
بحث معمق: فلسطين في انتفاضة ثالثة مسلحة لا سبيل لها إلا النصر والتحرير7/ 7
ميخائيل عوض
كيفما قرأت موازين القوى ونتائج التطورات والأحداث والتحولات التي شهدتها فلسطين لجهة الكيان وما آل إليه من أزمة وجودية بنيوية بعد أن أفقدته المقاومة وظائفه ودوره الذي انتدب له، وكلف أوروبا وأميركا أكثر من 12 ترليون دولار، وخسارته لكل وأي من عناصر قوته التكتيكية والاستراتيجية العسكرية والمجتمعية، والسياسية، وبات عاجزاً عن إنتاج حكومة قوية موحدة في أربع انتخابات خلال سنتين، وإدارته الحالية في حكومة بنيت الفاقدة للأكثرية والمتصارعة بين فرقائها، وتحول بنيته إلى التطرف واليمينية غير العقلانية وانقلاب الهجرة لتصبح معاكسة، ويشهد نزوح متسارع لكتل اجتماعية فقدت ثقتها به، وتبحث عن ملجأ في أوروبا والأميركيتين وأستراليا وكندا، وقد فقد كل وأي من عناصر دعمه وإسناده في البيئة العربية والإسلامية والعالمية، لا يغير من الحقائق احتفالات إعلامية للتطبيع مع الإمارات والبحرين والمغرب ومصر، فهي مجرد عراضات وحملات ترويجية “لا تغير في واقع الحال والموازين”. وجرت كل التحولات في غير صالح استمراره، وسطوته العدوانية، وقد تحول الرأي العام العالمي عن إسناده وقبوله، وبات يرى نموذج التطرف والعدوانية ومعادٍ لحقوق الإنسان، وتنشغل النخب الأوروبية عنه بأزماتها الداخلية وتوترات مجتمعاتها وتصاعد نذر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الانهيارية بعد جائحة كورونا، والنتائج المحققة والمرتقبة للحرب في أوكرانيا، وشان أوروبا الشعوب والنخب شأن الولايات المتحدة المنهكة والمأزومة والمتصاعدة توتراتها الإثنية، وصراعاتها المجتمعية والاجتماعية، وسيزداد انشغالها عن إسرائيل بنتائج حرب أوكرانيا وما ستكشفه من تحولات عاصفة واهتمامات أكثر أولوية من إسرائيل، وقد بات المجتمع الأميركي والنخبة الحاكمة تتعامل معها على ما قاله ديفيد بترايوس “كانت كنزاً ثميناً وأصبحت عبئاً ثقيلاً. والشاهد طريقة تعامل إدارة بايدن معها، وقد انحسرت أوهامها وأوهام القائلين إنها ستجد حماية وتبني من روسيا والصين والقوى الصاعدة، فالأزمة تتصاعد بينها وروسيا التي ملت دلالها واختبرت مناورات زعمائها، وكشفتها معادية وعبء في جورجيا وقره باخ وفي أوكرانيا، وتصاعدت الإعلانات والمواقف الروسية التي تتعامل مع إسرائيل كبلطجي محتل للجولان وفلسطين.
على الصعيد الفلسطيني فقد طال زمانها واختبر الشعب الفلسطيني كل وأي من الخيارات والحلول التصفوية التي جربها، وعاش وتلمس نتائجها وسقطت الوعود والأوهام حولها، وقاومها ببسالة وصلابة وصبر جاوز أيوب، ولم يلقِ السلاح يوماً، وانتقلت عتلة القضية والكفاح من المهجر واللجوء إلى الضفة وغزة ومن ثم إلى فلسطين الـ48، وبلغت الحلول التصفوية كلها مالاتها النهائية، ولم يعد لها من سند أو قوة أو حامل فلسطيني أو عربي أو اقليمي أو عالمي.
