
العالم ليس على شفير حرب عالمية ثالثة، بل هو في وسطها… العالم يواجه مصيره
كتب حسن أحمد خليل
وتيرة الاصطفافات تتسارع كما في الحربين العالميتين السابقتين.. وكما تبدلت الاصطفافات بين الحرب الأولى والثانية، كذلك تتبدل هذه الأيام بين الثانية والثالثة.. دولٌ من آسيا وأوروبا وأمريكا تبحث عن مواقعها ومحاورها.. تختلط التحالفات وتتباين..
الناتو لم يعد الناتو.. الأوروبيون لم يهضموا يوماً تركيا، منذ العثمانيين إلى أن أصبحت “رجل أوروبا المريض”، وبالعكس.. تركيا داخل أوروبا وخارجها.. واليوم تعقد تركيا اتفاقاً دفاعياً موازياً “إسلامياً” مع الباكستان، التي تبعد كل البعد عن الناتو.. والبلدان يضمان إلى الاتفاق السعودية “الإسلامية” لتعويض الدعم المالي، والولوج في عمق العالم الإسلامي من بابه العريض..
عصب الناتو، أي الولايات المتحدة، تهزأ من شركائها، وتضع علامات استفهام على التزامها بحمايتهم ما لم يرضخوا لقيادتها، وتتحدث علناً عن أطماع جغرافية في وسطها مثل غرينلاند.. أقوى الاهتزازات تتمثل في ابتعاد أمريكا عن حلفائها في الحرب الروسية الأوكرانية.. الحلف الأنجلوسكسوني مهتزٌ في جميع جوانبه بعد التباعد بين بريطانيا، الأم التاريخية، والولايات المتحدة.. وكذلك الحال بين كندا، الجار الملاصق، والولايات المتحدة، وسط حرب تجارية والحديث عن احتلال جغرافي أو شراء.. أستراليا تأخذ مسافتها دون الابتعاد الكامل..
حربٌ في أوكرانيا ظاهرياً.. لكنها حرب الناتو الأوروبية فعلياً، بدون أمريكا وتركيا.. حرب الناتو الأوروبي مع روسيا، ووراءها بيلاروسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران وبعض دول آسيا الوسطى..
وحربٌ في الخليج العربي.. في مضيق هرمز مع إيران، ومعها بالخفاء كل من يشعرون بالتهديد من انهيار جبهتها، من روسيا والصين وكوريا الشمالية، وحتى الجنوبية التي تحتمي تحت لواء أمريكا.. وكذلك، هناك كثير من الدول التي تتحالف مع أمريكا وتحظى بحمايتها، نأت بنفسها عن هذه الحرب لأسباب مختلفة، أهمها الخوف من الهيمنة الكاملة لأمريكا في حال بسطت سلطتها بالكامل على منطقة الشرق الأوسط دون مساءلة.. أكثر دول العالم، بمن فيهم أقرب الحلفاء لأمريكا، تائهون ضمن رغبتهم في عدم تحقيق أي انتصار واضح لأحد الطرفين: أمريكا وإيران..
العالم الغربي هو عدو تاريخي للإسلام السياسي الذي تمثله إيران، ولكنه أيضاً يخشى الهيمنة “الاستبدادية” لأمريكا، خاصة بعد البروز العلني لها، مثل المطالبة بالتوسع الجغرافي، ودفع “خُوّات” الحماية، وإعلان “حقوقها” في النفط والغاز والثروات.. والبارحة أعلنت أن مضيق هرمز “أمريكي”.. وهذا هو الأهم لأنه تهديد للأمن الاستراتيجي لأغلب دول الناتو عامة وأوروبا خاصة..
من جهة ثانية، بعد الانهيار السريع لفنزويلا، التي تعتبر صاحبة الاحتياطي العالمي الأكبر، والهيمنة شبه المطلقة لأمريكا على أغلب الدول في أمريكا اللاتينية والدول العربية ودول النفط، باتت الصين تواجه أكبر خطر على أمنها القومي في احتياجاتها للطاقة.. وهنا تكمن أهمية جبهتي إيران وروسيا لها، وأهمية جبهة إيران لروسيا أيضاً، وللدول التي تدور في فلكهما.. ناهيك عن أن إيران تمثل مدخلاً لآسيا من الباب العريض..
الهند، القوة الصاعدة الثالثة بعد أمريكا والصين، تراقب بحنكة وتصطف حسب الملف والحاجة.. لكنها دولة محورية في القريب العاجل.. وقد تقلب بعض الموازين نظراً لحلفها الغربي وخصومتها التاريخية مع باكستان النووية، التي تحالفت مؤخراً مع تركيا، العضو في الناتو.. شبكة معقدة من العلاقات الدولية..
ليست هناك دولة في العالم، من أقصاه في نيوزيلندا إلى أدناه في البحر الميت، في منأى عن تداعيات الحرب في أوكرانيا والحرب في الخليج.. إنهما حربان في وسط حرب عالمية ثالثة.. بعد أفريقيا المتفق على اقتسامها وتوزيع ثرواتها، في جغرافية هاتين الحربين هناك المعادن النادرة وسلة الغذاء والغاز والنفط والمواشي.. ولذلك تتسارع الاصطفافات..
أما العالم العربي البائس المسكين الممزق، فدوله تندب حظها، وتلملم كل دولة فيه—المثخنة بالجراح—نفسها.. لم تعد فلسطين في خرائط الجغرافيا ولا في جغرافية العقول.. من لبنان المنهوب من عصاباته المحلية والإصرار الخارجي على معاقبته لعناده في مواجهة “أسياده” الكبار إلى احتلال جنوبه.. إلى سوريا المتقطعة بين طوائفها وأعراقها واحتلالها شمالاً وجنوباً حتى حدود الشام.. إلى العراق المنهك المسروقة ثرواته، والذي منذ احتلاله لا يدير حساباته.. إلى الأردن المغلوب على أمره.. إلى مصر التي تعيش يومياً قلق المال لتأمين السكر والشاي والرز والقمح لمئة مليون، وقلق المياه والسدود.. إلى السودان الغني الممزق، وليبيا الليبيتين، وتونس الخضراء المتيبسة، والجزائر المبتعِد والمبعَد.. إلى الخليج الذي أصبح يغار منه العالم كله، لكنه اليوم يقلق من جميع الاحتمالات.. يقلق إن صمدت إيران، ويقلق إذا انهزمت إيران.. وفي كلتا الحالتين سيأتي من يطالبه بالتعويضات وإعادة الإعمار.. ثرواته دوماً مهددة، يطمع بها كل الطامعين.. يسمحون له بها فقط إذا التزم بالشروط التي يضعونها له للتصرف بها وإنفاقها..
مسكينٌ العالم العربي.. منذ البداوة والحداثة وولادة الحضارات فيه وكل الأديان السماوية، لم ينعم بالاستقرار.. ودوماً في وسط الحروب..
العالم على مفترق طرق.. نتائج هاتين الحربين، وخاصة حرب الخليج، سترسم العالم الجديد.. أو من يدري هل سيبقى هذا العالم.. وهناك جيلٌ يسأل عن جدوى بقائه..



