
لا مصارف بلا ثقة… ولا ثقة بلا إنصاف المودعين
منجد شريف
لم يكن القطاع المصرفي في لبنان مجرّد مجموعة من المؤسسات التي تستقبل الودائع وتمنح القروض، بل شكّل أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الوطني، وشرياناً حيوياً يربط المدخرات بالاستثمارات، والأموال بالإنتاج، والسيولة بحركة التجارة والاستهلاك. فمن خلاله كانت المؤسسات تموّل توسّعها، والتجار يديرون أعمالهم، والمستثمرون يطلقون مشاريعهم، وتُخلق فرص العمل وتتحرّك الأسواق.
لكنّ انهيار هذا القطاع لم يؤدِّ إلى أزمة مصرفية فحسب، بل أصاب الاقتصاد اللبناني في صميم بنيته، وعطّل إحدى أهم آليات حركته، وأطلق سلسلة من التداعيات التي لا يزال المواطن اللبناني يدفع أثمانها حتى اليوم.
إنّ الاقتصاد الذي لا يملك قطاعاً مصرفياً سليماً يشبه جسداً تعطّلت فيه الدورة الدموية؛ فقد تستمرّ بعض أعضائه في العمل، لكنّ قدرته على النمو والتعافي تبقى محدودة، وتصبح أيّ صدمة جديدة أكثر خطورة على بنيته. فالمصارف ليست مجرّد مؤسسات مالية، بل هي شريان أساسي يربط الادخار بالاستثمار، والسيولة بالإنتاج، والأموال بفرص العمل والنمو.
وحين تتعطّل المصارف عن أداء دورها في التمويل، تفقد المؤسسات قدرتها على التوسّع، وتتراجع الاستثمارات والإنتاج، وتضيق فرص العمل، وتضعف حركة الأسواق. وهذا ما شهدناه في لبنان، حيث تراجعت الوساطة المالية، واتّسع الاقتصاد النقدي، وأصبحت قطاعات واسعة من الأعمال تعتمد على السيولة المتاحة والتحويلات الخارجية، في ظلّ صعوبة الوصول إلى التمويل المستقرّ والطويل الأجل.
ولم يقتصر الضرر على تعطّل القروض والخدمات المصرفية، بل ترافق مع انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية وارتفاع معدلات التضخّم وتراجع القدرة الشرائية. فخسر المواطنون جزءاً كبيراً من قيمة أجورهم ومدخراتهم وتعويضاتهم، وارتفعت كلفة الغذاء والدواء والتعليم والسكن والنقل، فيما أصبحت الأموال التي ادّخروها طوال سنوات عاجزة عن تأمين المستوى المعيشي الذي كانوا يخطّطون له.
لكنّ الخسارة الأكبر لم تكن مالية فحسب، بل تمثّلت في انهيار الثقة بين المواطن والمصارف، بعدما وجد المودعون أنفسهم عاجزين عن الوصول إلى أموالهم أو حماية قيمتها. وهكذا تحوّلت المدخرات، التي يُفترض أن تكون مصدر أمان واستقرار، إلى عنوان للقلق والخسارة، وباتت الثقة بالنظام المالي نفسه موضع تساؤل.
وفي قلب هذه الأزمة، تبرز قضية المودعين بالليرة اللبنانية والدولار الأميركي، الذين تكبّدوا خسائر جسيمة نتيجة انهيار النظام المالي، وإن اختلفت طبيعة هذه الخسائر وسبل معالجتها. فالمودع بالدولار وجد نفسه عاجزاً عن الوصول إلى أمواله أو استردادها بالقيمة التي أودعها بها، فيما خسر المودع بالليرة الجزء الأكبر من القيمة الشرائية لمدخراته بفعل انهيار العملة. وفي الحالتين، كان المواطن يضع أمواله في المصارف على أساس الثقة بقدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وبمسؤولية المؤسسات النقدية والمالية عن حماية الاستقرار المالي.
ولم يكن المودع بالليرة بالضرورة مضارباً أو مستهتراً بأمواله، كما لم يكن المودع بالدولار مسؤولاً عن السياسات التي أدّت إلى حجز ودائعه وتآكل قيمتها الفعلية. فقد تعامل كلاهما مع النظام المصرفي بوصفه قناة لحفظ المدخرات وإدارة الأموال، قبل أن يجد نفسه أمام خسائر لم يكن مسؤولاً عن صنعها، ولا يملك الأدوات اللازمة لتفاديها.
وتزداد قضية مودعي الليرة أهمية بالنظر إلى أنّهم تعاملوا مع العملة الوطنية في ظلّ سعر صرف رسمي مستقرّ طويلاً عند نحو 1500 ليرة للدولار، وتطمينات مصرفية ونقدية عزّزت الاعتقاد باستمرار هذا الاستقرار. ولم يكن المودع العادي هو من رسم السياسة النقدية، أو حدّد كيفية توظيف المصارف لأموالها، أو قرّر حجم انكشافها على الدولة ومصرف لبنان.
من هنا، لا يجوز تحويل اختلاف عملة الإيداع إلى مبرّر للتمييز بين المودعين أو الانتقاص من حقوق أيّ منهم. فالمطلوب معالجة عادلة وشاملة تحفظ الحقوق المشروعة لمودعي الدولار والليرة على السواء، مع مراعاة اختلاف طبيعة الودائع وظروفها، ووضع آليات واضحة وشفافة لتحديد الخسائر والتعويض عنها. فالإنصاف لا يعني اعتماد معالجة متطابقة لحالات مختلفة، بل ضمان حقوق الجميع وفق معايير قانونية عادلة، بعيداً عن المحاباة والتمييز وتحميل المودعين وحدهم ثمن الانهيار.
وفي هذا السياق، تبرز المطالبة باعتماد سعر 1500 ليرة للدولار أساساً مرجعياً لمعالجة ودائع الليرة، انطلاقاً من مبدأ أنّ انهيار العملة لا يجوز أن يؤدّي إلى محو القيمة الاقتصادية لمدخرات المواطنين من دون تعويض عادل. غير أنّ تطبيق هذا المبدأ يحتاج إلى إطار قانوني ومالي واضح، يحدّد الودائع المشمولة وآلية الاحتساب ومصادر التمويل، ويعالج الفوائد والعمليات التي جرت بعد بداية الأزمة، مع التمييز بين المدخرات العادية والعمليات الاستثنائية التي استفادت من فروقات أسعار الصرف.
فالعدالة لا تتحقّق بإعلان سعر مرجعي فحسب، بل بوضع آلية شفافة وقابلة للتنفيذ، تمنع التمييز بين المودعين على أساس النفوذ أو القدرة على الوصول إلى المعلومات، وتضمن ألّا تتحوّل خسائرهم إلى أمر واقع لا رجوع عنه.
إنّ المسؤولية عن الأزمة لا يمكن أن تقع على المودعين وحدهم، بل يجب تحديدها وفق تدقيق مستقلّ ومحاسبة واضحة تشمل المصارف ومصرف لبنان والسلطات المعنية، كلّ بحسب مسؤوليته القانونية. كما ينبغي التمييز بين صغار المودعين وأصحاب المدخرات العادية، وبين من استفادوا من عمليات مالية استثنائية، وتحمّل المساهمين ما يترتّب على استثماراتهم وفق القواعد القانونية، من دون تحميل دافعي الضرائب أعباء إنقاذ غير عادل لأصحاب المصالح.
ولا يعني إنصاف المودعين أنّ جميع الخسائر يمكن ردّها فوراً، أو أنّ الموارد المتاحة تكفي لتسديد المطالبات دفعة واحدة. لكنه يعني الاعتراف بالحقوق، وتحديد المسؤوليات، ووضع خطة واقعية ومموّلة بوضوح، تتضمّن جدولاً زمنياً ملزماً لاستعادة الأموال أو تسديدها تدريجياً، مع حماية صغار المودعين وضمان الشفافية والمساءلة.
إنّ إعادة هيكلة القطاع المصرفي وإعادة رسملته ضروريتان لاستعادة دوره في تمويل الاقتصاد، لكنّهما لا تكفيان إذا جرى تجاوز قضية المودعين أو اعتبار خسائرهم أمراً واقعاً لا رجوع عنه. فالمصرف ليس أبنية وفروعاً وأنظمة إلكترونية ورأسمالاً مسجّلاً فحسب، بل هو قبل كل شيء علاقة ثقة بين المؤسسة وصاحب المال.
وكيف يمكن إقناع المواطن بإيداع أمواله مجدداً في مصرف لم يُعالج مصير مدخراته السابقة؟ وكيف يمكن تشجيع الشركات على استخدام النظام المصرفي فيما لا تزال حقوق المودعين موضع نزاع؟ وكيف يمكن جذب الاستثمارات في اقتصاد يفتقر إلى الضمانات الكافية لحماية الحقوق المالية؟
إنّ الثقة لا تُستعاد بالوعود أو الحملات الإعلامية، بل بالشفافية والمحاسبة والضمانات القانونية. ولذلك، فإنّ إعادة بناء القطاع المصرفي يجب أن تترافق مع معالجة عادلة لحقوق المودعين، لا أن تسبقها أو تتجاوزها. فالمصارف التي تستعيد بعض وظائفها التقنية من دون تسوية عادلة لخسائر المودعين لن تستعيد بسهولة موقعها الطبيعي في المجتمع والاقتصاد.
ولا ينبغي أن يُطرح التعويض عن خسائر المودعين باعتباره منّة تقدّمها الدولة أو المصارف، بل باعتباره جزءاً أساسياً من تسوية الأزمة وإعادة بناء النظام المالي. فالواقعية المالية لا تعني التسليم بالظلم، ومحدودية الموارد لا تبرّر غياب الحلول، بل تفرض توزيع الخسائر وفق المسؤوليات القانونية، ووضع آليات عادلة لحماية الحقوق ومنع تكرار الأخطاء التي أوصلت البلاد إلى هذا الواقع.
إنّ مستقبل لبنان الاقتصادي لا يمكن أن يقوم على الاستيراد والاستهلاك والتحويلات الخارجية وحدها، بل يحتاج إلى اقتصاد منتج، واستثمارات مستدامة، ومؤسسات قادرة على التمويل، وسياسة نقدية منضبطة، ومالية عامة قابلة للاستدامة. وهذا كلّه يتطلّب قطاعاً مصرفياً سليماً، قادراً على جمع المدخرات وتوجيهها نحو الإنتاج، وعلى استعادة ثقة المواطنين والمستثمرين.
أما المودع، سواء بالليرة أو بالدولار، فلا يمكن مطالبته باستعادة الثقة بالنظام المالي من دون أن يرى معالجة واضحة وعادلة للخسائر التي لحقت به. فالثقة لا تُطلب من المتضرّر كواجب، بل تُستحقّ من خلال الإنصاف وحماية الحقوق والمحاسبة.
إنّ لبنان لا يحتاج إلى مصارف تستعيد أبوابها فحسب، بل إلى مصارف تستعيد معناها ودورها ومصداقيتها. ومن حقّ المودع أن يعرف مصير أمواله، ومن حقّه أن يحصل على معالجة عادلة لحقوقه، ومن واجب المؤسسات المعنية أن تتحمّل مسؤولياتها، ومن واجب الدولة أن تضع إطاراً قانونياً ومالياً واضحاً لإعادة بناء الثقة.
فما دامت المدخرات محجوزة أو مهدّدة، ستبقى الدورة الاقتصادية عاجزة عن استعادة عافيتها، وما دامت الثقة غائبة، سيبقى الاستثمار محفوفاً بالمخاطر، وستظلّ العملة الوطنية عاجزة عن استعادة مكانتها في حياة المواطنين.
لا مستقبل لقطاع مصرفي من دون مودعين، ولا مودعين من دون حقوق مصانة، ولا ثقة من دون إنصاف وتعويض عادل. فالتعويض ليس تفصيلاً في خطة الإنقاذ، بل أحد شروطها الأساسية، والطريق إلى إنقاذ المصارف يبدأ بالاعتراف بحقوق المودعين، لا بمطالبتهم بنسيان خسائرهم.



