معرض للوحات الفنان هاني مظهر في ذكرى رحيله رُسمت بالموسيقى ولوّنها بأحزانه

لندن – زكي شهاب
تحلّق محبّو الرّسام التشكيلي العراقي الراحل هاني مظهر، حول لوحاته في امسية إستعادوا فيها حضوره بريشته. واستعادت كلمات عائلته وأصدقائه مسيرته الحافلة بالإبداع، كأن الزمن يسابقنا قبل أن نكمّل المسيرة، حيث تقف الأقدار قبالة طموحاتنا بالتجاوز مرّة وبالمجاراة مرّات.

هكذا خطّ لنا الرسّام العالمي العراقي التشكيلي هاني مظهر أوّل الطريق لباكورة سلسلة لم تكتمل.”ملوك الطوائف”، تلك اللوحة التي تحدّث عنها بفرح واعداً نفسه بتوالدها سلسلة، تشبه موزاييك بلادنا التي تناهشتها الطوائف وبعثرت إرثها.توسطت تلك اللوحة مجموعة لوحاته الموزعة في القاعة وسط حشد الاصدقاء.

باكورة الكلمات كانت لصديقه وزميله زكي شهاب الذي رحّب بالحضور بكلمة مقتضبة قال فيه “نجتمع حول اسمه اليوم وهاني مظهر لم يغادرنا بعد، أينما تلفّتنا نجدُ أثرَهُ بيننا، في ذكرى ابتساماتِ رفاقِهِ والحواراتِ التي كانت تجمعنَا.كان هاني يميل لصمته كعادة المبدعين، لكننا كنا نقرأ انفعالاته بالألوان، وبريشتِه الساخرة التي لم تعرف المجاملات.

كان هاني فناناً، مبدعاً ومخلصاً لفنّه، الذي منحه عمرَهُكم نشعر اليوم انّنا لم نُحسن قولَ كم أحببناه، كم وصل رأيه الحر إلى أعماقنا، وكم لامستنا تلك الغربة المترفّعة نحو عالميته. نحن هنا اليوم لنقول لعائلتِه واصدقائِهِ ولمحبّيهِ الكُثر، إن الفنان لا يموت. أن هاني يسكن ضمير كل واحد منا وسيبقى لأنه يستحق كل هذه المحبة”.

حياته كانت إبداعه، قالت، نورس مظهر إبنته، بكلمات خرجت من فمها بتأثّر بالغ: “إن أبي عاش لفنّه، وبقي معطاء يصارع مرضه مهموماً بمواصلة مسيرته حتى اللحظات الاخيرة من عمره. يصعب أن نصدق أنه لم يعد بيننا، لكننا نشعر بوجوده، بحبه ودفق عاطفته كلما تأملنا ألوانه ، نسافر إليه”.

أود أن اشكركم جميعأ على حضوركم معنا لاحياء ذكرى الفنان الغائب الحاضر . إنها المرة الأولى التي أتكلم بالنيابة عنك، كنت فناناً بإنسانيتك، باخلاقك، بتعاملك.أبي.. إذا كنت أنت كالطائر، فأنا بدونك كالنورس بأحنحته المتكسّرة. بعد غيابك، اصبحت أعيش بنصف قلب، والنصف الآخر أعيش فيه على ذكراك.”يغيب الفنان ويبقى الأثر ، نتأمّل في ذكرى غيابه الاولى الوانه، عصفوره، شجرته ووجوه نسائه.

الأهل و الأصدقاء والمحبون أرادوا إحياء الذكرى في لندن بقليل من الكلام ، و كثير من الحب وبعض الموسيقى رافقت الامسيةَ بعزف على العود للفنان إحسان الإمام، بذلك كان اللقاء شبيهاً بهاني الذي بقيت جذوره كالشجرة معلّقة في بغداد رغم الابتعاد ، و رغم تحليقه كالعصفور في وطنه العالمي الاوسع .بفرح الموسيقى كان يرسم مساحات لوحاته، وبصمت أحزانه يعيد تلوينها ،مرّات ومرّات ومرّات ، تبدأ ولادة تشكيلاته بنقاط ملونة، او بيضاء وسوداء لا ينتهي منها حتى يستكين توتّر المبدع في داخله ويشعر بالرضى بعد ان يتأمّلها.

