
شيا وفوضاها النيابية في خدمة من؟ ولأي أهداف؟
ميخائيل عوض
التحليل السياسي
ما زال الاحتمال الأرجح ألا تجري الانتخابات في موعدها بناء على معطيات شركات الاستطلاع والدراسات الموضوعية لاتجاهات الرأي العام، التي ترجح خسارة أميركا وشيا لرهاناتها على تحصيل أكثرية نيابية وازنة لإضعاف المقاومة والتشكيك بشعبيتها وتمثيلها، ومشروعياتها الدستورية، ولرهاب المنظومة وكتلها من ضياع أكثرياتها وفقدانها الحصانات النيابية.
إلا أنه إذا صممت شيا وقررت لحساباتها ولرهاناتها فستكون الانتخابات النيابية في موعدها، على غير حاجات الطبقة والمنظومة بكامل فرقائها وزعمائها، والكل في حساباته سيكون خاسراً ويخرج من المعركة الانتخابية أضعف وأقل حواصاً، تالياً ستتقلص حصته في الدولة والنهب وجني الثروات وبناء النفوذ والاستزلام.
حتى الثنائي الشيعي على رغم اطمئنانه لحاصله وافتراضه أنه سيحجز كل المقاعد الشيعية لنفسه، ويستقوي بالميثاقية والديمقراطية التوافقية لإدارة البلاد على التسويات، يفضل عدم إجرائها فهو يطمئن لحاضره وماضية ويخاف من غده.
والرئيس بري يستشعر أن وزنه وقدراته في وجه حزب الله وفي الدولة ومؤسساتها ومكانته عند الآخرين، ستثلم بخسارة سعد الحريري وكتلته وخسارة جنبلاط لعدد من نواب كتلته، وانحسار تأثير القوات اللبنانية، وسيصبح أكثر عرضه للابتزاز من الجميع، ناهيك عن احتمال وجود أكثر من منافس لرئاسة المجلس بغياب الكتل المذهبية الكبيرة والوازنة التي كانت تؤمن التسويات، ووصول نواب شيعة من خارج الثنائي، وسقوط مقولة الأقوياء في طوائفهم.
عليه وبما أن شيا تقود المنظومة وغالبية واجهاتها من الزعماء والمسؤولين يعملون في خدمة مخططاتها وتوفير شروط نجاحها، فالانتخابات جارية أن هي قررت وفرضت.
يصبح السؤال؛ لماذا تصر وما رهاناتها؟ وكيف تخطط لحصد النتائج؟ ولو لم تستطع إنتاج كتلة كبيرة منسجمة تحت أمرتها؟
برغم أن حزب الله سيحقق أعلى الأصوات لمرشحيه ومطمئن لكتلته الصلبة القادر على استحضارها وزجها، وقد أعلنها السيد نصرالله لدينا مئة ألف لبناني منذ أكثر من مئة سنة مؤطرين ومهيكلين ومدربين ومعبئين، عدا النساء والتعبئة والنقابات والقطاع المهني وبحساب أن كل منهم يمون على أربعة أصوات فحاصل نواب حزب الله سيفيض عن الأقرب اليه بأضعاف مضاعفة، وسيحصد مع أمل الحصة الشيعية النيابية أوما يقاربها؟
الجواب يكمن في المعطيات التالية؛
1- استطلاعات الراي ما زالت تعطي نسبة بين 40 و75% من المستطلعين الذين لم يقرروا المشاركة في الانتخابات ولم يقرروا لمن سيعطون الأصوات، ويحسمون بعدم التصويت للمنظومة وزعمائها وأحزابها، وهذه بيئة ممتازة لتطبيق مشروع الفوضى الخلاقة للإدارة الأميركية على الانتخابات النيابية اللبنانية، فالفوضى وإنتاج كتلة هلامية لا قوة مركزية ولا زعيم يقودها ويضبطها توفر لشيا الآمرة والقيادة والتصرف بحرية من دون مناورات أواعتراضات كانت عانتها مع الحريرية وبعض الكتل الوازنة.
2- كيفما احتسبت نتائج الانتخابات وبعد خروج الحريري وانهيار السنية السياسية، فغالبية هلامية بلا زعيم ولا ضوابط ولا حسابات لمصالح محلية أو زعامتيه عطلت سابق تنفيذ أوامرها حرفياً وبالوقت المطلوب، فشيا ترتاح كثيراً لأمثال السنيورة ونموذجه ممن سيرثون التمثيل ويكونون عدداً لابأس به في برلمان 2022، إذا جرت الانتخابات على مزاجها، لتتشكل كتله لا تجتمع ولا تتوحد فيما بينها وكل مكوناتها أفراد ذوات ومشاريع زعامات وطموحات ببيوتات سياسية توريثيه، يعزز هذا الاحتمال أن حزب الله المستهدف من مشروع شيا، وقد توفرت له الفرصة والظروف ذاتها والشروط المناسبة لإنتاج أكثرية غير معادية له وغير ملتزمة بأوامر شيا، إلا أنه على ما يبدو قرر عن سبق تصور وتصميم، كما تفيد تصريحات وخطب مسؤوليه، وحسابه لكتلته التصويتية، أنه لا يسعى للاستثمار بالفرصة وجل هدفه من الانتخابات إنتاج التوازنات القديمة، فالأكثريات لا تفيد كما يقول نائب أمينه العام والسيد صفي الدين. وفي عرف الأزمنة والظروف الموضوعية أن الفرص سريعة النفاذ والتي لا تستثمرها في حالات الحرب والاشتباك، تكون أهديتها لعدوك، فكيف والعدو أميركا المتمكنة من المنظومة والنظام وتخترق الدولة وتتحكم بالسياسات حتى التفصيلية، ولها باع في المجتمع ومنظماته وكتله السياسية والمهنية والاجتماعية.
3- بحسب استطلاعات الرأي ودراسات المتخصصين بالانتخابات والرأي العام واتجاهاته، فالزعامات الطائفية والمذهبية ستلوذ بحماية كتلها وتمثيلها للطوائف والمذاهب أولاً لاستخدام الميثاقية في حماية نفسها ونفوذها في الدولة.
فالثنائي الشيعي سيحرص على حصد كل المقاعد الشيعية وهذه قد تلزمه في غالبية الدوائر بلوائح لا يحتمل فيها زوائد وان حمل يزداد احتمال خسارته في الشيعة، أقله من حصة الحلفاء فالقانون الانتخابي سيعمل في دوائر بغير صالح الحزب واستخدام كتلته التصويتية الصلبة وأولوياته نوابه وحواصلهم والحاصل العام الذي يعطيه الشرعية الشعبية، وهذا أحد أهم أهداف شيا، وبكل حال سيكون خاسراً، أما من حصة حلفائه الشيعة أو من حلفائه الطامحين والمتكلين على ماكينته وقدرته التجييرية، الذين سينقلبون عليه ويحملونه مسؤوليات تخسيرهم، وفي هذه كسباً لشيا ومشروعها والخسارة ستصيب جنبلاط، فهو في حاجة إلى الكتلة الدرزية كلها وسيحرص على إلا يخسر نائب درزي واحد، ولم يعد قادراً على إهداء إرسلان مقعده، ويتخوف من احتمالات خرق لوئام وهاب، وعليه فلن يتحمل أعباء وأثقال مسيحية في لوائحه، ولن يستطيع تجيير أصوات لتأمين حواصلهم، وإذا اضطر فقد يفرط بالسني في دائرة الشوف عاليه، ومن سيخسر من الطامحين بسبب تخلي الجنبلاطية عنه، فلن يجد أكثر دفئاً من حاضنة شيا، أما الذين سيخسرهم التيار والقوات فجلهم يناصبون حزب الله ومحوره العداء والمعارضة، وملاذهم الحضن الأميركي الواسع والدافئ.
4- لوائح ومرشحي المجتمع المدني والـngos يمكن تطويعهم بالمال، وبالضغط وبالوعود وبالمناصب والأموال، وأمر شيا نافذاً عند الأغلبية، وامكانية تشكيل لوائح وازنة من غير المحروقين والمرفوضين من بيئاتهم موفورة، وتمويل لوائح لفاعليات أهلية وعائلية ومجتمعية وعشائرية ومتمولين مقبولين ومنافسين لحزب الله وحلفائه واسنادهم قد يوفر عناصر وأسباب للنجاح على حساب المنظومة وأركانها والطبقة وتحالفات الثنائي الشيعي، وتتركز العيون والأصابع والجهود على بيئته وتحالفاته وعلى نقاط ضعفه وعلى شقوق التباينات مع قاعدة حركة أمل وفاعليات شيعية، كما يقول خبراء شيا وشركات الاحصاء.
إذن في حسابات ومخططات شيا والإدارة الأميركية يمكن تفعيل استراتيجية الفوضى الخلاقة التي قادتها رايس في الاقليم وترجمتها في لبنان، وإنتاج فوضى نيابية وبقرار حزب الله عدم استثمار الفرصة وتجييرها لصالحه وحلفائه ومحوره. تصير شيا القادرة على الاستثمار بعدها، فالكتلة النيابية المائعة التي ستنتجها الانتخابات يمكن لشيا الاستثمار فيها وفرصها أفضل من الاستثمار بالكتل الكبيرة المعاندة، والتي تحمي مصالحها وتخاتل الأوامر والخطط الأميركية، كما تستثمر شيا في البيئة الشيعية المرتبكة والمفقرة والمتشككة بقدرات وبنتائج قيادة الثنائية لها منذ عقود، وقد وصلت البلاد إلى الكارثة المحققة، ولم ينجح الثنائي بالحؤول دون وقوع الكارثة، أوالتمايز في اجتراح حلول وقرارات تمنع حصولها، ومن غير المستبعد أن تحقق خروقات وازنة في التمثيل النيابي الشيعي على زعم وتقديرات خبرائها وشركات الاستطلاع، وكما تحاول وتشتغل بكل طاقاتها وأدواتها من أعداء المقاومة والمعترضين عليها، والذين باتوا سراً وعلناً يحملونها مسؤولية ما آلت إليه البلاد وحال العباد، وقد نجحت إلى حد كبير الحملات الإعلامية التي استهدفتها واتهمتا بمسؤولية ما صار من واقع مزري.
ولم تعد الكتلة المحورية في البيئة الشيعية مقتنعة بتلازم ثنائية المقاومة والسلاح مع استمرار نظام ومنظومة الفساد، وقد ضربت قاعدة الثنائي أزمات تتصاعد وتوسع شقة التباين بينهما ومع شارعهما، ومع خسارة أمل لمكاسب الوظيفة العامة وخسارة بيئتها من المغتربين والرأسمال الشيعي للودائع والفرص والأعمال تتسع شقة التباينات واحتمالات تمرد القواعد، ويغري شيا ومشروعها أن حزب الله لم يبدع تكتيكات واستراتيجيات وخطط جديدة لجهة هجمتها النيابية، وما زال يفكر بقواعد الماضي ويخوض الانتخابات بحسابات نتائج 2018، وتحت ذات العناوين والشعارات، ولم يلحظ أنه أخفق في الحرب الاقتصادية الاجتماعية وبالحرب على الفساد، وشعاره للانتخابات “نحمي ونبني” لن يكون له أثر جاذب أو حافز للمشاركة بالانتخابات وإعطاء الثنائي الأصوات بعد أربع سنوات فلا الحزب وكتلته، ولا الثنائي حمى من الانهيار واغتصاب حقوق الناس، ولا بنى في واقع تعطل عمل الدولة وتقديماتها، وكل ما قدمه تبخر واستنزفته المنظومة، بل نجحت في تحويل تقديماته إلى نقمة عند من لم تصلهم، وقد تبخرت بسياسات اللعب بالدولار والأسعار والكهرباء والاتصالات والاختناقات التموينية، وسيتحمل الحزب مسؤولية في تمسكه بوزارة المال المسؤولة عن تمرير موازنة الإفقار والتجويع. وتستثمر الحملات ضده ورهانات شيا في مازق الترشيحات للثنائي الشيعي، فشعار الرئيس بري باقٍ رئيساً للمجلس حتى الأجل، يستدعي في الذهن حتى الشيعي متلازمة الثنائي سلامة حاكم المصرف، وبري رئيساً للمجلس لعقود كثابتين على رغم المتغيرات والتحولات في الحياة السياسية والعامة، وتلك ستكون هدية مسمومة للكتلة الشيعية، فالمصرف والحاكم هم من أفلسوا المودعين وشفطوا ودائع المغتربين وأفقروا عائلات الموظفين، ويزيد تمسك أمل بترشيحات ذات الوجوه بذريعة تأمين الحماية لهم وبتجاهل العائلات والعشائر والنخب الشيعية الطامحة، والتي تستحق لا سيما أن الحفاظ على القديم سيزيد من النقمة والإحباط والشعور بمستقبل أكثر ظلامة وظلماً، والأمر نفسه يعاني منه حزب الله بترشيحاته إذا بقي على قديمة متجاهلاً تمثيل المناطق والبيئات والعشائر والعائلات والنخب، مع فارق أن زمن الانتصارات والبحبوحة والوعود وانخراط السيد حسن نصرالله شخصياً في الحملات الانتخابية 2018، غيّر زمن الانكشاف واتساع الوهدة الاجتماعية بين من يقبض بالدولار ويضمنه وعائلته حزب الله، وبين من يقبض بالليرة، أو ليس ولم يعد له مصدر أو فرصة أو ضمانات وضامنين. وحسابات شيا وخبرائها في هذا السياق قد يكون ملامساً للحقائق ولمتغيرات اتجاهات الرأي العام، حتى في الكتلة الشيعية وقد تأتي النتائج مفاجئة وصاعقة للعقل التقليدي الذي م ازال يعيش في الماضي ويرتهب من الرهان على المستقبل وخوضه، وتقديم شعارات وبرامج مستقبلية تصنع الأمل وتحفز الناس للمشاركة ولمنح الأصوات، فما فات قد مات والأمس لا يعود والشعوب لا تعيش على ماضيها، والانتصارات التي كانت ذات قيمة نوعية في زمانها أصبحت من سكان زاويا النسيان.
والمحفزات للناس تكمن في الوعد المستقبلي القابل للتحقيق والواعد بالأمل، وهذه كما يبدو لم تتسلل بعد لعقل المستهدفين من مشروع شيا، بينما هي قاعدة التفكير الأميركي وحافز شيا للفوضى النيابية والاستثمار فيها.
ما هو عليه الثنائي الشيعي من عقل تقليدي ما ضاوي وأهداف وشعارات لخوض انتخابات 2022، أصاب ويصيب أركان المنظومة الباقية بعد انكسار أهم أعمدتها بانسحاب الحريري وانهيار السنية السياسية. فالقوات ستخسر من كتلتها أيضاً لأنها اختبرت ومسؤولة كالأخرين عما بلغته البلاد ولم تقدم مشروعاً أو رأياً أو شعارات خلاصية مستقبلية عاقلة وممكنة التحقيق، وهي لم تتميز بتقديمات اجتماعية وأو بتصرفات مختلفة عن تاريخها وعن الآخرين، وانتداب نفسها لتحمل عبء المشروع السعودي الذي ناءت تحته السنية السياسية، يضعفها ويجعلها في نظر الغالبية وفي بيئتها، انتحارية وخدمية للغير، وجل مشروعها زيادة عدد نوابها والوصول بجعجع إلى قصر بعبدا، والعقل الجمعي المسيحي يسأل؛ وماذا أفادنا قصر بعبدا وقيادة الجيش وحاكم المصرف ومجد بكركي وحمايتها للفاسدين بذريعة استهداف الطائفة، في واقع أن الكتلة المسيحية من أكبر المتضررين والأكثر إفقاراً بناتج نهب الودائع ورواتب التقاعد وأموال النقابات والضمان والبلديات وانهيار منظومة الخدمات والرواتب والارتفاعات الفلكية بالأسعار وأسعار الخدمات.
أما شأن التيار الوطني الحر فسيكون حصاده الأكثر مرارة، وقد اشتبك مع الحلفاء وخسر بنيته الصلبة ويتخلى عنه الجميع ولا يجد حلفاء وفي دوائر لا يجد مرشحين له أو كحلفاء، والكل يهرب من التعاون معه خوفاً من الخسارة، وكالأخرين ما زال يفكر بعقل ماضوي وتقليدي، مفترضاً أن جمهور الناخبين من الجهلة، وغير مدرك أن حجته وشعاره الانتخابي (ما خلونا) سينعكس بكسر ظهره انتخابياً، والمنطق يسأل؛ كنتم في القصر وأكبر كتله نيابية وعطلت انتخابات وتشكيل حكومات على شروطكم وحقائبكم، ولكم تحالف مع حزب الله وتسوية مع الحريري وتفاهم مع معراب وما خلوكم، وانهارت البلاد في عهدكم ولم تفلحوا بتحقيق أي من وعودكم، فما نفع الناخبين من اعطائكم الأصوات لتعزيز فرص الوزير باسيل ليحل محل عمه في قسر بعبدا. والحق أن لا شعارات ولا تحالفات ولا برامج ولا أمل يحمله التيار الوطني للناخب المسيحي واللبناني، فلماذا سيعطيه الناخبون أصواتهم؟ وهنا أيضاً يبدو أن استطلاعات شيا وأبحاث خبرائها في الانتخابات واتجاهات الراي العام، وعلم النفس الاجتماعي قد اكتشفت الثغرات وتراهن على أن انكسار التيار الوطني والحاق هزيمة كبيرة به ستنعكس بهزيمة لحليفه حزب الله وسيجري استثمارها بقوة واحترافية لعزل حزب الله بمقولة؛ أنه يتخلى عن حلفائه ويتركهم وسيجري التشكيك بوفائه ومن أقرب المحسوبين عليه أيضاً وسبق أن اتهموه وتطاولوا عليه في صيدا وفي طرابلس والشوف عاليه، وكل من سيرسب بالانتخابات سيحمل حزب الله المسؤولية ويتهمه بعدم وفائه وينصح بالقول إن حصاد التحالف مع حزب الله خسارة وانكسار، وهذا ما أصاب من قبل كل من راهن وتحالف مع حزب الله من مجاميع إسلامية في طرابلس وعكار، كمثل مصير حركة التوحيد الإسلامية وورثتها ومصير الشيخ هاشم منقاره وأمثاله، وفصائل جبهة العمل الإسلامي، وما آلت إليه، وهذه تفيد مشروع وخطة شيا في فرض الحصار المجتمعي على الحزب والمقاومة وتجريدها من حلفائها، وتحويل الحزب والسلاح إلى عبء على الجميع، بما في ذلك القاعدة الاجتماعية لحركة أمل والعشائر والعائلات وغير المستفيدين مباشرة من تقديمات ودولارات حزب الله.
وللتذكير أن نفعت الذكرى فالإدارة الأميركية ذهبت بالعراق إلى انتخابات مبكرة واستثمرت بفوضاها، ولم تنشد أكثرية موالية علنية لها ومن خاصياتها، وقد حققت نتائج نوعية وأربكت الفصائل والحشد الموالي لإيران وأخذتهم على حين غرة، بينما هم غارقون بتفكيرهم الماضوي ومعتدين بوهم فائض القوة وماضٍ الانتصارات، ولم يتحسبوا لتحولات الرأي العام ولقدرة الدعاية المضادة على تحميلهم مسؤوليات فساد وإفقار العراق وشعبه، بينما المسؤول عن تدمير العراق ونهبه الاحتلال الأميركي وحلفائه وشركائه. والسيناريوات ذاتها تختبر في لبنان وتبقى النتائج معلقة على خيارات وخلاصات دراسات حزب الله للتجربة العراقية ولواقع الحال والفرص والظروف في لبنان، فليس من جهة معنية في امتلاك رؤى وخطط وحشد القوة لالحاق الهزيمة بمشروع شيا إلا حزب الله والمقاومة المستهدفان، وقد أعلنتها شيا حرب بلا هوادة وطوعت كل ما توفر لها من قضاء وإعلام ومال ومفاتيح في السلطة والمنظومة، وستخوض الانتخابات كجولة فاصلة، فلا شيء يمنع شيا من النجاح وحصد النتائج ولا يحول دونها إلا أزمة انفجارية في أميركا وتبدو قابليتها عالية، وأو انسحابية غير منظمة من الاقليم أو انتفاضة وأو حرب في الضفة الغربية ومع “إسرائيل”، ومن المؤثرات المغيرة في الأحوال والنتائج احتمال استيقاظ الدور السوري في لبنان مدعوماً من الصعود الأوراسي- الصيني- الروسي، وأهمية لبنان لخيارتهم ومستقبل توازنات القوة وسوق النفط والغاز في المتوسط، والتأثير في مستقبل أوروبا والناتو، فالموقع الجيوبوليتكي للبنان اليوم ذو أهمية تأسيسية في مستقبل الاقليم والعالم.
وإذا توثقت شيا من أن أحداً تعرف للواقع وفرصه، وقرر الاستثمار وقطع الطريق عليها في الانتخابات، وما تراهن عليه من فوضى نيابية، فستجد حماسة عند المنظومة وزعمائها وكتلها للتمديد والمزدوج أيضاً كأفضل خيارتها، أقلها خسائر ولو لحين.
ويستمر الاختراق الأميركي للدولة والمنظومة، وتتكرس حقيقة أن شيا هي القائد الفعلي والآمر الناهي حتى في الاستحقاق الدستوري تأجيلاً أو تمديداً أو إجراء.
وبكل حال فموعد الانتخابات اللبنانية ونتائجها مرهونة، وستتأثر بما هو جار في الاقليم والعالم من حقبة الغليان والتوترات والتبدلات المتسارعة، وانقلاب موازين القوة والنفوذ، وجلها سيترك آثاراً على الانتخابات لجهة حصولها أو عدمه ولنتائجها أن حصلت وعلى مستقبل الكيان والنظام وتوازناته .



