
لنقرأ التاريخ
بقلم: د. نبهان عثمان *
كثر يمرون مر الكرام على أحداث التاريخ، أثناء قراءتهم لها، والقلائل من قارئي التاريخ يتوقفون عند محطاته، ليدققوا ويستنبطوا الأحلام والحِكم والمواقف، دعونا نتوقف في محطة تاريخ الإستعمار الاستيطاني الإحلالي، ماذا يقول لنا؟ وما هي الحقائق التي يسردها؟ والتي أصبحت حقائق تاريخية من الصعب جحدها، يقول التاريخ، إن الإستعمار الاستيطاني الإحلالي مر في طريق واحد، القوة الرادعة، ونتج عنه ثلاثة نماذج، وهي:
أولًاً : إقامة دولة المستوطنين المحتلين، بارتكاب جريمة إبادة الشعب المحتل، كما حصل في أميركا الشمالية والتي تمت بها إبادة الهنود الحمر “السكان الأصليين”، هذا النموذج لم يتمكن الكيان الصهيوني من إرتكاب جريمة الإبادة الكاملة للشعب الفلسطيني، على الرغم من ارتكاب جرائم هنا وهناك، وتشريد جزء كبير من الشعب الفلسطيني خارج وطنه. وتمكنه من قيام دولته على جزء من أرض فلسطين، إلاّ أن الصراع استمر حتى الآن.
ثانياً: الفشل – نموذج دولة روديسيا العنصرية، التي وصلت إلى مرحلة لم تعد قادرة على الإستمرار بفعل تأثير الضغط الداخلي والخارجي ونضال السكان الأصليين، فاختفت دولة روديسيا كدولة عنصرية إستهلاكية إحلالية من خارطة العالم، وحلت محلها دولة زيمبابوي للسكان الأصليين، هنا نتساءل: هل الكيان الصهيوني، سيصل إلى تلك المرحلة التي سيصبح فيها غير قادر على البقاء، بفقدانه مقومات إستمراريته؟
قراءة متأنية، لعناصر ومقومات وظواهر الصراع المستمر مع الكيان الصهيوني، آخذين بالإعتبار، عامل الزمن الذي سيترك آثاره الإيجابية على شعوب المنطقة وعلى شعوب دول العالم، من آثار إرتقاء القدرة الذهنية والعلمية لشعوب المنطقة وارتقاء قدرة التعامل مع أساليب ووسائل المواجهه، وارتقاء مقومات وقدرات شعوب المنطقة.
إلى جانب ذلك، رؤية مقارنة بين موقف شعوب العالم في العقود السابقة ومواقفها الراهنة بالنسبة إلى الصراع الدائر في المنطقة، سنجد أن هناك تحولاً ملموساً وظاهراً لصالح القضية الفلسطينية ومطالب الشعب الفلسطيني ومناهض للسياسات العنصرية التي يمارسها الكيان الصهيوني في المنطقة، والتي ستوصل شعوب العالم إلى درجة لن تعد قادرة على تحمل أعباء وجود دولة تهدد السلم العالمي.
كما أن رؤية قارئة، لعناصر التناقض داخل مجتمع الكيان الصهيوني بكونه مجتمع يجمع بداخله ثقافات وأجناس عديدة وأصول مختلفة، لا يجمعها سوى عنصر الديانة الواحدة ومفاهيم التعصب والعنصرية تحت شعار الأمن، التي تغذيها الصهيونية، تحت مفاهيم خُرافات تاريخية مختلفة.
ذاك المجتمع يحمل بداخله مقومات انهياره، بفعل عامل الزمن، عندما يصل إلى مرحلة يدرك فيها بأن الحركة الصهيونية منذ نشأتها وحتى الآن أداة طيعة بيد الإستعمار والقوى العالمية الغربية، لإشغال المنطقة بصراعات وحروب لا تعود على معتنقي الديانة اليهودية سوى بمزيدٍ من العذابات والكراهية والبغضاء، وعندما يدرك مواطنو الكيان الصيهيوني بأن تلك القوى الداعمة له، تستخدمهم كوقود لصراعها الدائم في منطقة الشرق الأوسط، عندها سيدركون بأن استمرار الصراع ليس لصالحهم.
هذه العوامل تملك بداخلها المزيد من التراكمات والتفاعلات التي ستوصل الكيان الصهيوني إلى الفشل، متى سيحصل هذا؟ شرط أساسي لحصول ذلك استمرار الصراع، وتطوير أدواته، بالتأكيد لن يحصل ذلك بين الفينة والأخرى، بل ربما يحتاج إلى عشرات السنين.
