
لماذا أرى لبنان أقوى من كيان “إسرائيل”؟
كتب الدكتور علي بيضون
قد يبدو غريبًا للبعض أن نقول إن لبنان أقوى من كيان الاحتلال الإسرائيلي، خصوصًا إذا ما نظرنا إلى الفارق الكبير في القوة العسكرية والاقتصادية بين البلدين. لكن القوة لا تُقاس فقط بالسلاح والدخل القومي، بل بما هو أعمق: بالتماسك الاجتماعي، بالهوية، وبالقدرة على البقاء في وجه الأزمات الوجودية.
من الناحية الاجتماعية، يتميز لبنان بنسيج إنساني غني يجمع بين ثقافات متعددة وانفتاح عميق على الحضارات، نابع من تاريخه كمركز تلاقي بين الشرق والغرب. على الرغم من التحديات والانقسامات، ما يزال المجتمع اللبناني يحتفظ بروح المبادرة، والضيافة، والقدرة على خلق حياة نابضة وسط الركام.
في المقابل، كيان الاحتلال الإسرائيلي مجتمع حديث نسبيًا، تشكّل عبر موجات هجرة مختلفة، وما زال يعاني من فجوات اجتماعية كبيرة بين الفئات العرقية والدينية المختلفة كالتمييز تجاه اليهود الشرقيين، والفلسطينيين داخل الخط الأخضر، وحتى بين المتدينين والعلمانيين.
أما في موضوع التعدد الطائفي، فلبنان ورغم كل ما قيل عنه، هو مثال حيّ على التعدد والعيش المشترك، وإن كانت هناك صراعات، إلا أن التجربة اللبنانية أثبتت أن هذا التعدد يمكن أن يُدار بشكل سلمي نسبيًا. إسرائيل بالمقابل تسوّق نفسها كدولة “يهودية” ما يتنافى مع مفهوم التعدد، ويهمّش الأقليات بشكل مؤسسي.
في ما يخصّ الانصهار الوطني، فقد خاض لبنان تجارب مريرة من الحرب والانقسام، لكنه في كل مرة يعود ويظهر شعور وطني عند المحطات الكبرى من مواجهة العدوان الإسرائيلي إلى دعم الجيش في الأزمات الداخلية. الانتماء للبنان فكرة عاطفية عميقة، تتعدى حدود الطائفة أو المنطقة. أما إسرائيل، فهي لا تزال تبحث عن هوية جامعة لكل مكوناتها، وتعاني من انقسامات سياسية حادّة بين اليمين واليسار، وبين دينيين وعلمانيين، وبين مهاجرين قدامى وجدد.
وأخيرًا، في لعبة البقاء، لبنان صمد في وجه حروب أهلية، اعتداءات خارجية، أزمات اقتصادية، ودمار شبه كامل للبنية التحتية، وما زال موجودًا. هذه ليست مجرد صدفة، بل دليل على قوة كامنة في المجتمع اللبناني – قوة لا تُقاس بالأرقام، بل بالإرادة.



