستقبل الذي تلتقي حوله كل مكونات الوطن لكي تحافظ على جوهر القضية اللبنانية في مواجهة المشاريع المشبوهة التي تناقض مصالح شعبنا وثوابتنا التاريخية”.
وختمت الحركة بيانها: “كان الحبيب الصادق مقاوما ثقافيا إنسانيا عنيدا، عرف كيف يجمع بين لبنانيته وعروبته وقيم الحداثة والتقدم. فليرقد بسلام في تربة الجنوب المباركة. إن حركتنا الثقافية على يقين من أن كوكبة المثقفين العامليين في المجلس الثقافي للبنان الجنوبي مع كل الأصدقاء، سيحافظون على الأمانة فيستمرون في حمل راية الهوية اللبنانية في مواجهة كل أخطار الانهيار والتفكك والتبعية والاستيطان والتوطين والهجرة، وسيعملون بصلابة، مع كل المناضلين الشرفاء، من أجل انتصار قيم الحرية وحقوق الإنسان في دولتنا اللبنانية السيدة والحرة، على امتداد عالمنا العربي الأوسع”.