
قد حان وقت المراجعة – 12
بقلم محمد حسن العرادي – البحرين
هل يوجد تمييز في البحرين، ولصالح من يتم هذا التمييز، سؤال يتم تداوله بين المواطنين، لكن حالة من الإنكار وأخرى من الاستنكار يتم التعامل بها مع هذه القضية التي تشتكي منها البلاد، وتساهم في تأزيم الكثير من الملفات المعيشية، بل وتعطل الإستفادة من كثير من الكفاءات والكوادر المتخصصة في مختلف المجالات بسبب غياب الثقة بين المكونات والأطراف الفاعلة في المجتمع البحريني، وتحت هذه اليافطة يستعرض كل طرف قوته وقدرته على الإستغناء عن الأطراف الأخرى، وقد يعمل على حصارها وإبعادها عن مواقع القرار والمسئولية، أو يسعى لينزع عنها الشرعية.
الحكومة من جهتها تنكر وجود سياسة التمييز، وتقول إنها تطبق مبدأ تكافؤ الفرص، إلا أنها في حالات كثيرة تفضل التعاقد مع الأجانب والوافدين على حساب أبناء الوطن في كثير من المؤسسات الخدمية، لأسباب لا يتم الافصاح عنها بشكل شفاف، رغم وجود كفاءات وطنية وجديرة بالثقة في مختلف المجالات والتخصصات المهنية والإدارية بين المواطنين، لكن بعض الجهات الحكومية تتجاهلهم بحجة تنويع وإستقطاب الكفاءات والخبرات، خاصة في مجالات الطب والتخصصات الطبية الأمر الذي يعيق توظيف العديد من الأطباء (هل صحيح ان هناك اكثر من 500 طبيب بحريني عاطل عن العمل) والأخصائيين الصحيين البحرينيين في مختلف المجالات.
من جهة أخرى نجد أن الأطراف والتيارات السياسية المعارضة وبعض من جمعيات وشخصيات الموالاة تستنكر أجنبة وتغريب جانب كبير من القطاعات المهنية، وتعتبر ذلك نوعاً من الإقصاء والتهميش والتمييز ضد المواطنين الأحق والأجدر بالحصول على هذه الوظائف، وتنادي غالبية هذه الأطراف بالعمل على تطبيق مبدأ الأفضلية للمواطن ثم العربي ثم الأجنبي كما نصت على ذلك رؤية 2030، وفي الوقت نفسه تتهم بعض تيارت المعارضة الحكومة بممارسة العقاب الجماعي ضد المنتمين إلى بيئتها والتمييز ضدهم.
وبين هؤلاء وأولئك يعاني الوطن الأمرين، ويفقد الكثير من طاقات وجهود أبنائه، وتصبح مواقع ومراكز القرار بيد الوافدين والمنتفعين من أبناء الجاليات الأجنبية، بينما يضطر كثير من أصحاب الكفاءات والشهادات والتخصصات من أبناء الوطن، إلى الإختيار بين البطالة (نظام إعانات بدل التعطل المعبر عنه بالبطالة المقنعة) وبين الهجرة إلى الخارج إن توفرت الفرصة لذلك، وهكذا تتعثر برامج ومشاريع التنمية في البلاد، وتتراجع مستويات الخدمات العامة وتهرب الكوادر البحرينية بحثاً عن لقمة العيش في ملاذات آمنة وفرص مناسبة للنجاح واثبات الذات بدول الجوار أو ما وراء البحار (أوروبا، أميركا، أستراليا وكندا وغيرها) في إنتظار أن تنتهي حملات التشكيك في الولاء والإنتماء الذي تغذيها بعض الأطراف ضيقة الأفق ربما في محاولة لتحقيق مصالح خاصة على حساب مصلحة الوطن.
إن الأجانب والوافدين المتعاقدين مع القطاع العام أو القطاع الخاص، مهما كانوا مخلصين ويتمتعون بأعلى الكفاءات المهنية، سوف يغادرون البلاد آجلاً أم عاجلاً أمام أول فرصة مُثلى يحصلون عليها في أماكن أخرى حول العالم، لأن الوافدين ستكون إلى لقمة العيش أولاً ولمن يدفع أكثر وليس للبحرين التي يعتبرها كثير منهم جسر عبور إلى مستقبل أفضل في بلدان أخرى، كما سيختارون العودة لبلادهم أو للمواقع الأكثر أماناً وظيفياً عند حدوث أية هزة إقتصادية أو أمنية يستشعرونها، ثم أن أغلبهم لايقوم بنقل خبراته وتجاربه لأبناء الوطن في مسعى لإطالة مدة تعاقده، أو مخافة الاستغناء عنه، وهو إن فعل فسينقلها لأبناء جلدته وخاصة أقاربهم (هناك حالات ملحوظة من قوائم الأقارب وأفراد الأسر المنتشرين في مجالات متعددة لدرجة السيطرة) والذين يتم إحضارهم وتثبيتهم في الوظائف الجديدة، أو كلما برزت شواغر هنا أو هناك، خاصة وأن مدراء التوظيف وشؤون التنمية البشرية أجانب في الغالب، لذلك تبقى معظم المهن المتخصصة محصورة بين أيديهم، فضلاً عن إستمرار النزيف المالي والمهني الذي يتسببون به كلما طال أمد بقائهم في البلاد.
أما أبناء الوطن فإنهم ملح هذه الأرض، الذين يرضون بالقليل ويساهمون في ترسيخ الإستقرار والتنمية، ويضمنون توطين التخصصات والمهن المهمة والنادرة، كلما حصلوا على الفرص المناسبة، علاوة على أنهم لا يترددون في نقل تجاربهم وخبراتهم للأجيال الجديدة من أبناء الوطن العاملين في مختلف التخصصات والمهن،
وهكذا تتطور الأمم وتُشيّد الأوطان ويزداد الولاء والانتماء الوطني، كلما أصبح التنافس في حب الوطن وحمايته بين أبنائه، بعيداً عن الحسابات العرقية والمذهبية والطائفية، فوق كل إعتبار وقبل كل إنتماء.
لقد حان الوقت لمغادرة هذا التخندق المسيج بمبررات التمييز في مختلف الوظائف والمواقع الرسمية والخاصة، وآن الأوان لإعادة تطوير وتحديث خطط الخدمات العامة في البلاد، من خلال برامج مدروسة حان الوقت لوضعها وتنفيدها لتعزيز الثقة في الكوادر الوطنية وإتاحة الفرصة أمامها لإثبات ذاتها وتكريس وطنيتها أولاً وأخيراً، بعيداً عن حساسيات الماضي والهواجس التي رافقت أزمة 2011.
لقد تعلم الجميع الدرس، ولم يعد ممكنا أن يعود المشهد المنفلت كما كان ولن يعود أبداً، ومن دون شك فإن تلك المرحلة كانت قاسية على الجميع، ودفع الوطن وجميع مكوناته بسببها الكثير من علاقاته وخسر الكثير من ثقته، وقد حان الوقت لإعادة بناء الثقة، وأول الخطوات المطلوبة لتحقيق ذلك، التعامل مع الأجيال الجديدة بعيداً عن نظريات العقاب الجماعي، والله من وراء القصد، وللحديث صلة.