الدكتور نبيل ياسين الكاتب والمثقّف المعروف ومن أصدقاء هاني المقرّبين هاني مظهر. حين تقتلنا اوطاننا. ننتظرها ثلاثين عاما لكي نعود اليها وتعود لنا . نكتهل وينقضي شبابنا ، يكبر اولادنا في المنفى ويكتهلون هم ايضا ولانعود ولاتعود الينا الاوطان. تلك هي سيرة حياة هاني مظهر. تحدثنا كثيرا، كثيرا جدا ، عن الأحلام والأوهام ، عن الأيام ، عن الأعوام . تحدثنا عن الزمان ، تحدثنا عن المكان . تحدثنا عن وطن بعيد، كلما ذهبنا اليه لنمسك اطرافه ابتعد وغاب . سيرة هاني مظهر هي سيرة انسان متفان ومخلص . سيرة فنان رأى وصور رؤيته. سيرة منفي قاوم المنفى بالعودة الى مخيلته التي احتفظت بملامح بلاد الرافدين. هل تعتني بالورد، ام بالميت الملفوف بالكفن ، ام تصطفي عطرا لزينتها ، وفنجانا لجارتها، ام تختلي في غرفةٍ وتروح في شجوٍ وفي شجنِ، وتموت فوق الريح، خارج بيتها ام خارج الزمنِعن مسار رحلته وغربته وصقل التجربة التشكيلية بالتجريب والتجديد تحدّث رفيقه الرسام العراقي فيصل اللعيبي الذي قال بلغة رهيفة ” هاني كان بقلبه الرقيق عوناً لكل اصدقائه وقد إستقبلتني في لندن وسهل إقامتي.خضنا تجارب عديدة معاً، جمعتنا الغربة عن الوطن وهاجس الفن كان قاسماً المشترك.كم افتقد تلك الجلسات التي لا تكتمل إلا بالإبتعاد عن اللوحة وتأملها.”جال الراحل هاني مظهر العالم في معارض فردية ، إستوقفته في طوكيو ظاهرة الاقبال على لوحاته، بحجم ما آلمه في بلادنا تصنيفات تشوّه تكوين المبدع ونتاجه.”الفنان حر كعصفور، يحاكي الانسانية وينقل الجمال للمتلقي”.تلك كانت رسالته دون ان يرتضي بأن يكون واحداً في عداد كثر يجعلون اللوحة سلعةً في مزاد البيع والشراء. و رسم الكاريكاتور السياسي،لأهم الصحف العربيةبينها صحيفتي الحياة و القبس الكويتية على مدى سنوات، قبل أن ينتقل الى المغرب ويحط به الرحال في مدينة الضباب ليكون رسّام كاريكتيرها لسنوات .

في الكويت ربطته علاقة وثيقة بصديقه الراحل الفنان ناجي العلي وكانت تجربة وعلاقة تركت تلك لديه مساحة للتعبير عن سخريته وقهره من الظلم والقمع والفقر.

أما الفن التشكيلي فكان حراً بلا إطار ، رفض تحتى تصنيفه بالتجريد او التكعيب، أراد للوحاته أن تكون عميقة كالشجرة وحرّة كالعصفور الذي كانه.

كذلك تحدّث صديق الفنان التشكيلي الراحل هاني مظهر، الدكتور علاء بشير بكلمة مؤثرة أرسلها، وأشار فيها الى شخصية” هاني مظهر الانسان ، النبيل المتفاني في سبيل فنه الذي كان حلمه حتى يومه الاخير.”

صديق الراحل انطوان رعد قدم نصاً أدبياً تطرق فيه الى تجربة هاني مظهر من منظار إشكالية الهوية: “نكتهل وينقضي شبابنا، يكبر اولادنا في المنفى ويكتهلون هم ايضا ولانعود ولاتعود الينا الاوطان. تلك هي سيرة حياة هاني مظهر. تحدثنا كثيرا، كثيرا جدا ، عن الأحلام والأوهام ، عن الأيام ، عن الأعوام . تحدثنا عن الزمان ، تحدثنا عن المكان ، تحدثنا عن وطن بعيد، كلما ذهبنا اليه لنمسك اطرافه ابتعد وغاب .

سيرة هاني مظهر هي سيرة انسان متفان ومخلص . سيرة فنان رأى وصَوّرَ رؤيتَه. سيرةُ منفي قاوم المنفى بالعودة الى مخيلته التي احتفظت بملامح بلاد الرافدين. هل تعتني بالورد، ام بالميت الملفوف بالكفن، ام تصطفي عطرا لزينتها ، وفنجانا لجارتها، ام تختلي في غرفةٍ وتروح في شجوٍ وفي شجنِ، وتموت فوق الريح، خارج بيتها ام خارج الزمان”وقبل جولة الحضور في ارجاء المعرض ، تحدثت إبنته سارة مظهر عن مدى تأثر والدها بصداقاته التي نمت على ضفاف غربته الطويلة وخففت من وحشتها وشكرت للحضور على مشاركتهم.”

في حفل تكريم والدها ومشاهدة لوحاته في إحدى قاعات Trailfinders ClubVallis WayLondon W13 0DD الهادئة ضجت بالعشرات الذين حضروا لإحياء المناسبة من أنحاء عدة ،جالوا في ارجاء المعرض بصمت كأن بهم يستعيدون صوت هاني مظهر بالريشة واللون.، النبيل المتفاني في سبيل فنه الذي كان حلمه حتى يومه الاخيراعتذر لعدم وجودي بينكم لاشارككم المشاعر التي جمعتكم هذا اليوم . والتي ينضح منها رائحة الالم والقهر الذي تركه غيابك يا ابا هاني العزيز.اخي هاني كنت انسانا نبيلا كريما وصادقا وامينا شجاعا . تنضح منك رائحة الوفاء . وفوق ذلك كنت فنانا مبدعا يبحث عن الفرح في بقايا الالم . انت في ضميري كما كنت رحمك الله واحسن اليك ولروحك الطمانينة والسلام علاء بشير”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى