بين «المفشّكل مردود» والخوارزميات… أين ضاع الفن؟
كتب منجد شريف
ذات يوم، ذهبت برفقة بعض الأصدقاء إلى أحد المطاعم الشرقية في بيروت، وهو مطعم دأب على تقديم البرامج الفنية اليومية. وبعدما أخذنا أماكننا وجلسنا، أطلّ علينا شاب من أولئك الذين يحاولون امتطاء صهوة الفن والشهرة.
ولأكون صريحاً، لم أجد في ما يقدّمه فناً بالمعنى الذي أفهمه، بقدر ما هو نوع من المونولوج الشعبي المستوحى من «الرديات» التي كنا نتداولها في صغرنا ونرددها للتسلية، من نوع: «أنا رح اعمل دورية برشاش الخمسمية». ولم يخطر في بالي يومها، ولا في أسوأ توقعاتي، أن مثل هذه الردية يمكن أن تتحول ذات يوم إلى مادة تُقدَّم على أنها أغنية في السهرات الفنية.
جلس الشاب إلى جانبنا بعدما توسطت له إحدى الصديقات كي يغني، مع العلم أن صاحب المربع لم يكن يستسيغ هذا النوع من الغناء، لكنني ضغطت عليه فاستجاب. صعد الشاب إلى المسرح، وفي داخله من الثقة ما يوحي بأنه يعيش نجوميته قبل أن تبدأ، وغنّى ما تيسّر له، ثم غادر المسرح.
بعدها أوعز إلى الصديقة التي توسطت له أن تطلب مني أن أعطيه أجرة الطريق ليعود إلى منزله. فأعطيته من مالي ما يفوق أجرة الطريق بكثير، ليس إعجاباً بما قدّم، بل تشجيعاً لشاب يحاول أن يجد لنفسه مكاناً في عالم الفن.
ثم غاب الشاب.
مرت جائحة كورونا، وتلاها الانهيار المالي، وانهيار قيمة العملة، وإفلاس المصارف، وتبدلت أحوال الناس وأولوياتهم. وفجأة، راج اسم ذلك الشاب في بعض الملاهي والمرابع الليلية، وراج معه لون غنائي يمكن وصفه، باللبناني الدارج، بأنه «عا المفشّل مردود».
والمثير للدهشة لم يكن رواج هذا اللون فحسب، بل الجمهور الذي تماهى معه، وردد عباراته، وتعامل معه كأنه أمام ظاهرة فنية مكتملة الأركان. وتحول صاحبنا إلى ما يشبه المدرسة في هذا النوع الغريب من الغناء، حتى أصبحت المرابع الليلية تنتج، بصورة شبه يومية، نماذج جديدة على المقاس نفسه.
ولأنني أحب أن أفتش عن أسباب الظواهر لا عن نتائجها فقط، بدأت أسأل نفسي: كيف وصلت الأمور إلى هنا؟ وكيف تحولت هذه الحالات من مجرد ظواهر عابرة إلى منصات تستقطب جمهوراً واسعاً؟
وكانت النتيجة التي وصلت إليها أن المسألة ليست فنية فقط، بل لها جذور اجتماعية واقتصادية وثقافية.
فالانهيار المالي الذي أصاب لبنان، وما رافقه من انهيار في القدرة الشرائية، دفع شريحة واسعة من رواد السهر، ممن كانوا يملكون ذائقة فنية ويميزون بين الفن الحقيقي والاستعراض، إلى ملازمة منازلهم بسبب العجز المالي.
ثم جاءت جائحة كورونا لتغلق الأبواب أكثر، وتحبس الناس في بيوتهم، فتقدمت وسائل التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها «تيك توك»، لتصبح واحدة من أبرز وسائل التسلية وتمضية الوقت.
وهنا حدث التحول.
أصبحت المنصات الرقمية هي المسرح، وأصبح عدد المشاهدات معياراً للشهرة، لا معيار القيمة الفنية. وكان جزء كبير من جمهور هذه المنصات من الأعمار الصغيرة والمراهقين، وهي فئات لا يمكن مطالبتها، بطبيعة الحال، بأن تمتلك الخلفية الموسيقية والثقافية التي تمكنها من التمييز بين الفن الحقيقي وبين مجرد الكلام الملحن أو المردد على إيقاع.
