
قد حان وقت المراجعة – 3
بقلم محمد حسن العرادي
هل كان تعامل السلطة وخاصة الأجهزة الامنية والعسكرية مع حراك فبراير 2011 عنيفاً، لا أحد يستطيع إنكار هذه الحقيقة التي تم توثيق شهاداتها في تقرير بسيوني (التقرير اعد من قبل لجنة عينها جلالة الملك واستلم تقريرها فيما يعد اعترافاً واقراراً بوجود أخطاء لابد من علاجها وتصحيحها) وقد أدى العنف إلى سقوط ضحايا وشهداء وجرحى وخسائر فادحة مقارنة بعدد السكان وحجم البلاد، ولا تزال تداعياتها قائمة حتى الآن، لكن بالمقابل هناك سؤال آخر يجب البحث عن إجابة له (هل وثقت المعارضة او اعترفت بعمليات العنف التي قامت بها بعض فصائلها)، وهل مارست السلطات الأمنية أقصى ما في تمتلكه من عنف ضد المتظاهرين والمحتجين في الدوار وغيره من ساحات التجمهر ، هنا يجب أن نعترف بالحقيقة ونقول كلا بالفم المليان، ولو كانت الأجهزة الأمنية قد إستخدمت كامل قوتها وقدرتها على البطش والتنكيل لارتفعت أعداد الشهداء والجرحى إلى المئات وربما الآلاف وتحول الأمر إلى كارثة.
في كثير من الدول التي مرت عليها عاصفة الربيع العربي الدامية، حدثت مجازر وإندلعت حروب أهلية ومواجهات نارية بسبب فلتان السلاح وغياب الأمن وإنفلاش النظام وتمدد موجات العنف المتبادل، وقاد ذلك في بعض الأحيان إلى انتشار السرقات وتشكل العصابات الإجرامية، وعمليات الخطف والقتل خارج القانون بشكل كبير، كما حدثت إنقسامات مناطقية وطائفية وعرقية لن تتمكن تلك الدول من معالجتها في وقت قريب، حدث ذلك في العراق وسوريا ولبنان وليبيا والسودان واليمن على سبيل المثال لا الحصر، لكنه ولله الحمد لم يحدث في البحرين بذات المستويات.
وقبل أن يقول أحد ما، هل كنت تتمنى أن يحدث هذا في البحرين، وهل تبرر العنف الذي قامت به السلطات ضد المواطنين المتظاهرين المطالبين بالحرية والديمقراطية، والذي راح ضحية له العديد من الأبرياء، أقول بأنني لا أبرر عنف السلطة في أي مكان واتفق مع اللجوء إليه كوسيلة لحل الخلافات، لكنني أفرق بين السلطات التي تتعامل بعنف شديد وقاسي ومفتوح، وتلك التي تتعامل بغلظة محسوبة رغم رفضي لكلا النموذجين وما يقع بينهما، فالحوار والاصلاح والبحث عن تدوير الزوايا وإيجاد
الحلول هو الخيار الأسلم والأفضل وربما كان الأنجع منذ البداية من وجهة نظري.
وفي الوقت نفسه لا أستطيع نفي التهم الموجهة لبعض التيارات والفصائل السياسية المتطرفة التي مارست العنف بصوره منفلته ولم تراعي التداعيات الناتجة عنه، ولا شك بأن العنف دائما يولد عُنفاً مضاداً، ومع ذلك هناك فرق كبير بين من يمتلك فائض قوة وقدرة وربما مشروعية ودعم دولي، ومع ذلك يمارس العنف بمقدار منضبط من وجهة نظره عن طريق أجهزة أمنية منظمة تأتمر بتوجيهات رسمية وتقف حين يقال لها كفى ويمكن محاسبتها ومحاكمتها إن هي تمادت ولم تلتزم بالتوجيهات، وبين من يلجأ إلى ممارسة العنف بحدوده القصوى بدون حساب لإمكانياته المتواضعة والقاصرة، وهو يعلم أن اندلاع العنف وسط الشارع لايمكن السيطرة عليه وعلى تفاعلاته، ورغم ذلك يقوم بزج الجميع في أتون عنف لا يعرف أين ستصل مآلاته.
كان على جميع الأطراف وبالأخص المعارضة العنيفة أن تُحسن التقدير ولاتطلق العنان لخيالاتها وأوهامها بأن صبر السلطات نابع من خوفها أو ضعفها وعدم قدرتها على إتخاذ قرارات المواجهة، وكان على المعارضة السياسية المصنفة في خانة الإعتدال أن لا تراهن على إمكانية جني الرطب من مزارع العنف، وأن لاتضع كل البيض في السلة الأميركية معتقدة بأن الوعود التي أطلقها بعض المسئولين الأمريكان الذين اجتمعوا مع مسئولين من المعارضة صادقة ونهائية وحاسمة، وأن لا تتوهم بأن الأمريكان سيدعمون مطالب بعض المعارضة بازاحة النظام وإقتلاعه، تنفيذاً لمبادئ العدالة والديمقراطية التي يتغنون بها، لمجرد أنهم شاهدوا عشرات الآلاف من المتظاهرين ينزلون إلى الشارع رافعين أصواتهم بشعارات “الشعب يريد إسقاط النظام”، دون أن يفطنوا إلى أن السلوك الجمعي غالباً يكون عاطفياً وينطفئ سريعاً.
لقد صدق الرئيس المصري الراحل حسني مبارك حين قال “المتغطي بالأمريكان عريان” وجميعنا يعرف كيف تخلى الأمريكان عن النظام المصري ذاته بعد أن خدمهم أجندتهم اكثر من 30 عاماً بعد اتفاقيات كامب ديفيد 1979، لكنهم أرادوا تدميره لمصلحة إبنتهم المدللة” المستعمرة الصهيونية” عندما اكتشفوا بأن الشعب المصري لم يبلع الطعم ولم يتقبل خلطة التطبيع الصهيونية الطعم والذاق، وقبل ذلك كيف أغرى الأمريكان الرئيس العراقي صدام حسين ودفعوه لغزو دولة الكويت الشقيقة بعد استهلاكه في حرب الثمان سنوات مع إيران الإسلامية، ثم كانوا أول من إنقض عليه وقاده إلى حبل المشنقه خدمة “لاسرائيل أيضا” ولاحقاً كيف تخلوا عن طالبان في أفغانستان بعد أن تحقق لهم إنهيار الإتحاد السوفيتي وتفكيكه إلى دويلات، وجميعنا شاهد كيف تعلق الأفغان الموالون لأمريكا في عجلات الطائرات وهي تغادر هاربة وتتركهم للمصير المجهول، وها هم يتخلون عن أوكرانيا بعد أن زجوا بها في أتون صراع عسكري غير متكافئ مع روسيا، ويبدو أن هذه الحرب لن تنتهي إلا بتدمير أوكرانيا وإقتطاع أجزاء كبيرة من أراضيها لتصبح دولة هامشية خاضعة لمشيئة أمريكا، وتساهم تجربتها في إخضاع وتأديب بقية الدول الأوربية وإعادتها لبيت الطاعة الأمريكي، ومن ثم التخلي التام عن فكرة تحويل أوروبا إلى لاعب عالمي رئيسي ومستقل عن أمريكا.
ودون شك فإن السلطات الأمريكية قد أطلقت الكثير من الوعود حول العالم وأغرت العديد من التيارات والحركات السياسية والعسكرية للإنقلاب على أنظمتها ثم تخلت عنها عندما إكتشفت أن من حرضتهم على الثورات والانقلابات غير قادرين على تحقيق الهدف المطلوب في الوقت المحدد، حدث ذلك في العديد من دول أمريكا اللاتينية والآسيوية، وها هو يحدث أمام أعيننا في فنزويلا حالياً، ونختم بالقول هناك حاجة ماسة للإنفتاح على السلطة في البحرين والبحث عن مخارج أو وساطات مقبولة تعيد فتح الحوار المجتمعي الذي يريح البلاد ويعيد تحريك قطار الإصلاح على السكة الصحيحة، بعيداً عن التبريرات التي تتهم السلطات بأنها رافضة للمصالحة، فهل نجد من يعلق الجرس، ويحمل المسؤولية المجتمعية بحق، ذلك ما ستجيب عليه الأيام وللحديث بقية.