ثالثاً: الدولة الواحدة، هذا النموذج كان نهاية الدولة العنصرية في جنوب أفريقيا، إذ أصبح مواطنوها، خاضعين لسيادة واحدة وقانون واحد، لا يتم التمييز فيه على أساس العرق أو الدين أو الجنس أو المذهب، فالجميع سواسية وتحت سلطة القانون، وقانون الإنتخابات ساري على الجميع والذي أعاد للمواطنين الأصليين دفة الحكم فيها بصفتهم الاكثرية الأفريقية في الدولة الواحد.
نتساءل، هل هناك في التاريخ نموذج غير تلك النماذج الثلاثة التي تمت الإشارة إليها؟ حتى الآن لم تأخذنا أحداث مجرى التاريخ الى نموذج آخر، من هنا نستطيع الإشارة الى الصراع الدائر مع الكيان الصهيوني، الذي استطاع بدعم القوى الغربية، وممارسة شتى أنواع القتل والإذلال ضد الشعب الفلسطيني السكان الأصليين، الحفاظ على بقائه على جزء من أرض فلسطين. ولا زال هذا الكيان يعيش في صراع دائم مع الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة، معتمداً على مفهوم أن القوة قادرة على دعم استمرار بقائه، متوهماً بأن البقاء في ظل جبروت الجيوش ضمانه لاستمراريته ولاخضاع شعوب المنطقة.
خيار الدولة الواحدة متي سيصل إليه قادة ومواطني الكيان الصهيوني ، لا يبدو ذلك قريباً، لكنه سيبقى الخيار المرفوض من قبل المجتمع الإسرائيلي إلى أن يصل إلى قناعة بأن لا أمل في إنهاء الصراع مع الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة في ظل اعتناق مفهوم القوة كأساس لفرض الواقع المرفوض من شعوب المنطقة.
عامل الزمن بما يملك من مقومات التطور والتقدم لشعوب المنطقة كفيل بدفع المجتمع الإسرائيلي إلى حافة زلزال مدمر لجميع شعوب المنطقة، وهم منها، ليقف أمام الجميع خيارين الدماء والخراب أو خيار الاندماج في دولة واحدة، وهذا الخيار يحتاج إلى عشرات السنين حتى يتحقق.
ما هو المطلوب منا كشعب فلسطيني في هذا الصراع، الحفاظ على استمرارية الصراع، من خلال ترسيخ أقدامنا في الأرض، وهذا يتطلب رؤية تضع أمامها تنفيذ سياسات تساعد الشعب الفلسطيني في الثبات والصمود في وطنه، من خلال سياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية وغيرها من السياسات التي تصب في مصلحة خلق حقائق مادية ومعنوية تساعد الشعب الفلسطيني على الثبات في الوطن، وتساعده على الصمود وتطوير وسائله في الصراع، وتساعده على تعزيز رفضه الدائم لأي حلول لا تلبي مطالبه الوطنية الكاملة. وخاصة ان الشعب الفلسطيني يملك بين يديه قوى لا يملكها إلا هو وهي التوقيع على شهادة ميلاد إسرائيل، التي اخرجوها منذ العام 1948م، ومنذ ذلك الوقت وهي شهادة لا أحد قادر في هذا العالم المصادقة عليها بديلاً عن الشعب الفلسطيني.
هنا تكمن قوة الشعب الفلسطيني التي تضاهي تأثيرها كل جيوش إسرائيل وجبروتها وقنابلها الذرية، الشعب الفلسطيني هو المخول الوحيد في هذا العالم المصادقة على قانونية وجود إسرائيل، فإن كان هذا الشعب غير مخولٍ بذلك، فلماذا كل تلك القوى ومعها إسرائيل تجري وراء الشعب الفلسطيني منذ عشرات السنين مستخدمة العديد من وسائل الإغراء والتهديد والوعيد لجلبه وزجه في ساحة المفاوضات، التي حتى الآن لم يخرج عنها شيئاً يستحق الإشارة إليه أنه حقق شيئاً من حقوق ومطالب الشعب الفلسطيني الوطنية.
إن تلك القوى وإسرائيل، تريد من وراء تلك المفاوضات جرجرة ممثلي الشعب الفلسطيني إلى مزيد من التنازلات، متوهمةً بأنها قادرة على إيصال الشعب الفلسطيني الى حالة الاستسلام والرضوخ للواقع المفروض عليها بالقوة.
هذا لن يحصل وعلينا أن نؤكد كل يوم لهم، بأننا نحن الفلسطينيون لن نوقع على شهادة ميلاد هذا الكيان مهما طال الزمن ومهما طال الصراع، خاصة ونحن نعيش في عواصف الحرب والسلام، تقذفنا الى ساحة تختلط فيها الحقائق بالأوهام، والواقع بالخيال، ولذلك على قوافل السلام قبل أن تخطو خطوة جديدة وقبل سيرها في دروب السلام مرة أخرى أن تدرس التاريخ جيداً، وان تدقق كيف وصلت الى حالة اللا سلم واللا حرب كي تتذكر جيداً من أين هي قادمة وإلى أين هي قاصدة.
وكي تدرك بأنه سيتوجب عليها التوقف عن سياسات محاولات الطيران كالبط، الذي يبذل قصارى جهده للتحليق في الهواء وما ان يرتفع في الهواء قليلاً سرعان ما يهبط سقوطاً، حاملاً معه خيبة الامل واليأس والإحباط، بعد جهد كبير بذله، كان الأجدر له أن يبذل ذلك الجهد لقائه متشبثاً بالارض، وبعد تلك السنين من العقود السابقة لا زالت تجري المفاوضات في ممرات ودهاليز السياسة، من دون أثر يدل على نهاية بالتراضي أو يتم التوافق على نتائجها، ولعل قول أبا إبيان وزير خارجية إسرائيل السابق إلى بن غوريون كي لا يركض وراء السلام لأن العرب سيطلبون ثمناً منا أما حدوداً او عودة اللاجئين أو كلاهما معاً، أصدق تعبير عن سياسة اسرائيل.
بعد تلك العقود أصبح واضحاً لكل من يريد ان يعي هدف اسرائيل، هو جرجرة العرب والفلسطينيين الى طريق لا نهاية له، لأنها غير مستعدة لدفع ثمن لذلك الوهم من السلام. ولهذا دائما تضع إسرائيل شروطاً تجعل ذلك السلام مستحيلاً، وتسعى إلى إبتزاز العرب إلى مزيدٍ من التنازلات. لأن إسرائيل أساساً مسكونة بوهم القوة، وتأكيدها مراراً وتكراراً بأنها القوة القادرة على جعل هزيمتها مستحيلةً، وترسيخ هذا الوهم في عقول العرب كي ينتقل العقل العربي من حالة اليأس والإحباط الى حالة بلورته مفهوم استحالة هزيمة اسرائيل، ولا يجد أمامه سوى طريق المفاوضات والتنازلات للوصول الى اتفاق معها.
بقاء حالة اللاحرب واللاسلم ، دون نهاية حاسمة ودون توافق يستغني عن السلاح يجعل الإنفجار في المنطقة وارد حتى دون أسباب مقنعة، لأن الأسباب الحقيقية كامنة فيها تتفاعل وتختمر مع مرور الزمن ومع استمرار الصراع، ولذلك العودة الى تاريخ الامم والشعوب القديم، حاجة لابد منها لكل مهتم بالسياسة فكراً أو عملاً فكيف العودة الى التاريخ القريب والقريب جداً، وخاصة أن تأثيرات هذا التاريخ القريب لا زالت تلقي بظلالها على شعوب منطقتنا وتتفاعل تراكماتها بفعل اضطراب الحاضر والخوف من المستقبل.
من هنا ستبقى العودة الى الماضي القريب، لأسباب الصراع مع الكيان الصهيوني، ضرورة لا مناص منها وحاجة لا غنى عنها، ما دامت أسباب الصراع أساساً بعيدة عن الحلول العادلة التي تنصف الشعب الفلسطيني. وستبقى العودة ضرورة مادام هناك تفاعل واحتكاك بين الافكار والعقائد والمصالح مع كل بحث وتقييم ومع كل هدم وبناء ومع كل محاولة جديدة لقراءة التاريخ من منظار جديد، من اجل استجلاء الحقيقة واستنباط الحكم والعبر، ومن اجل رسم معامل خطى الشعوب نحو المستقبل.
وتحت تأثير التمسك بالمحرمات المقدسات التي رسخت في ذاكرة شعوب المنطقة، من بدايات محاولات القوى العالمية الفاعلة منذ قرون وعقود التخلص من معتنقي الديانة اليهودية من شعوبهم في اوروبا، وتهجيرهم القصري وبالترغيب والخداع والتزوير للتاريخ، الى منطقتنا لضرب عصفورين بحجر واحد كما يقول القول المحور لشعوبنا، هدف التخلص من معتنقي الديانة اليهودية من شعوبهم واشغال المنطقة العربية بحروب وصراعات تبعدهم عن أهداف تطورهم وتقدمهم.
*رئيس الاتحاد العام للاقتصاديين الفلسطينيين