وفي سياق استعراض التحولات العربية والاقليمية وما عاشته المنطقة والاقليم من حروب وأحداث وتطورات، يمكن الجزم بالوقائع والأحداث المعاشة غير القابلة للدحض حالتها الملموسة، وقد تحولت موازين القوى لصالح خيار المقاومة المحمول على عامودين، سورية وإيران والمتجذر في الشعوب والفصائل والساحات، وقد أفلح منذ سقوط الاتحاد السوفياتي واختلال التوازنات والقوة لصالح اميركا التي أطلقت يد إسرائيل في العرب والإقليم وفي بنية أميركا ذاتها، واستنفذت أميركا وإسرائيل التحالفات والأحلاف والحروب بكل أجيالها واستراتيجياتها وأدواتها. ونجح محور المقاومة في إفشال واستنزاف أميركا وحملاتها الصليبية وغزواتها وحروبها المباشرة وبالواسطة، والأجيال الجديدة للحروب، واستنزفها وسرع من انفجار أزماتها كما في 2008، وما تعانيه اليوم من أزمات ومخاطر انفجار نموذجها بفعل جائحة كورونا وحرب أوكرانيا، واستنفاذ النموذج المصاب بعطبين قاتلين مولدين للانهيار، أزمة التضخم المفرط، والركود الحاد مصحوبان باستنزاف تمويل الحروب والانتشار العالمي الواسع والمكلف، وانحسار الفرص جراء المنافسة القاتلة مع آسيا واقتصادها الإنتاجي والتقليدي الصاعد وانتقال عتلة التقانة والإبداع والاختراعات إلى آسيا التي تقدمت على أميركا وأوروبا بأجيال في السلاح الفرط صوتي والطائرات الشبحية والـG5، والذكاء الصناعي، وأذلتها إيران في الجو والبحر وفي حرب العقوبات والحصار وفي مفاوضات الملف النووي، وألزمتها المقاومة الأفغانية وصعود أوراسيا بالانسحاب المذل من أفغانستان، واستنزفت أموال الخليج وقدراته في سورية وليبيا والعراق، وألزمه أنصارالله بإنهاء الغزو لليمن بهزيمة نكراء، وقد راكم محور المقاومة الانتصارات المتتالية ولم يخسر حرباً واحدة منذ 1973، وأفرغ ما في جعبة الغرب مجتمعاُ وأميركا متفردة في إدارة وحكم العالم والعالم، وأممه وشعوبه صاغرة اما ارتهاباً أو لنقص في عناصر القوة وللاستثمار بمقاومة العرب والمسلمين المستدامة.
وكيفما قرأت التطورات والأحداث الجارية في العالم وبمختلف البيئات والملفات ستتحدث الوقائع والمعطيات الجارية والمعاشة إن تغيرات جوهرية جرت وتتعمق في توازنات القوى وتتثبت حقيقة صعود أوراسيا، وتولي روسيا ادارة الحرب مع الأطلسي بضفتيه وفي قلب أوروبا بعزيمة وثقة وقدرات نوعية تستند إلى ما تحقق في العرب والمسلمين من انتصارات وإنهاك واستنزاف لأميركا وحلفها وأدواتها، وإلى المستوى المتقدم الذي بلغته الصين اقتصادياً وتقنياً وبالقوة العسكرية، بينما أكدت أحداث أوكرانيا صلابة التحالف الروسي الصيني والتحالف المتين مع محور المقاومة بعاموديه وبفصائله، بينما كشفت الحرب هزال الهيمنة الأميركية على العالم وحتى على الحلفاء وقد تمردت آسيا والخليج وأميركا اللاتينية وأفريقيا، ولم تلتزم إملاءات أميركا وعقوباتها على روسيا، وارتباك وتأزم الاتحاد الأوروبي والناتو، وتمرد العديد من البلدان على الإملاءات الأميركية والتمنع من التزام الاجراءات الأميركية لمحاصرة روسيا، وتعصف باقتصاديات الغرب الأزمات الهيكلية، وتوفر كل شروط الانهيار الدراماتيكي للنموذج الاقتصادي الرأسمالي بنسخته الأكثر تطوراُ وعدوانية وتوحشاً الذي قادته أميركا، وفرضته حيث استطاعتـ وابتلت الأمم والشعوب وخاصة حلفائها ومستعمراتها بمثالبه وستأخذها معها إلى الانهيار بسبب النخب والبنى التي تلبورت وتوحشت في مجتمعاتها وأفقرتها.
فيما تقدم من معالجات في موضوعات بحثنا المعمق بفقراته اـ 6 تقصدنا عرض المعطيات والتحولات ونواتجها بواقعية شديدة، وتثبتنا من أن إسرائيل فقدت كل عناصر قوتها وهزمت في كافة الحروب التي خاصتها منذ 1973، وخسرت خلفائها وقواعد استنادها في العرب والمسلمين والاقليم، وباتت عبئاً على رعاتها، وهم أصبحوا عاجزبن عن امدادها والقتال عنها، ومنشغلين بأزماتهم وحروبهم التي انفجرت في حدائقهم الخلفية وتعصف بمجتمعاتهم.