وهكذا، بدأ «الترقيع» يُقدَّم على أنه فن، وبدأت الشهرة تصنع القيمة بدلاً من أن تكون القيمة هي التي تصنع الشهرة.
ولأن الصغار غالباً ما يفرضون ذائقتهم الجديدة على أهلهم، انتقلت الظاهرة من الهاتف إلى البيت، ومن البيت إلى السهرات، ومن السهرات إلى السوق الفني، حتى أصبح بعض هؤلاء «نجوماً» في زمن قياسي.
ولا يمكن إغفال عامل آخر. فالقادرون على ارتياد السهرات خلال الأزمة لم يكونوا جميعاً من الطبقة التي كانت ترتاد المسارح والمهرجانات سابقاً. فهناك أصحاب المهن والحرف الذين بقيت قدرتهم على الإنفاق مرتبطة بعملهم المباشر، إلى جانب فئات أخرى تملك المال لأسباب مختلفة، وبعضها غير مشروع. ومع توفر المال، توفر الطلب، ومع الطلب وجد هذا النوع من العروض طريقه إلى الانتشار.
وأذكر هنا طرفة لا تزال تثير الضحك كلما تذكرتها. في إحدى المناسبات، سأل شريكي أحد أصحاب هذه الحالات: «لماذا لا تلحن لأمير الغناء هاني شاكر؟».
فأجاب بكل ثقة: «لا أريد أن ألوث مسيرة الأمير بألحاني، فأنا لست مؤهلاً لأن ألحن له».
كانت الإجابة، في حد ذاتها، أغنية كاملة!
لكن المشكلة لم تتوقف هنا.
اليوم يشهد الواقع الفني انهياراً من نوع آخر. فبعد أن ضربت الصرعات الفنية جسد الفن، وأصابته بما يشبه الصدأ، جاءت الأغاني المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي لتفتح باباً جديداً أمام السؤال: أين ينتهي الإبداع البشري وأين يبدأ الإنتاج الآلي؟
والأغرب أن بعض كبار الفنانين، ومن بينهم أسماء في الصف الأول، بدأوا يتماهَون مع هذه الموجة، وصولاً إلى كليبات مولدة بالذكاء الاصطناعي أيضاً. ولم يبقَ إلا أن يصبح المتلقي نفسه ذكاءً اصطناعياً حتى تكتمل الصورة!
والمسألة لا تتوقف عند الفن. قبل أيام، كنت أقرأ بعض الصحف، فلفتني أن بعض المقالات تكاد تتشابه في الأسلوب، بل أحياناً حتى في العناوين، فيما يُذيّل النص باسم الكاتب، بينما قد يكون الكاتب الحقيقي خلف الشاشة هو الذكاء الاصطناعي.
فلا الفن بقي فناً، ولا الصحافة بقيت صحافة، ولا الإبداع بقي إبداعاً.
بين «الصرعة» التي تحولت إلى مدرسة، والمنصات التي جعلت عدد المشاهدات معياراً للقيمة، والذكاء الاصطناعي الذي دخل إلى الأغنية والكلمة والصورة، ضاع شيء أخطر من الفن نفسه: ضاع الإنسان المبدع.
المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، فهو أداة يمكن أن تخدم المبدع إذا بقي المبدع هو صاحب الفكرة والروح والقرار. المشكلة حين تتحول الأداة إلى بديل عن الموهبة، وحين يصبح السهل مطلوباً لأنه سريع، والمكرر مرغوباً لأنه رائج، والمصطنع مقبولاً لأنه يحقق أرقاماً.
الفن الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاهدات، ولا بعدد الحاضرين في السهرة، ولا بانتشار مقطع على منصة.
الفن الحقيقي هو أن تقول شيئاً لم يقله الآخرون، وأن تترك في وجدان الناس أثراً لا تستطيع الخوارزميات أن تصنعه.
ولعل أخطر ما نواجهه اليوم ليس أن الآلة بدأت تنتج الفن، بل أن الإنسان بدأ يرضى بأن يتنازل لها عن مهمة الإبداع.
وهنا، لا يعود السؤال: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصنع فناً؟
بل يصبح السؤال الأصعب: هل ما زال للإنسان دور في صناعة الفن؟



