نقاش أعمق حول أميركا ولوبياتها وهندسة الفوضى العالمية 8/…

الحكومة الخفية: الانتخابات الأميركية مربط خيلها؟ إن خسرت أميركا انتهت

ميخائيل عوض
دود الخل منه وفيه.
قرنين ونصف على قيام أميركا النظام وقرن ونيف على تقدمها وريادتها النظام الرأسمالي وتطبيعه بطابعها الأنكلو- ساكسوني، ربما بدأت تفرض حقائق وحاجات الاجتماع البشري والأزمنة وحاجاتها فيها وببنيتها.

فقد برزت ظاهرة قومية فيها وهي أصلاً تم بنائها صناعياً ومعولمة” تجميع لأقوام ومهاجرين منتجين وعمال وباحثين عن الذهب في ارض الفرص وطالبي لجوء وجنسية وعمال مهرة للشركات ومستهلكين يعيشون في غيتوات” وعلى قياس ونظم الشركات وحاجاتها لا على قواعد وبمسارات وأزمنة أطوار تشكل الشعوب والاقوام والأمم/ الحضارات.

فهل أخذ الزمن مفاعيله وبات يعمل على إعادة تطبيع وتطويع أميركا ونظامها على قواعده وحاجاته؟ ربما وإلا من أين أتت ظاهرة ترامب واعتماده شعارات تنتمي إلى عصر القوميات ونشوء الأمم فتكون برامجه واستهدافاته؛ الأمة الأميركية وأميركا أولاً وماذا يفيد الأميركي إذا كسبت العالم وخسرت نفسها، ولا فائدة لأميركا من الحروب والعولمة ودور شرطي العالم، وهي ذاتها أهداف ومصالح الحكومة العالمية الخفية ولوبياتها ومصالح الشركات المتعدية الجنسية وما فوق القومية والتي تأسست وبنت أميركا وسادت لتحقيقها. هذا ما يسمى مكر التاريخ.

فالحكومة الخفية ودولتها اداتها التنفيذية التي زرعت أركان الكرة الأرضية قواعد وأساطيل وشغلت البشرية بأكثر من 250 حرب وبؤرة توتر وفوضى ولم تترك زاوية نائية إلا سعت لإخضاعها، أو دولة وأمة إلا خططت وعملت على تدميرها وتفكيكها للسيطرة عليها ونهب نتاجاتها وثرواتها.
هذه الأميركا تصاب بعارض القومية والسعي للتحول إلى أمة، والأمة تستلزم دولتها القومية والدولة القومية ستكون مركزية وتنموية واجتماعية وتستلزم سيادة وقواعد ومؤسسات تتعارض حديا مع المعولمة وتفرض اسيجة وجدران جمركية وإجراءات للحد من إعطاء الجنسية. وتقتضي تدمير منظمة التجارة العالمية وانشاء وفرض الضرائب على الواردات وجدران إسمنتية والكترونية لتأمين الحدود وصد موجات الهجرة الى ارض الذهب والفرص.
صدقوا؛ ان أميركا اليوم وبنيتها وتشكيلات دولتها العميقة الأميركية التي إدارتها الحكومة الخفية أصبحت في مشاريعها المستقبلية أميركتين”2 أميركا”.
واحدة للشركات والعولمة ساعية إلى تدمير القوميات والدول في أرض الله الواسعة. وواحدة ساعية لجعل أميركا قومية وأمة ودولة أمة… يا للهول؟
هكذا تفهم ظاهرة ترامب وسياساته وإجراءاته التي اعتمدها في ولايته ويمكن وصف ظاهرته بلوبي الأمركة، ويمثل جزءًا بنيويا واساسيا من تكتلات الدولة العميقة الأميركية التي كانت على انسجام تام مع الشركات وعولمتها، وضربت فيها الانشقاقات العامودية والحدية.
فترامب ليس فرداً ولا هو ظاهرة سماوية، بل ممثل لقطاعات اقتصادية وكتل اجتماعية فرضت نفسها وتسعى لفرض مصالحها.
البيض العجائز ومدن الصفيح والانكلو- ساكسون المرتهبون من ضياع أميركا من بين أيديهم، وقد تحقق ما يشبه توازن عددي بين ” الهسبانك من السود والأفارقة والأسيويين واللاتينيين والمهمشين واللاجئين”، والعرق الابيض وباتت اللغة الإسبانية والمتحدثين بها أكثر عدداً من المتحدثين بالإنكليزية في الولايات الأميركية”.

الشركات على العكس تريد فتح الحدود واستقطاب اللاجئين لتوفير يد عاملة رخيصة وسوق لمنتجاتها ولاختبار تجاربها على البشر، والتهجين وتمويل مغامراتها وحروبها والبنتاغون والوكالات من موازنات الدولة ووزارة الخزانة والأموال من الضرائب والاستدانة والجدوى والأرباح تعود للشركات وصناع الأسلحة والحروب وبيروقراطية البنتاغون والكابيتول على حساب أميركا ومواطنيها وبنيتها التحتية المتقادمة والمتأكلة.

يبدو ان المواطنين في أميركا والشركات في قطاع الإنتاج التقليدي والقوى العاملة والكتل الاجتماعية بدأت تدرك بحسها وعفويتها أن الحكومة الخفية ولوبيات العولمة والشركات المتعدية الجنسية أورثت أميركا ومواطنيها الويلات، واوصلتهم إلى بئس المصير، فبدأت التمردات ما أنتج ظاهرة ترامب، وترامب بشخصه وأخلاقه وقيمه وتصرفاته يطابق صفة الأميركي الذي نشا في بيئة المهاجرين الأوائل من الأقوام والاكثر فاعلية الأنكلو- ساكسون؛ الكاو بوي والعمدة.
ترامب ليس ظاهرة عابرة ولا صدفة من خارج السياق ولا هبط بالبراشوت.
ظاهرة تمثل قطاعاً واسعاً وكتلة فاعلة في المجتمع والدورة الاقتصادية والإنتاجية والأسواق.
ظاهرة ترامب تعبير عن بلوغ الانقسامات العامودية في النظام الأميركي الدولة المصنعة ذروة التناقضات، وتضع أميركا القديمة أمام مفترق خطر، وتفرض الحاجة لإعادة هيكلتها وهيكلة مؤسساتها والسيستم وإعادة تعريف هويتها ودولتها.
…/ يتبع
الاشتباك بين الشركات والقومية والدولتية في قلب أميركا إلى أين يأخذها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى