بحث معمق: فلسطين في انتفاضة ثالثة مسلحة لا سبيل لها إلا النصر والتحرير 4/…

عناصر وظروف أسهمت في تقوية إسرائيل في البيئة الفلسطينية والعربية والاقليمية والعالمية وقد انحسرت

ميخائيل عوض

توفرت لإسرائيل كل الظروف والشروط الموضوعية لتعاظم قوتها ولفرض سيطرتها، فبالإضافة إلى ما كانت تمتلكه من القوة العسكرية والدعم المباشر والكامل للجيوش والدول والشعوب في أوروبا وأميركا أيضاً وفرت لها الحربين العالميتين المزيد منها، فتجزأ الوطن العربي وانتج كيانات ونظم موالية للغرب وقاصرة وعاجزة عن انجاز الاستقلال وبناء الدول العصرية، وانشغال النخب والأقليات والأسر التي تم تسليطها على الشعوب والدول بمصالحها، وتثبيت أركان هيمنتها عبر طلب الحماية والإسناد من الغرب، ولاحقاً من أميركا المهيمنة، وتقديم فروض الولاء لها، ولتبرير نفسها افتعلت الاشتباكات والصراع مع العربيات الأخرى، وانشغل العرب بحروبهم وأزماتهم واشتبكت فصائل حركة التحرر عقائدياً وسياسياً، وانشغلت عن القضية الفلسطينية وإنجاز مهام الوحدة والتحرير، وما أصاب العرب أصاب الفلسطينيين بعد هزيمة الـ1948، وتحولت عتلة القضية الفلسطينية إلى أيادي الأنظمة، وبعضها كمصر وسورية وأخريات شهدت حراكاً شعبياً وانقلابات، واستقرت على شعارات وتوجهات قومية وتحررية، بينما الأخريات بقيادة السعودية أوغلت في التحالف مع أميركا والغرب، وأقامت العلاقات مع “إسرائيل” من تحت الطاولة، وصلت إلى تمويل حروبها ضد ناصر والأسد وفي الأردن واليمن ولبنان، وعلى أثر هزيمة 67 ومعركة المقاومة 1968، وصعود ظاهرات العمل الفدائي ومنظمة التحرير الفلسطينية وتوليها المهمة، ارتكبت الفصائل والمنظمة أخطاء قاتلة يوم استبدلت مهمة التحرير وتوفير شروطها وامكاناتها بالسعي لإقامة دولة بديلة في الأردن، ثم في لبنان، وقبول التمويل الإفسادي والإغراقي من السعودية وليبيا والعراق، والانشغال بملذات الحياة وجمع الأموال لزعماء المنظمة والفصائل، وأدت سياسات وتصرفات المنظمات إلى نشوء حالة عداء للقضية وللفلسطينيين في الأردن ولبنان، وانفضاض الرأي العام العربي عن تأييد المنظمة والفصائل، وزاد سعي المنظمة إلى الانعزالية وطرح شعار “يا وحدنا” والمنظمة الممثل الوحيد وانخراطها في محاور الصراعات العربية- العربية، ووقعت المنظمة والفصائل ضحية الانقسامات العربية وراهن الرئيس الشهيد عرفات على التسوية وأيد زيارة السادات للقدس، وبدأ تفاوض فلسطيني- إسرائيلي عبر خطوط ثانوية منذ 1973 من خلف ظهر سورية ودول الممانعة العربية، وفضل عرفات فصل المسارات وانجاز اتفاق ثنائي بعكس ما طالبت به سورية من حل شامل وتفاوض عربي موحد، وشهد لبنان معارك وحروب مسلحة بين الفصائل الفلسطينية ومع فصائل لبنانية وطنية، وهيمنت حقبة فساد وإفساد في المنظمة والفصائل عمقت النقمة المجتمعية على الفلسطينيين، وتالياً على القضية عزز منها مؤامرات غربية- عربية بدعم وإسناد القوات اللبنانية التي اتخذت لنفسها شعارات العداء للفلسطينيين والسوريين، وارتكبت المجازر في المخيمات وفي تل الزعتر، فنجحت الأفخاخ التي نصبت للمنظمة واستدرجت إلى التفاوض، وتوقيع اتفاق أوسلو والشعب الفلسطيني منهك ومحاصر ومتشبع نقمة على الدول العربية واجراءاتها القسرية واضطهادها للفلسطينيين، وأصبح شعار دولة ولو على ظهر حمار رائجاً وجذاباً ومطلباً شعبياً.

