
هذه أصواتهن وتجربتهن في الميزان النقدي الحلقة 7 من 12
بقلم جهاد أيوب
نوال الزغبي (alto)، صوتها التو، حساس على رغم سرعة انكساره، وهو يشبه صاحبته من حيث الشكل، وخوض المغامرات من حيث صلابة نوال!
هي محاربة ماهرة في مجال يتطلب الجهود المستمرة، وفي أجواء تنافسية لا ترحم، صنعت نفسها بنفسها بعد أن فتح لها المخرج سيمون أسمر باب النجومية الكبير، لا بل رعاها رعاية أبوية أهلتها لتكون منتشرة ضمن إدارته المتحكمة، وهي استفادت من فكر وتطلع وبرامج المخرج الأستاذ، واستغلت كل مساحة قدمت لها بذكاء، واشتغلت على الشكل والحضور والأغنية التي تناسب مساحة صوتها الصغير وامكانياتها!
وحاولت نوال عبر السنوات الطويلة في مجال الغناء أن تقدم نوعية غنائية تليق بها، ورسمت لها خطاً يميزها عن غيرها، ولم تقم بغناء أكبر من قدرة الصوت الذي عندها، وهذا ذكاء، فالأداء يتطلب الذكاء، وفرض العضلات لمن لا يملكها يعني الانكشاف، بينما اختيار ما يناسب الصوت مع تنويع هو الشطارة والمعيار الصحيح للإستمرارية!
اقتحام الوجوه
من هنا تعتبر نوال الزغبي مجاهدة في البقاء إلى هذه السنوات رغم اقتحام وجوه جديدة في نوعية مشابهة لنوعيتها الغنائية وحتى في طريقة الأزياء وما شابه، والأهم الحروب التي شنت ضدها بسبب الغيرة والحسد فكانت تقابلها باستيعاب وتهميش رغم عدم تطنيشها إذا أتيحت لها فرصة الانقضاض!
نوال شفافة في اختياراتها وتعاملها ومحبتها وغضبها، وأنيقة شكلاً ومضموناً، وفي تعاملها مع اللحن والمفردات الكلامية، وتعبت حتى حفرت اسمها دون تنازلات، و فبركات، وأحقاد، أقصد نجاحات نوال في عالم الغناء يعود إلى طريقة تعاملها مع الآخر والفن وليس لمستشارين من هنا ومن هناك، وحينما تُسلم أمورها لأقرب المستشارين لها نجد أكثر من مشكل يحدث في حفلاتها، ونجد أكثر من معوقات تصيب الحفل بالخلل!!
والأهم تعرف نوال كيف تسوق أغانيها وكليباتها، ولا تكرر نفسها في هذا المجال، وتعرف أيضاً كيف تسوق خلافاتها الفنية إن وقعت، وقد تكون شرسة في الرد حتى لو ابتسمت، وقد تكون نعجة في المجابهة ولكن بحسم، وحسم شديد، وتعرف متى تطل في حواراتها التلفزيونية، وهنا بيت القصيد في أن تترك الشوق عند محبيها، وترفض أن تكرر شكلها وطلتها ومواضيعها، لذلك جمهورها ينتظرها حتى لو غابت كثيراً!
لديها بحة في صوتها العريض المليء بالإحساس، ولا تتعمد الانفعالات أو تفعل كغيرها ممن يتغنى بالعرب لحدود النشاز والإزعاج، وتفهم طبيعة صوتها وخامته دون فرض العضلات الكاذبة…هي تشبه صوتها، وصوتها يشبه شكلها!
مساحة الصوت
تدرك نوال الزغبي مساحة صوتها، من هنا لا تتعمد الصراخ، ولا فرض العضلات كما ذكرنا، مقاماتها محدودة ولا يصلح للغناء العالي، وقد يتوه وينشز إذا حاولت الاجتهاد على المسرح وخارج مقدرتها الصوتية، وهي واعية لهذا الحال، وتعرف حدود صوتها، وتسبح معه بذكاء ضمن ما هو متاح، واللافت أن نوال إن غنت همساً توصل إحساس الأغنية بعيداً عن تعمد الغناء على الطبقات العالية وغير المبررة، وفي هذا العصر لم يعد الصوت القوي مطلباً في الغناء على عكس السنوات الماضية، هذا الحال انتهى في 2000، وكان متبعاً في مصر ولبنان بين الذكور والنساء، وبين الذكور في القدود الحلبية في سوريا، اليوم المطلوب الاختيار، والإيقاع، وهذا لا يلغي أن سذاجة ما يغنى لا ينتشر، وما أكثر السذج والسذاجة في غناء اليوم!
وأيضاً لو تحاول نوال الإكثار من غناء التراجيدي لقطفت نجاحا أكبر، ولكن لغة الغناء السريع الراقص هو السائد، ومطلب رواد المسارح الصيفية، وبالتأكيد حينما تمرر أغنية تراجيدية تنجح وتتميز دون تعمد وجهد في الغناء، وادعوها اليوم إلى الإكثار من هذا اللون الغنائي لكونه يبقى رغم لا يفيدها في الحفلات الجماهيرية المفتوحة، فالناس تذهب للرقص وليس لتسمع خاصة جمهور جيل نوال ككل!
مرت نوال بتجربة عائلية حادة وخطيرة وصعبة كادت تقضي على مسيرتها وحضورها، وبذكاء منها، وبعفوية وصدق المشاعر استطاعت أن تجعل الناس يستقبلونها بحرارة وبمحبة، تعاطوا معها بلطف، وساندوها، ووقفوا إلى جانبها، ويا ليتها تستغل هذه العاطفة وتجرب التمثيل الدرامي أو المسرحي والسينمائي لربما استمرت أكثر من مجال الفن الغنائي، فالأيام تمر بسرعة والهمة تصبح تعبة، وهكذا صوت يشيخ مع العمر، وبالتحديد بعد وصول المرأة إلى سن اليأس، فاصوت هنا يصاب بالترهل، وتختلف ملامحه، وقد ينجح مع صاحبته نوعاً ما إذا أخلصت له، وقامت بتدريبات يومية له حتى تغني من خلال التجربة، ولمدة قصيرة، وكما أن الجمهور قد يبتعد عن الغناء الراقص مع الوقت، ويطلبه من وجوه شابة مختلفة وصغيرة وجديدة!
نوال الزغبي من الأصوات الصغيرة والناعمة صنعت شهرة واسعة حافظت عليها بذكاء وبشطارة، المطلوب منها اليوم التركيز على الغناء الوجداني مع تمرير أغنية شعبية، فالغناء الوجداني هو الذي سيبقيها في المرحلة المقبلة، إضافة إلى توسيع دائرة الفن من الغناء إلى التمثيل والمسرح، والأهم التنويع بين الشعراء والملحنين، والبحث دائماً عن مغامرة غنائية!
#جهاد_أيوب
#نوال_الزغبي
#أجواء_برس



