
رماد الأوطان: كيف أحرقت حرب الجنرالات مستقبل السودان؟
كتب أحمد سمير
أزمة بلا هوادة: صراع السلطة الذي جرف الدولة وأغرق الملايين في جحيم النزوح والانهيار الشامل،تحليل لهيكل الصراع المتشظي، والكارثة الإنسانية المنسية، ومسارات السلام المسدودة، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع يواصلان الصراع على السلطة والنفوذ، بينما يدفع المدنيون ثمن انهيار الدولة وتفكك المؤسسات واتساع رقعة النزوح والجوع.. فهل تحوّل السودان إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية على حساب شعبه؟
لا يمكن وصف ما يحدث في السودان بأنه “حرب أهلية” عابرة. ما يحدث هو جريمة مكتملة الأركان بحق دولة وشعب. منذ 15 أبريل 2023، قرر جنرالان أن يحسما خلافهما حول من يحكم ومن يدمج من، فأشعلا حربا أحرقت كل شيء. النتيجة اليوم بعد دخول الحرب عامها الرابع: أكثر من 200 ألف قتيل، و13 مليون نازح ولاجئ، و33 مليون سوداني يحتاجون لمساعدة إنسانية للبقاء على قيد الحياة، و20 مليون على حافة المجاعة.

المجتمع الدولي لا يتفرج فحسب، بل يمول الكارثة. خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية في 2025 لم يتم تمويلها سوى بنسبة 37.2%، بعجز 62.8% حتى منتصف 2026. بينما تتسابق أطراف خارجية على إمداد طرفي الصراع بالسلاح والمسيرات، وتستخدم دارفور وكردفان والنيل الأزرق كحقل تجارب للقتل عن بعد. هذه ليست حرب السودانيين، هذه حرب على السودانيين.
المشهد السوداني يكشف إخفاقًا خطيرًا في حماية المدنيين، وعجزًا دوليًا عن تحويل الإدانات والبيانات الدبلوماسية إلى إجراءات فعالة توقف الانتهاكات وتضمن وصول المساعدات. فحين تصبح المستشفيات أهدافًا للدمار، وتتراجع الخدمات الصحية، وتتقطع طرق الإمداد، ويُجبر السكان على مغادرة منازلهم، فإن القضية تتجاوز الحسابات العسكرية لتصبح اختبارًا حقيقيًا لمسؤولية أطراف الحرب والمجتمع الدولي.لم تعد نزاعاً داخلياً بالمعنى التقليدي،فقد تحولت إلى حرب بالوكالة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية، وتُستخدم فيها أحدث التقنيات العسكرية من طائرات مسيّرة بعيدة المدى وصواريخ موجّهة، لتدفن معها أي أمل في حل سلمي قريب. الأرقام وحدها تصرخ: 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات أزمة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، أي شخصان من كل خمسة سودانيين، و825 ألف طفل مهددون بالموت بسبب سوء التغذية الحاد الشديد، ونحو تسعة ملايين نازح داخل البلاد. هذا ليس وضعاً إنسانياً صعباً فحسب، بل هو إخفاق جماعي للضمير العالمي أمام واحدة من أكبر الكوارث التي شهدها القرن الحالي،بل جريمة تاريخية متكاملة الأركان أسفرت عن تدمير ممنهج لمؤسسات الدولة، وتحويل بلد غني بموارده إلى أكبر مسرح للكارثة الإنسانية والنزوح في العالم. لقد كشفت هذه الحرب عن عقم النخب العسكرية والسياسية، وأثبتت أن طموحات السلطة الضيقة تعلو دائماً فوق دماء الأبرياء وأمن الوطن واستقراره.

المبادرات الدولية تتوالى ثم تموت سريرياً، والطرفان يتمسكان بشروط تحول أي تفاوض إلى مجرد مناورة. أما الإقليم والعالم فيكتفيان بالبيانات والقلق «العميق». النتيجة؟ حرب مستمرة، وأزمة إنسانية تُوصف رسمياً بأنها من الأسوأ عالمياً، بينما يصبح السودان تدريجياً ملفاً ثانوياً في أجندات الدول الكبرى. هذا ليس فشلاً دبلوماسياً عادياً؛ إنه تواطؤ بالصمت مع كارثة تتفاقم يومياً.
والسؤال الأكثر إلحاحًا أن استمرار القتال لا يعني فقط سقوط المزيد من الضحايا، بل يفتح الباب أمام تفكك اجتماعي وجغرافي يصعب إصلاحه حتى بعد توقف إطلاق النار. فكلما طال أمد الحرب، تراجعت فرص التسوية، وتزايدت مخاطر انتشار السلاح، واتسعت مساحة الاقتصاد غير الرسمي وشبكات المصالح المرتبطة باستمرار الصراع.

الأخطر أن المدني السوداني أصبح عالقًا بين طرفين يتصارعان على القوة، فيما تتآكل مقومات حياته اليومية، وتظل الوعود الدولية بإنهاء المأساة أقل بكثير من حجم الكارثة. ومن هنا، لا بد من طرح الأسئلة الجوهرية: من المستفيد من استمرار الحرب؟ ولماذا أخفقت الضغوط الدولية في فرض مسار جاد لوقفها؟ وهل لا يزال إنقاذ السودان ممكنًا قبل أن تتحول الحرب إلى واقع دائم يصعب احتواؤه؟
لماذا وصلت الحرب إلى طريق مسدود رغم كل المحاولات الدولية والإقليمية لوقفها؟
طريق مسدود مقصود.. لماذا لا تتوقف الحرب؟
الحرب في السودان ليست حرباً يمكن إيقافها بقرار سياسي واحد، لأنها ببساطة لم تعد بين طرفين فقط. الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، يمثلان واجهتين لنزاع أعمق تتداخل فيه تحالفات القبائل والمليشيات المحلية والقوى الإقليمية. في 6 أكتوبر 2026، جدد البرهان موقفه الرافض لأي مفاوضات مع قوات الدعم السريع، قائلاً بنبرة قاطعة: “ليس لدينا مفاوضات مع أي زول، ولا قاعدين نتحدث مع شخص، ولا عندنا حاجة مع زول”، مؤكداً أن الحرب ستستمر “حتى القضاء على التمرد في دارفور وكردفان والنيل الأزرق”.
هذا الموقف ليس مجرد عناد شخصي، بل يعكس قناعة لدى قيادة الجيش بأن الحسم العسكري لا يزال ممكناً، خاصة مع الدعم الذي تتلقاه من قوى إقليمية ومليشيات محلية متحالفة. ففي الأسبوع الأول من أكتوبر 2026 وحده، أعلنت القوة المشتركة المتحالفة مع الجيش سيطرتها على منطقة بئر سليبة الاستراتيجية في ولاية غرب دارفور، بعد معارك أوقعت خسائر في صفوف الدعم السريع، ودُمّرت سبع عربات قتالية. وفي المقابل، تواصل قوات الدعم السريع سيطرتها على الجزء الأكبر من إقليم دارفور، وتشن هجمات مضادة على مواقع الجيش في كردفان والنيل الأزرق، كما تستخدم طائرات مسيّرة بعيدة المدى في هجماتها.
الأخطر من ذلك هو الطبيعة الاقتصادية للحرب. لم تعد المعارك مجرد صراع على الأرض، بل هي صراع على الموارد والمناجم والطرق التجارية. مناطق دارفور وكردفان غنية بالمعادن وخاصة الذهب، وتتحكم قوات الدعم السريع في العديد من مناجم الذهب في دارفور وجنوب كردفان، مما يمنحها تمويلاً ذاتياً يجعلها في غنى عن أي تسوية سياسية. وبالمقابل، يحاول الجيش السوداني استعادة السيطرة على هذه المناجم لقطع شريان التمويل الرئيسي لخصمه. هذه المعادلة الاقتصادية تجعل وقف الحرب غير منطقي لطرفين يريان في استمرار القتال مكسباً أكثر من أي سلام محتمل.

لماذا تستمر الحرب في السودان رغم الكلفة الإنسانية الهائلة؟ وهل أصبح الصراع معركة وجود بين الجيش والدعم السريع؟
استمرار الحرب يرتبط بتداخل ثلاثة عوامل رئيسية: الصراع على السلطة، والتنافس على السيطرة العسكرية والجغرافية، وتضارب المصالح السياسية والاقتصادية المرتبطة بمستقبل الدولة السودانية.
منذ اندلاع القتال في 15 أبريل 2023، لم ينجح الطرفان في الوصول إلى صيغة مستقرة تنهي المواجهة وتضمن تسوية مقبولة. ومع مرور الوقت، لم تعد القضية مقتصرة على الخلاف بشأن دمج قوات الدعم السريع في الجيش أو ترتيب المرحلة الانتقالية، بل اتسعت لتشمل السيطرة على المدن والمواقع الاستراتيجية والموارد وشبكات الإمداد.
وتكمن خطورة هذا الوضع في أن كل طرف قد يرى أن تقديم تنازلات الآن سيضعفه مستقبلًا، ما يدفعه إلى مواصلة القتال حتى تحسين موقعه التفاوضي. وهنا تتحول الحرب إلى دائرة مغلقة: كل تقدم عسكري يولّد مخاوف لدى الطرف الآخر، وكل إخفاق في التفاوض يفتح الباب أمام جولة جديدة من التصعيد.
لكن لا يجوز اختزال السودان في معادلة المنتصر والمهزوم؛ لأن انتصارًا عسكريًا لا يصاحبه اتفاق سياسي شامل ومؤسسات قادرة على استعادة الأمن قد لا ينهي جذور الأزمة. بل قد يترك وراءه مجتمعًا مسلحًا ومنقسمًا، يصعب إعادة توحيده.



