منتخب يعشق “الهزائم”..

خاض منتخب لبنان لكرة القدم منذ شهر آذار/مارس 2021 وحتى اليوم 22 مباراة ما بين الودي والرسمي، فاز في 4 وتعادل في 4 وخسر 14 مرة وبينهما انتصارين على سريلانكا 3-2 ودجيبوتي 1-0، وهاتين الدولتين تعتبران كما يقولون بالعربي الفصيح “لا علاقة لهما بكرة القدم”.
ولكن الأدهى والأمرّ في الأمر بأن منتخب لبنان أصبح منتخب “انبطاح” ويملك روح الخسارة بامتياز ويعشق “الهزيمة” وهو مرفوع الرأس، وفي لبنان تنتشر عادات العشق فمنهم من يعشق “الحياة” ومنهم من يعشق “الشهادة” ومنهم من يعشق تحطيم الأرقام القياسية في كتاب “غينيس” لأفضل صحن تبولة وأطول صحن حمص بطحينة وأكبر كوب ليموناضة عملاق تم صنعه على وجه كوكب الأرض.. ولكن منتخب “رجال الأرز” كسر هذه القواعد وبات منتخب عاشق للهزيمة.
وللهزيمة أسباب عديدة منها ما هو من اللاعب نفسه ومنها ما يقع به اللوم على راعي اللعبة وأحيانا على الجهاز الفني.
والسبب النفسي الأساس هي الروح الانهزامية لدى اللاعب المحلي الذي لم يعرف معنى الاحتراف بحذافيره وتفاصيله، ولا يلام على ذلك، لأن البيئة الكروية السليمة غير موجودة في لبنان فحتى تصبح لاعبا متمرسا وتفكر بمقارعة منتخبات المنطقة المحيطة بك لتصل إلى كأس العالم بعدها يعني أنك بحاجة لقطع اشواط ومسافات طويلة وليكون البناء سليما لا بد أن تكون الأسس سليمة ومتينة وهذا غير موجود أيضا.

فالاكاديميات التي يتحدثون عنها والتي “نخرونا” بها منذ سنوات ما هي إلا “دكاكين” للتجارة وجني المال والسفر و”شم الهوا”، أيضا الملاعب العشبية غائبة أو مغيبة أو شبه معدومة، وهي أرضية تصلح وتكفي لانتاج اللاعبين الجيدين عكس الملاعب ذات العشب الصناعي التي تؤذي اللاعب.
ايضا هناك عامل مهم وهي الثقافة الكروية وحتى الثقافة العامة، فهي غائبة أو معدومة لدى اللاعب اللبناني الذي لا يفقه حتى فن الخطاب أو الكلام مع الاعلاميين أو هو غير مثقف أصلا إلا من رحم ربي على عكس اللاعب الأوروبي، وطبعا هذا يزيد من مستوى الوعي والعلم والمعرفة لديه مما يخوّله أن يعيش حياة متوازنة ويبقى تفكيره سليما داخل الملعب وخارجه ويحافظ على حياة كروية طويلة.
وأذكر يوما أنني قابلت اللاعب الكرواتي الشهير زفونومير بوبان في قطر الذي سألني من أي دولة أنت؟ فقلت له من لبنان.. وصدمت حين بادرني بالإجابة بأنه قرأ كل مجموعة كتب الفيلسوف اللبناني جبران خليل جبران باللغة الإيطالية حين كان لاعبا في صفوف ميلان.

أضف إلى ذلك الوضع الاقتصادي المزري الذي نعيشه في لبنان، ما يجعل اللاعب يعيش في حالة قلق على مستقبله ومستقبل عائلته وهذا من حقه، ولا سيما في السنوات القليلة الماضية، ما جعل غالبية اللاعبين يقررون اللعب في دوريات المالديف والهند وبنغلادش وماليزيا واندونيسيا فقط مقابل المال، علما أن هذه الدولة تكاد تكون غير موجودة على الخارطة العالمية وبالتالي هي بمثابة “أكياس رمل” للمنتخبات الآسيوية القوية حين تواجهها في التصفيات.
وإذا وصلنا إلى الاتحاد الذي هو “أب” اللعبة فإنه قد اختار مؤخرا مدربا من صربيا لا تاريخ له مع المنتخبات وسجله متواضع في عالم التدريب، اضف إلى ذلك فإن المدرسة اليوغوسلافية قد عفا عنها الزمن وأصبحت من الماضي، لذا وجب التطلع إلى مدرسة أوروبية أكثر تطورا، أو لأن المثل يقول “على قد بساطك مد إجريك” وربما لو تمت الاستعانة بمدرب محلي لكان أفضل بكثير لأن الصربي لن يصلح ما أفسده الدهر في غضون شهور معدودة وتجارب الماضي خير برهان.

مختصر القول، كرة القدم اللبنانية لن تتقدم خطوة إلى الأمام بعد اليوم في ظل عوامل سلبية محيطة لا بد من معالجتها من جذورها ومن كان يحلم بالوصول إلى كأس العالم المقبلة أو حتى مراحل التصفيات الحاسمة فليغط بنومه ويكمل حلمه لأن لن يتحقق إلا إذا توافرت الأرضية الخصبة ووجدت النوايا الحسنة والصافية والشفافة الصادقة بعيدا عن التكاذب والسمسرات والتنفيعة.
طبعا، لو أردنا تفصيل أمور وعوامل أكثر لما اتسع الوقت لكتابة ما كٌتب وطال الشرح لإن المعضلة هي من صلب الحياة اليومية في بلد منكوب وازداد تشرذما وضياع.
ختاما، دعوة إلى كل القيمين للمسارعة في معالجة مكامن الخلل لحفظ ماء الوجه في الاستحقاقات المقبلة، أقله بتحقيق نتائج مقبولة.
وكما قال الشاعر “أسمعت لو ناديت حيا.. ولكن لا حياة لمن تنادي”.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى