
سرديتنا أم سرديتهم
ظافر الخطيب
وانا اتتبع دورية الفورين افيرز (foreign affairs) الأمريكية، لاحظت أنها افردت على صفحاتها مساحة كبيرة لمقالات عدة بما يتجاوز ست مقالات، ومن بين كتاب المقالات كان هناك مقال لمارتن انديك السفير الأمريكي السابق والمبعوث الخاص للسلام في الشرق الأوسط، وفلسطينيين كالدكتور خليل الشقاقي ود. منير مشير ود. يوسف منير وبالإضافة الى كتاب من (إسرائيل).
وحتى وقت قصير، أي مرحلة ما قبل العدوان الإسرائيلي والهبة الفلسطينية الكبيرة وما افرزته من انتصار فلسطيني خرق جدار الخيبة والانحدار، حتى وقت قصير كان تركيز المجلات و الجرائد والدوريات مثل(نيويورك تايمز فورين افيرز،ايكونومست..ألخ) على الشؤون الداخلية (جائحة الكورونا ونقاشات الكونغرس حول موازنة استثنائية لتحديث البنى التحتية، الوضع الاقتصادي، البطالة … الخ)، وعلى الصعيد الخارجي كانت مسالة الانسحاب من أفغانستان احتواء الخطر الصيني، والاستبداد البوتيني في روسيا والمفاوضات مع ايران الشغل الشاغل للمحللين و كتاب المقالات .
أي ان القضية الفلسطينية والصراع في فلسطين لم تكن تحظى بأي اهتمام، في حين ان كل هذه الدوريات كانت تهتم بالحياة السياسية في “إسرائيل”، وتفرد مساحة دائمة للصراع والتنافس من اجل تشكيل الحكومة فيها. صحيح أن الاهتمام المفاجئ يرتبط بتطور الأوضاع في فلسطين واشتعال جبهات المواجهة مع الاحتلال، إلا أنه تجب المفيد الإشارة الى بعض الملاحظات التي قد تفترض أن هناك تحولاً ما يحدث، يجب قراءته بموضوعية عالية من اجل الخروج باستخلاصات تفيد في بناء برنامج الدعاية الفلسطينية المضادة بها يمكنها من تصحيح الخلل التاريخي الذي ساعد على هيمنة السردية الصهيو- توراتية.
لماذا يجب ان نفترض؟
ان مقارنة بسيطة بين الأداء الإعلامي الحالي وسابقه، يرى التالي:
اولاً: ان الدوريات والمجلات والجرائد كانت متحيزة بشكل كامل ضد الشعب الفلسطيني وقضيته.
ثانياً: كتاب المقالات او التقارير الإخبارية كانوا غالبا إما إسرائيليين او أمريكيين مؤيدين لإسرائيل.
ثالثا: هيمنة محتوى معادي ويغطي جرائم الحرب والممارسات الإحتلالية الصهيونية.
رابعاً: محتوى يسعى الى تقديم إسرائيل بصورة ضحية.
يمكن استخدام الفورين افيرز والإيكونومست كأساس للمقارنة، إن كان من حيث الاهتمام (كمية المواد المنشورة) نسبياً او من حيث المحتوى، ويمكن الخروج ببعض النقاط التي تحتاج بدورها الاحتياط حتى لا تكون خادعة ولا تعبر عن الحقيقة:
اولاً: على الرغم من أن هذه الدوريات حافظت على تحيزها النسبي ضد الفلسطينيين، إلا أن هناك مصطلحات تستخدم للمرة الأولى ولها ظلالها السياسية مثل كلمة (الاحتلال الدائم)، (انعدام العدالة) كسبب للأوضاع المتوترة، في جريدة الايكونومست.
يضاف الى ذلك الإشارة الى عدد الضحايا من الطرفين منذ العام 1987، حيث تورد رقم 14000 ألف ضحية، 85% منهم فلسطينيين وفقا لمنظمة بتسليم الحقوقية. ايراد الأرقام هو اتجاه وموقف، واختيار مصدره هو أيضا اتجاه وموقف للكاتب، وقبول إدارة الصحيفة بذلك وعدم تعرضها للانتقاد هو تحول يجب ان ينظر إليه كذلك، لا سيما وأن المكتوب والمنشور يكتب وينشر في مجتمع يقرأ ويتأثر.
ومن بين المقالات المنشورة يمكن الإشارة للكاتب والمحلل الفلسطيني الأمريكي مروان منير في مقالته في الفورين افيرز والذي ذهب الى استعراض السردية الفلسطينية منذ العام 1917 وحتى ما قبلها والدور الأمريكي والبريطاني في تبني وتسهيل إقامة دولة الكيان على ارض فلسطين، وهو امر لا يعتبر عادياً في ظل أنظمة تخضع لرقابة لصيقة من منظومتين للرقابة، أجهزة الامن واللوبي الصهيوني وتهمة المعاداة للسامية جاهزة.
ما تقدم يعتبر امثلة، غير أنه من الضروري جداً ان يعمل المتخصصين على المستوى الفلسطيني على رصد ذلك، واخضاعه للتحليل ومن ثم وضعه تحت تصرف المرجعيات السياسية لا سيما تلك المعنية باستمرار حضور القضية الفلسطينية، والمعنية أكثر بتطوير ذلك الى مستوى احداث خرق في توازن الحضور والتأثير بين السردية الفلسطينية والسردية الصهيو-توراتية، بعد ان سيطرت الثانية وما زالت. وربما نكون امام مرحلة بداية اندحار منطق تفوق سرديتهم. وحتى لا نبالغ، فإن أقصى ما يمكن تحقيقه الان، هو اتباع تكتيكات هجومية تلعب فيها الأرقام والصور والحقائق الأخرى دورها، في تقدم مستوى الحضور والتأثير للرواية الفلسطينية، في موازاة مستوى حضور وتأثير الرواية الصهيونية في الوعي عند شعوب الدول القادرة والمتمكنة.
نحن وهم، ام نحن أو هم
الحقائق والأدلة، وطريقة عرضها وتسويقها هي مهارة وذكاء، وزيادة على ذلك، فإن القناعة بأنها تمثل سلاحاً وأداةً يمكن استخدامها لمصلحة احداث تحولات نوعية، بدورها مسألة استراتيجية تدل على مدى القدرة على تطوير الأداء الفلسطيني في الصراع، و في ذات الوقت دليل على أن لدينا قيادات بمهارات استراتيجية قادرة على إدارة الصراع بجرأة و تمتلك إرادة جريئة على خوض الصراع.
لقد اثبت المبادرات الفردية والجماعية لنشر الحقيقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي قدرتها على ان تهزم السردية الإسرائيلية في الجولة الأخيرة، فكيف اذا ما كان هناك استراتيجية إعلامية فلسطينية تنشغل بترسيخ منطق سرديتنا للحق لا سرديتهم، بدلاً من هدر الوقت في اصدار البيانات العقيمة وفي استجداء تنفيذ القوانين الدولية.
*كاتب فلسطيني