والثابت المؤكد أن محور المقاومة راكم الانتصارات وامتلك رؤية واستراتيجيات أتت بنتائج مذهلة، وبات على وزن وقدرات نوعية في كل المجالات، لا سيما العسكرية والحربية، والشعب الفلسطيني أكد وحدته الوطنية النضالية الصلبة في سيف القدس، ويؤكدها ويعززها في كل يوم من أيام العز الرمضانية، وقد ايقن وتحول بغالبيته إلى امتشاق الانتفاضة والمقاومة بالدهس والسكاكين وبالسلاح الناري واستخدامه المتقن والحكيم، وبينما تقف غزة الصابرة والصامدة ومعجزة الأمم بالمقاومة والتمكن على جاهزيتها، لإسناد الشعب الثائر بالسلاح في الضفة وفلسطين الـ48 ومحور المقاومة من اليمن إلى إيران والعراق وسورية ولبنان على وعده وجاهزيته وقد صبر كثيراً وتحمل وقاتل ببسالة بانتظار اليوم الموعود.
وكل المؤشرات والارهاصات تقطع أنه استحق وبات راهناً، وقد علق السيد حسن نصرالله الجرس وأعلن مراراً أن تحرير القدس والصلاة فيها باتت قريبة، وأن الحرب إن وقعت سنحولها إلى تحد لتحرير القدس، واعلن أن المقاومة باتت تمتلك سلاح الدفاع الجوي ومصانع للمسيرات النوعية وقد تم اختبارها عمليا واثبتت قدراتها الاستثنائية في مواجهة القبة الحديدية واسلحة الدفاع الجوي الإسرائيلي والطائرات المتطورة وعادت إلى قواعدها، كما أعلن أن خبراء المقاومة يعدلون كل الصواريخ لتصبح دقيقة، وما تحقق في اليمن وفي لبنان وإيران وسورية ليس بعيداً عن متناول غزة، ولن تعجز الضفة وفلسطين الـ48 عن توطينه عندما تدعو الحاجة وتتوفر الظروف.
أما بعد
فليقل لنا المحبطون والمهزومون نفسياً والمراهنون على إسرائيل وأميركا والناتو وأدواتهم العاجزة والقاصرة في العرب والاقليم والمتراجعة في العالم على أي أوهام ينامون.
لقد انقلبت الظروف والشروط والبيئات التي توفرت لإنشاء الكيان الموقت وإعلان دولته المسخ وصعودها، وتمكنها من القوة والسطوة خاصة في عقد التسعينات من القرن المنصرم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وارتباك العرب واحترابهم وحروبهم لخدمة إسرائيل والمخططات الأميركية والغربية وكل تلك الظروف والمعطيات قد انقلبت إلى الضد وليس في الافق أو الأزمنة الاتية لقرون أن تعاود الانتظام في صالح إسرائيل والغرب المتوحش. .
قلناها ونشرنا كتابنا عام 2003 الانتفاضة، تحرير فلسطين أمر راهن، وقد تحررت غزة تحت النار وبلا تفاوض وهي من فلسطين التاريخية 2005.
وكتبنا وقلنا بعد حرب 2006 إسرائيل شجرة يابسة في حقل، لن تسقط إلا بهمة الفلاح أو بهبوب عاصفة جارفة، وإلا سينخرها السوس وتسقط من ذاتها.
إسرائيل اليوم نخرها السوس، وتتقاطر مؤشرات على تصاعد همة الشعب الفلسطيني ومحور المقاومة، والعاصفة تتجمع نذرها في الآفاق…
الشعب الفلسطيني في ثورة مسلحة هي الثالثة منذ 1978 يجتمع فيها الشعب بكل أطيافه ومناطق انتشاره، وتعود القضية وطنية وقومية وإنسانية كحق واجب الإنفاذ، ولم تعد تقبل المساومة أو التفاوض والقسمة.
كيف سيكون التحرير؟ بحرب اقليمية عاصفة وسريعة! أم بتوسيع مناطق سيطرة المقاومة في الصفة ومناطق الـ48، وتحويلها إلى حرب مواجهة واستنزاف وتصعيد في قلب فلسطين! أم يكون بتسارع انهيار النظام والدولة في إسرائيل تحت وقع التطورات والأزمات! وما هي احتمالاته وسيناريواته ومتى يتحقق الأمل؟ وما هو مستقبل المستوطنين؟ هل يتحقق النموذج الجزائري ام نموذج جنوب أفريقيا معدلاً بحسب قيم ومنظومات العصر والإقليم؟ وما هو مستقبل فلسطين، والعرب والاقليم…
تلك امور سنعالجها قريباً وكل المعطيات المادية تصادق على خلاصة بحثنا، أننا في أيام التحرير وعودة فلسطين من البحر للنهر أصبحت أمر راهن.
انتهى



