كريم خان والجنائية الدولية في الميزان

بقلم عيس سيار *

طلب مدعي عام محكمة الجنايات الدولية من قضاة المحكمة إصدار مذكرات اعتقال واحضار رئيس وزراء الكيان الصهيوني النتن ياهو ووزير دفاعه يواف غالانت، ولم يتم حتى تاريخه اصدار مذكرة الاعتقال، بالمقابل اصدرت نفس المحكمة وبلمح البرق وبعد الزيارة المكوكية التي قام بها كريم خان إلى أوكرانيا وفي غضون أيام مذكرة اعتقال بحق الرئيس الروسي بوتين!؟ وليعلم المدعي العام خان ومن لف لفه من قضاة محكمة الجنايات الدولية بأن كيل العدالة بمكيالين هو في حد ذاته جريمة وأن العدالة البطيئة تتساوى والمظالم المؤثمة قانونا، حيث هذا هو حال وموقف مدعي عام المحكمة وقضاتها فهم يقدمون خطوة ويؤخرون عشرة، بأرجل ترتعش خوفاً من أن تذهب مقاعدهم ومناصبهم في مهب الريح أمام الزوابع التي أثارها الاميركيون والاتحاد الاوربي في وجوههم.

لقد نشرت مقالاً بنهاية شهر اكتوبر الماضي بعنوان ” كريم خان في الميزان” حول الموقف غير المبرر لمدعي عام محكمة الجنايات الدولية من الحرب الهمجية على قطاع غزة، والتي وصفتها عديد من المنظمات العالمية بأنها إبادة جماعية متكاملة الأركان.
وبالرغم من مضي مايقارب من أربعة أشهر على طلب المدعي العام، وبالرغم من المناشدات المستمرة من العديد من الدول والمنظمات الحقوقية وعائلات الضحايا الفلسطينين، وبالرغم استشهاد أكثر من 40 ألف مدني فى غزة أكثر من ثلثهم من الأطفال والنساء، يضاف إليهم آلاف المفقودين والجرحي والخراب والدمار الشامل في غزة، إلا أن أمر اعتقال رئيس وزراء الكيان الصهيوني ووزير دفاعه ما زال حبيس أدراج قضاة المحكمة! وبين الفينة والأخرى يتحفنا السيد خان بتصريحات صحفية لا تسمن ولا تغني من جوع، فتارة يقول إنه يتعرض لضغوطات وتهديد من دول غربية ذات نفوذ من أجل تأجيل طلبه، وتارة أخرى يقول إنه يحث قضاة المحكمة على الإسراع في اصدار مذكرات الاعتقال، وآخر الفقاعات الصحفية المسربة؛ بأن التكهنات تشير إلى أمر الاعتقال سوف يصدر قبل ان يتوجه نتنياهو إلى الامم المتحدة لإلقاء خطابه نهاية شهر سبتمبر الحالي، وحتى تاريخه تعد تصريحات خان بمثابة جعجعة من غير طحين او زوبعة فى فنجان.

لقد قررت الخوض من جديد فى هذا الموضوع بسبب استمرار حرب الإبادة الصهيونية الشرسة على أهلنا في غزة بمباركة العالم الغربي، وأيضاً بروز هذا الموضوع على السطح من جديد حيث أن هناك تقارير تفيد بأن المحكمة قد تصدر خلال الأيام القليلة المقبلو مذكرات اعتقال بحق قادة الكيان الصهيوني الرئيسين المسؤولين عن الإبادة الجماعية، فى ظل ضغوط صهيونية أميركية أوروبية على المحكمة بعدم اصدار هذه المذكرات، حيث ترى أميركا شريكة الصهاينة في موقف يثير الغثيان بأن المحكمة ليس ذات اختصاص بينما لها الاختصاص في ملاحقة مجرمي الحرب الروس بسبب حربهم أوكرانيا!و

هنا نقول لكريم خان وقضاة المحكمة، أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي؛ والتساؤل المحوري الذي يطرح نفسه هل يستطيع كريم خان أن يثبت مصداقيته ومهنيته ولن يرضخ للأقوياء، كما صرح أخيراً ويصدر مذكرات الاعتقال أم يستسلم للضغوطات والتهديدات الصهيواميركية أوروبية!