وجاءت أوسلو كثمرة للانتفاضة الأولى وسعي منظمة التحرير للتفاوض والتسوية وبإسناد من مصر والأردن والخليج وكأنها نصر يؤسس للتحرير الكامل، وانتقلت منظمة التحرير وقيادتها والفصائل التي وافقت أو قبلت بالاتفاق إلى غزة والضفة، وقبلت تسليم السلاح والاعتراف بإسرائيل وشطبت منظمة التحرير من ميثاقها، تحرير فلسطين من البخر إلى النهر، وبذلك تم تصفية دور اللاجئين في حمل راية القضية، وانتقلت الراية إلى غزة والضفة، التي فرحت بالإنجاز وتوهمت بنتائجه وكمنت روحها وحركتها النضالية، وقد أسهم بتراجع العمل المقاوم زلزال ضرب العالم وتوازناته بانهيار الاتحاد السوفياتي، وهيمنة أميركا العنجهية على النظام العالمي، ورعاية التفاوض منفردة وفي صالح إسرائيل بلا مواربة. كما ازدادت قوة إسرائيل وهيمنتها ونفوذها في أميركا نفسها عبر لوبياتها، والأخطر الارباك الذي أصبح فاعلاً ومؤثراً في الكونغرس والبيت الأبيض، وفي رسم السياسات الخارجية الأميركية خاصة في العرب واقليمهم وقضيتهم المركزية فلسطين، وصار الليكوديين حكام البيت الأبيض.

غير أن جذوة المقاومة المسلحة لم تنطفئ بل انتقلت إلى القوى الإسلامية، وبرزت حماس ومن ثم الجهاد وفصائل أخرى، ونجحت في توجيه ضربات مؤلمة لإسرائيل ومشروع أوسلو وثقافة المهادنة والتطبيع والتسويات، وتصاعدت أعمال المقاومة في الانتفاضة الثانية التي حفزها انتصار أيار 2000 في لبنان، وأشعل شرارتها زيارة شارون للمسجد الأقصى، وتقدمت حماس والفصائل الإسلامية وفرضت هزيمة على إسرائيل بتحرير غزة تحت النار وبلا تفاوض، بينما جرى تركيز المشروع الإسرائيلي وبإسناد مصري أردني- خليجي- عالمي، لتصفية المقاومة في الضفة ونزع سلاحها وحل كتائب الأقصى، المهمة التي نفذها أبو مازن بإحكام بعد اغتيال القائد عرفات وإطلاق يد الجنرال الأميركي دايتون الإعادة هيكلة أجهزة السلطة وتحويلها إلى قوة لحدية لحماية وتأمين إسرائيل والتآمر على الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.

في سياق آخر أمنت أميركا والأطلسي إسرائيل بعد إعلانها دولة بإنشاء منصات لتخديمها وللتعاون معها لتخديم الهيمنة الغربية، وكانت إيران الشاه أحد أخطرها إلا أن الثورة الإسلامية قلبت دور ومهمة إيران، التي تحولت لتكون قوة الدعم والإسناد والتسليح والتمويل الأول لفصائل المقاومة، وتركيز الجهد والشعار تحت عنوان القدس ويوم القدس وقوة القدس، فالقدس أصبحت أولوية إيران والفصائل الموالية والمتعاونة، وإيران الثورة الإسلامية لم تبخل بشيء ولم تلن أو تنكفأ أو تساوم أو تقبل عروضاً لتخليها عن القضية الفلسطينية.

ومن المنصات في الغلاف المحيط التي استندت إليها إسرائيل وشكلة قوة إسناد محورية لها، كانت السعودية ومجلس التعاون الخليجي الذي قاد التآمر على ليبيا وسورية والعراق، وسبق أن أنهك مصر ناصر في اليمن، وعلى إيران وأسند السعودية بغزو اليمن وتدمير سورية  والعراق في خدمة إسرائيل وانفاذ استراتيجيات أميركا بالفوضى وتقسيم المقسم، ومحاولات بعث الفتنه السنية – الشيعية، وتأمين إسرائيل لقيادة العرب والمسلمين بتحويلها إلى عظمى تقود دول صغيرة منهكة ومحتربة وموالية للغرب. إلا أن هذه القوة الاسنادية لإسرائيل استنزفت، وخسرت الحروب والاموال وانكفات عن سورية، وقررت وقف غزوتها لليمن وتصاعدت تعارضاتها مع أميركا في الحرب الأوكرانية، واستضافت الإمارات الرئيس الأسد ايذانا بالاعتراف بالهزيمة والسعي لفك الحصار عن سورية وجعل مناورات وعلاقات التطبيع مع إسرائيل مجرد حفلات إعلامية وعلاقات عامة، لا تغير في موازين القوى المحققة ميدانياً وبالحروب. ومن المنصات التي استندت إليها إسرائيل الاحتلال الأميركي للعراق واستخدام منصة أربيل للتحرش بإيران والحشد وسورية، وجاءت الضربة الصاروخية الإيرانية لمقر الموساد في أربيل كعملية كاسرة ورادعة تؤشر إلى انتهاء تلك المنصة ووظيفتها، مترافقة مع تحويل الوجود الأميركي في العراق من مقاتل إلى تدريب، ومع النتائج الباهرة لهزيمة أميركا المذلة من أفغانستان وخسارة أميركا- إسرائيل  لمنصاتها ونفوذها في وسط آسيا، ومع الانحسار الأميركي في العرب والمسلمين ينحسر نفوذ السعودية في العالم الإسلامي وتتراجع قدراتها ودور أدواتها الناعمة كما تتحفز باكستان وهي آخر منصات أميركا في آسيا وأخطرها في الإسلام بالتراجع الحاد وتتحفز باكستان لثورة شبيهة بإيران في وجه الهيمنة والتدخلات الأميركية فيها، ما سيؤثر جوهريا على ولاء وتبعية تركيا للناتو والأميركي، وقد باتت آخر منصات أميركا الناتو- إسرائيل في العرب والمسلمين، خاصة بعد سقوط الإسلام السياسي السني بثلاثيته؛ الإخوانية والوهابية والسلفية، وانحسار الفصائل المسلحة السنية التي اعدتها وادارتها ومولتها الإدارة الأميركية- السعودية والخليج وحاولت تركيا أردوغان عثمنتها، وانكسار موجة الإسلام هو الحل، وانهيار التفاهمات الأميركية- الإسرائيلية مع حركة الإخوان المسلمين وخسارتها الحقبة وانهيار نموذجها.

وبالنذر التي تقطع بخسارة تركيا لأوهامها العثمانية وتأزمها وارتباكها وهزيمتها في سورية وتراجعها في ليبيا والعراق وأفغانستان، وفي جمهوريات آسيا الوسطى والعالم التركي بعد حرب كره باخ وحرب أوكرانيا وتأزمها الاقتصادي الاجتماعي. تكون إسرائيل قد خسرت كل وأي من منصات اسنادها ودعمها في البيئة العربية والإسلامية والمحيط، وبتأزم أميركا والاتحاد الأوروبي وبانشغالهم بأزماتهم الكارثية وبحرب أوكرانيا وما توفره من مخاطر على استمرار السيطرة الأميركية وما ستؤديه من تفكيك الناتو واحتمالات تفجير الاتحاد الأوروبي، تكون إسرائيل قد خسرت كل عناصر الاسناد والدعم العالمي والاقليمي والعربية، وبانتقال عتلة الحركة الوطنية الفلسطينية إلى فلسطيني الـ48، وتحفيز الضفة على الانتفاض المسلح تخسر أيضاً إسرائيل نقاط قوتها ونقاط استنادها الفلسطينية.

هكذا انتجت التطورات والأحداث والحروب خلال الـ73 سنة على إعلان دولة إسرائيل تحولات فرط استراتيجية كلها في غير صالح إسرائيل وتجردها من عناصر قوتها واسنادها ودعمها.

…يتبع

غدً: في عناصر قوة مجور المقاومة وتصاعدها…

التحرير آتٍ آتٍ

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى