
التفاح والمزارع اللبناني… أزمة موسم أم أزمة دولة؟
كتب منجد شريف
في لبنان، لا يحتاج المزارع إلى كثير من الكلام كي يشرح وجعه. يكفي أن تنظر إلى صندوق التفاح الذي يخرج من أرضه، بعد موسم طويل من العمل، لتدرك حجم المأساة.
فالتفاحة التي تصل إلى السوق اليوم ليست مجرد ثمرة. خلفها أرض تحتاج إلى حراثة وريّ وتسميد ورشّ للمبيدات وتقليم لأشجار التفاح وحراسة ونقل للمحصول، وفوق كل ذلك جهد بشري طويل لا يمكن احتسابه بالأرقام وحدها.
ومع ذلك، يجد المزارع نفسه اليوم أمام أسعار متدنية قد تتراوح بين خمسة وثمانية دولارات للصندوق الذي يزن نحو عشرين كيلوغراماً. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: كيف يستطيع المزارع اللبناني أن يستمر؟
المشكلة ليست في المزارع. فهو ينتج، ويخاطر، ويعمل، ويتمسك بأرضه رغم كل الظروف. المشكلة في منظومة زراعية لم تعد قادرة على تأمين التصريف العادل للإنتاج، ولا على حماية المزارع من تقلبات السوق وارتفاع كلفة الإنتاج والنقل.
لقد مرّ لبنان بأزمات متلاحقة: انهيار اقتصادي، ارتفاع هائل في كلفة المحروقات والنقل، تراجع القدرة الشرائية، وأزمات سياسية وأمنية وحروب عطّلت حركة التجارة. وفي كل مرة كان المزارع يدفع الثمن.
والتفاح اليوم واحد من أبرز الأمثلة.
أين الدولة؟
ليس المطلوب من الدولة أن تشتري كل محصول في كل موسم، ولا أن تضمن للمزارع ربحاً مهما كانت الظروف. فهذا ليس حلاً مستداماً.
المطلوب هو سياسة زراعية واضحة وقابلة للتنفيذ تبدأ قبل أن ينضج المحصول، لا بعد أن يجد المزارع نفسه أمام مئات الصناديق التي يبحث لها عن مشترٍ.
الخطوة الأولى يجب أن تكون في معرفة حجم الإنتاج المتوقع قبل الموسم، والتخطيط لتصريفه مسبقاً. فالسوق لا يُبحث عنه بعدما تمتلئ المستودعات والصناديق، بل قبل ذلك.
ولدينا أسواق عربية قريبة يمكن العمل على فتحها أمام التفاح اللبناني، ولا سيما دول الخليج ومصر والأردن والعراق. لكن الوصول إلى هذه الأسواق لا يحصل بالشعارات، بل يحتاج إلى عمل منظم: حصر الكميات المتاحة للتصدير، تحديد المواصفات المطلوبة في كل سوق، التواصل المباشر مع المستوردين، وتأمين التوضيب والتبريد والنقل.
وهنا يجب أن يكون للدولة، عبر وزارة الزراعة والجهات المعنية والبعثات الدبلوماسية اللبنانية، دور فعلي في فتح الأبواب أمام المنتج اللبناني، لا الاكتفاء بمراقبة الموسم بعد وقوع الأزمة.
لكن التصدير وحده لا يكفي.
فجزء من المشكلة يكمن أيضاً في الطريقة التي يصل بها المنتج من المزارع إلى المستهلك. هناك سلسلة طويلة من الوسطاء والتجار والنقل والتوضيب، وقد يصبح الفارق بين السعر الذي يحصل عليه المزارع والسعر الذي يدفعه المستهلك كبيراً جداً.
وهنا لا بد من تنظيم هذه السلسلة، وتعزيز التعاونيات الزراعية، بحيث يصبح المزارع قادراً على تجميع إنتاجه والتفاوض بشكل أفضل، بدل أن يبقى مضطراً إلى بيع محصوله سريعاً وبالسعر الذي يفرضه السوق.
والتعاونية الحقيقية ليست مجرد اسم أو مكتب. يجب أن تكون مؤسسة قادرة على جمع الإنتاج وفرزه وتوضيبه وتخزينه وتبريده وتسويقه وتصديره.
فالمزارع الصغير عندما يذهب منفرداً إلى السوق تكون قدرته على التفاوض محدودة، بينما يصبح أقوى عندما تتجمع كميات إنتاج كبيرة ضمن إطار منظم.
وهنا نصل إلى مسألة لا تقل أهمية: التخزين والتبريد.
ليس من المنطقي أن يكون المزارع مضطراً إلى بيع كامل محصوله خلال فترة قصيرة، لأن هذا يضعه تحت رحمة العرض والطلب في أسوأ لحظة ممكنة. وجود مستودعات تبريد حديثة، وخصوصاً ضمن تعاونيات أو شراكات منظمة، يسمح بتخزين جزء من الإنتاج وطرحه في السوق تدريجياً، ما يمنح المزارع قدرة أكبر على اختيار توقيت البيع.
كما أن التفاح الذي لا يملك المواصفات المطلوبة للتصدير أو البيع كفاكهة طازجة لا يعني أنه أصبح بلا قيمة.
هنا يأتي دور التصنيع الغذائي: العصائر، والمربيات، والخل، والتجفيف وغيرها من الصناعات التي تستطيع تحويل جزء من الفائض أو الإنتاج الأقل جودة تجارياً إلى منتج ذي قيمة مضافة.
وهذا يعني أننا لا يجب أن نفكر فقط في كيفية بيع التفاحة، بل أيضاً في كيفية عدم خسارة قيمتها عندما لا تباع كفاكهة طازجة.
ومن جهة أخرى، يحتاج التفاح اللبناني إلى هوية تسويقية واضحة. الجودة وحدها لا تكفي إذا لم يكن هناك توضيب جيد، وفرز دقيق، ومواصفات موحدة، وعلامة تجارية تعرّف المستهلك الخارجي بالمنتج اللبناني.
لماذا لا يصبح هناك مفهوم واضح لـ «التفاح اللبناني» في الأسواق الخارجية، مرتبط بالمنشأ والجودة والمواصفات، بدلاً من أن يخرج الإنتاج إلى الأسواق بطريقة متفرقة تضعف قدرته على المنافسة؟
والبلدية… أين دورها؟
ولا يقتصر الأمر على مسؤولية الدولة المركزية. فالبلدية، وخصوصاً في البلدات التي تشكل الزراعة عصب اقتصادها، تستطيع أن تكون جزءاً من الحل.
ليس مطلوباً منها أن تحل مكان وزارة الزراعة أو أن تفتح أسواق الخارج، فهذا يتجاوز صلاحياتها، لكن بإمكانها أن تبدأ من أرضها: تنظيم المزارعين ضمن أطر تعاونية، والمساهمة في إنشاء سوق زراعي منظم، والعمل على تأمين مستودعات للتبريد والفرز والتوضيب بالشراكة مع المزارعين والقطاع الخاص، وتحسين الطرق الزراعية، والتنسيق مع وزارة الزراعة والجهات المركزية لرفع حاجات البلدة وفتح قنوات التسويق والتصدير.
فالإنماء المحلي يبدأ من معرفة حاجات الناس وتحويلها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، لا انتظار الأزمة كل عام ثم البحث عن حل مؤقت.
وفي المواسم الاستثنائية، عندما يتعذر التصريف ويصبح خطر تلف المحصول حقيقياً، يمكن للدولة أن تتدخل بتدابير استثنائية ومدروسة، كدعم كلفة التصدير أو النقل، أو شراء جزء من الإنتاج وفق آلية شفافة وواضحة، وليس عبر المحسوبيات والهدر.
فالهدف ليس أن يعيش المزارع على مساعدات الدولة.
الهدف أن يصبح قادراً على العيش من أرضه.
وهذا فرق كبير.
نحن لا نريد دولة توزع مساعدات موسمية على المزارعين أمام الكاميرات، ثم تتركهم لمصيرهم في الموسم التالي. نريد دولة تساعد على بناء سوق، وتفتح طريقاً للتصدير، وتخفض كلفة الإنتاج والنقل، وتنظم سلسلة التسويق، وتدعم التخزين والتصنيع، وتحمي المنتج اللبناني من المنافسة غير العادلة، وتضع الزراعة في صلب أولوياتها الاقتصادية.
والأهم من كل ذلك، أن ننتقل من إدارة الأزمة إلى التخطيط للموسم.
على الدولة أن تعرف قبل أن تبدأ السنة الزراعية: كم سننتج؟ وما الأسواق التي يمكن أن تستوعب إنتاجنا؟ وما الكميات التي يمكن تصديرها؟ وما الذي يمكن تخزينه أو تصنيعه؟ وكيف نصل إلى المستهلك بأفضل سعر ممكن للمزارع والمستهلك معاً؟
لأن المزارع اللبناني لا يطلب صدقة.
هو يطلب فقط أن يكون هناك عدل بين ما يدفعه وما يحصل عليه.
فأي معنى لدولة لا تستطيع أن تحمي إنساناً يريد أن يعيش من عرق جبينه، وأن يحافظ على أرضه، وأن ينتج غذاءً لبلده؟
اليوم، التفاح ليس مجرد موسم زراعي.
إنه اختبار حقيقي للدولة: هل نريد مزارعاً لبنانياً يتمسك بأرضه، أم نتركه يصل إلى مرحلة يقتلع فيها أشجاره لأنه لم يعد قادراً على تحمّل كلفة زراعتها وتصريف محصولها؟
إنقاذ التفاح ليس إنقاذ موسم واحد.
إنه دفاع عن المزارع اللبناني، وعن الأرض، وعن الأمن الغذائي، وعن قرى بأكملها تعيش من هذه الزراعة.
وفي النهاية، حين يبيع المزارع صندوق التفاح الذي يزن عشرين كيلوغراماً بخمسة أو ثمانية دولارات، بعد كل ما أنفقه من مال وجهد ووقت، فإن القضية لم تعد قضية سعر تفاح.
إنها قضية دولة.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس فقط: من ينقذ المزارع؟
بل: هل المطلوب من الدولة أن تنقذ المزارع كل موسم، أم أن المطلوب أن تبني له منظومة تجعله قادراً على إنقاذ نفسه؟