بداية نذكر كريم خان باتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 والتي تحمي المدنيين خلال الحروب، ومن هذا المنطلق أود أن أضع القاضي كريم خان وقضاة محكمة الجنايات الدولية على ميزان العدالة؛ وأطالب المحامين أينما كانو والمنظمات الحقوقية في شتي بقاع المعمورة بتبني طلبي وهو: إقامة دعوى مستعجلة، يتم فيها اختصام القاضي خان وقضاة محكمة الجنايات الدولية مطالباً إياهم فورا بتحريك دعاوى ضد قادة الكيان الصهيوني أو التنحي عن مناصبهم حيث أصبحوا ليسوا بذات أهلية للقيام بدورهم المناط بهم وذلك وفقاً للادلة والبراهين التالية:

أولاً: فى ديسمبر 2020 قررت محكمة الجنايات الدولية وعلى لسان المدعية العامة السابقة الغامبية فاتو بنسوده، وبناء على الأدلة والتقارير التي رفعت إليها من السلطة الفلسطينية حول جرائم الاحتلال الصهيوني فى غزة والضفة الغربية، فإن محكمة الجنايات الدولية إطمئنت إلى ما ورد فى الأدلة والتقارير وبالتالي قررت بأن لها الولاية القضائية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلا أن هذا القرار تم وأده حتى الآن من قبل البريطاني المسلم القاضي كريم خان المدعي العام الجديد والذي خلف القاضية فاتو بنسوده فى يونيه عام 2021، والذي لم يحرك ساكنا حتي الآن بالنسبة للملف الفلسطيني!؟ سوى زيارة استعراضية لمعبر رفح المصري وتصريحات هنا وهناك، ولم يتجرأ على دخول غزة بينما زار الكيان الصهيوني لمواساة أسر الأسرى لدي المقاومة الفلسطينية؛ وبدلا من تحريك دعوى ضد القادة الصهاينة فضل الصمت المخزي، واحببت أن اذكر القاضى خان بانه طار كالبرق إلى أوكرانيا وفى وقت قياسي بناء على طلب من أمريكا والدول الغربية، وشكل لجنة تحقيق وأطلق التصريحات التي تدين الروس بإرتكاب جرائم حرب خلال وجوده فى اوكرانيا، حتى قبل أن تبدأ لجنة التحقيق اشغالها!؟

ثانياً: إن العدالة البطيئة تتساوى والمظالم المؤثمة قانونا، وعدم تحرك القاضي كريم خان فى تحريك دعوى ضد قادة وجنود الكيان الصهيوني بسبب جرائمهم السابقة والحالية، سلوك غير مهني وظالم ومؤثم قانونا. وقد أكد المحامي الفرنسي جيل ديفرز وهو أحد محامي ضحايا العدوان الصهيوني على الفلسطينين فى مقابلة مع أحد القنوات التلفزيونية، بأنه لا مبرر قانوني وأخلاقي لتقاعس القاضي كريم خان فى فتح تحقيق فى الجرائم الذي يرتكبها الكيان الصهيوني ضد المدنيين العزل فى حين حرك دعاوي قضائية ضد القادة الروس بما فيهم الرئيس الروسي بوتين، مع أن الملف الفلسطيني اقدم بكثير من الأوكراني وكان يجب أن يحظى بالأولوية من قبل القاضي كريم خان!!؟؟. وفى مقابلة منذ أيام قليلة مع قناة الجزيرة أكدت فرانسيشكا ألبانيز مقررة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فى الأراضي الفلسطينية المحتلة بأن احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية غير شرعي، وأن ما تقوم به إسرائيل فى غزة من قصف وحشي، ومنع كل مقومات الحياة يعد جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والمطلوب من مدعي عام محكمة الجنايات الدولية ان يتحرك!

ثالثاً: ان ما قام به القاضي كريم خان تجاه حرب الإبادة الجماعية والتهجير القسري للمدنيين التي يمارسها الكيان الصهيوني فى غزة هو مطالبات ومناشدات وادانات كما يفعل السياسين ولم يقم بدوره المناط به حتى الآن وهو تشكيل دعاوى قضائية جنائية ضد قادة وجنود الكيان الصهيوني.

رابعاً: إن ما يقوم به مدعي عام محكمة الجنايات الدولية كريم خان هو كيل بمكيالين وازدواجية معايير وهو سلوك لا يتسق ومعايير وميثاق محكمة الجنايات الدولية، وهو تسييس فاضح وصارخ لدور محكمة الجنايات الدولية وهي في حد ذاتها جريمة كما أسلفت.

إنني اطالب الهيئات الحقوقية العربية ممثلة فى اتحاد المحامين العرب والاتحاد الدولي للمحامين وبناء على الأسباب التي تقدمت بها برفع دعوى قضائية أختصم فيها القاضي كريم خان وقضاة محكمة الجنايات الدولية بسبب حنثهم بالقسم المتمثل في تقاعسهم عن تفعيل قرار المحكمة في ولاياتها القضائية على الاراضي الفلسطينية المحتلة، ومطالبتهم بتتفيذ القرار فورا وإلا فقدوا أهليتهم.
# هذه هى مرافعتي.
فمن يرفع الشراع!؟

* باحث وأكاديمي بحريني

ملاحظة: حقوق المقال محفوظة للكاتب من يرغب في إعادة نشر المقال له الشكر ولكن من دون إضافة او تعديل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى