بين «أُفٍّ» و«إرحمهما»… حكاية البرّ التي اختصرها القرآن

كتب منجد شريف

ليس البرّ بالوالدين مجرّد سلوكٍ جميل، ولا فضيلةً تُضاف إلى سجلّ الإنسان الأخلاقي، بل هو امتحانٌ حقيقيّ لإنسانيته؛ ففي الطريقة التي يعامل بها الإنسان والديه، تظهر حقيقة أخلاقه بعيدًا عن أعين الناس وتصفيقهم. أن تكون بارًّا بوالديك يعني أن تعرف كيف تردّ بعض الجميل لمن أعطاك عمره قبل أن تعرف معنى العطاء، وكيف تحفظ الكرامة لمن حملك حين كنت ضعيفًا، وتبقى إلى جانبه حين تنقلب معادلة الحياة، فيصبح هو الأضعف وتصبح أنت القادر.

ولعلّ الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) اختصر هذا المعنى بحكمة بليغة تختبر علاقتنا بأقرب الناس إلينا: «لا يكوننّ أهلك أشقى الناس بك». فليس من المنطق أن يكون الإنسان في الخارج بشوشًا، كريمًا، متسامحًا، حسن المعاملة، ثم يعود إلى بيته فيصبّ غضبه وقسوته على الذين أحبّوه بلا شروط، وتحملوا طباعه وأخطاءه، وكانوا أول من فرح بخطواته الصغيرة حين كان العالم كله بالنسبة إليه مجهولًا.

والبرّ، في جوهره، ليس أن تفعل لوالديك ما يعجز عنه غيرك، بل أن لا تجعل قربهما منك سببًا في قسوتك عليهما. أن تمنحهما من لطفك ما تمنحه للغرباء، ومن صبرك ما تمنحه لمن تخشى خسارتهم، وأن تدرك أن الإنسان قد يملك فرصةً ثانية في أشياء كثيرة، لكنه لا يملك دائمًا فرصةً ثانية مع أبٍ رحل أو أمٍ غابت.

ولذلك لم يكن غريبًا أن تتلاقى الرسالات والحِكم والحضارات على تعظيم الوالدين؛ لأن البرّ ليس تفصيلًا دينيًا عابرًا، بل قيمة إنسانية وُلدت مع الإنسان نفسه. وفي الإسلام، يبلغ هذا المعنى ذروته حين يضع القرآن الإحسان إلى الوالدين في الموضع الذي يليه مباشرةً الأمر بعبادة الله وتوحيده:

﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.

ومن هنا تبدأ الحكاية القرآنية مع الوالدين؛ حكايةٌ لم تختصرها آية واحدة، بل نسجها القرآن في كلمات قليلة، من «أُفّ» التي نهى عنها، إلى «ارحمهما» التي علّمنا أن ندعو بها.

يبدأ القرآن من الكلمة؛ لأن الكلمة، وإن بدت صغيرة، قد تكون أثقل على قلب الوالدين من أشياء كثيرة. يقول تعالى:

﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.

تأملوا: «أُفّ».

لم يقل القرآن فقط لا تضربهما، ولا تهنهما، ولا تظلمهما؛ بل ذهب إلى أدقّ كلمة يمكن أن تعبّر عن الضيق والتبرّم، فمنعها. وكأن الرسالة تقول للإنسان: إذا كان والداك قد احتملوك عندما كنت عاجزًا عن الكلام والمشي والاعتماد على نفسك، فلا تجعل عجزهما حين يكبران سببًا لتضيق بهما.

وهنا يأتي الامتحان الحقيقي للبرّ: هل نصبر عليهما كما صبرا علينا؟

فالطفل لا يعرف عدد المرات التي استيقظت فيها أمه ليلًا، ولا كم مرة أخّر أبوه راحته من أجل راحته، ولا كم خوفًا أخفياه حتى لا يصل إليه. يكبر الإنسان وهو يظن أن ما فعله والداه كان أمرًا طبيعيًا، ثم يكتشف متأخرًا أن وراء كل «طبيعي» في طفولته تضحيةً لم يكن يراها.

ولذلك لا يكتفي القرآن بالنهي عن «أُفّ»، بل ينتقل مباشرةً إلى الأمر:

﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.

فالبر ليس فقط أن تمتنع عن الإساءة؛ البر أن تستبدل القسوة بالكرامة، والجفاء باللطف، والضيق بالصبر.

ثم يرتقي القرآن بالمعنى درجة أخرى، فيقول:

﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾.

واللافت هنا أن القرآن لم يقل: اخفض لهما جناحك من الضعف، بل قال: «من الرحمة». فالابن لا يبرّ والديه لأنه عاجز أمامهما، ولا لأنه يخشى لوم الناس، بل لأنه يحمل تجاههما رحمةً تليق بما كان بينهما من حبّ وعطاء.

ثم يأتي الدعاء الذي يلخص سنوات العمر كلها:

﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.

كأن الإنسان، بعد أن يتأمل كل ما فعله والداه من أجله، لا يجد ما يردّ به ذلك الجميل إلا أن يرفع يديه إلى الله قائلًا: يا رب، ارحمهما كما رحماني حين كنت صغيرًا.

وفي موضع آخر، يفتح القرآن ذاكرة الإنسان على تعب الأم خصوصًا، فيقول:

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾.

ويقول في سورة لقمان:

﴿وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾.

إنها ليست مجرد إشارة إلى الحمل والولادة، بل دعوة إلى أن يتذكر الإنسان أصل النعمة. قبل أن يكون له بيت، كانت أمه بيته. وقبل أن يعرف العالم، كان صوتها أول عالمه. وقبل أن يستطيع أن يقول «أنا»، كان هناك أب وأم يقولان: هذا ابننا، وهذه حياتنا التي سنبذلها من أجله.

ولهذا يأتي الأمر بالشكر:

﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.

فالشكر هنا ليس كلمة تُقال، بل سلوكٌ يُرى. أن تشكر والديك يعني أن تعرف فضلهما، وأن تترجم هذا الاعتراف إلى حضور واهتمام ورحمة.

وهذه القيمة لم تكن حكرًا على الإسلام. ففي التوراة تأتي الوصية بتكريم الأب والأم ضمن الوصايا العشر: «أكرم أباك وأمك». وفي الإنجيل تتكرر الوصية بتكريم الوالدين، وتبقى رعايتهما واحترامهما من القيم الأخلاقية الأساسية في التعليم المسيحي.

أما في التقاليد البوذية، فعلى الرغم من اختلاف المنطلق الديني والفلسفي، يحضر معنى الامتنان للوالدين وردّ الجميل والرعاية، ولا سيما عندما يتقدمان في العمر.

وكأن الحضارات، على اختلاف لغاتها ومعتقداتها، تلتقي عند حقيقة واحدة: من لا يعرف الوفاء لمن أحسن إليه في بدايات حياته، يصعب أن يدّعي الوفاء لمن حوله في نهاياتها.

لكن القرآن، وهو يرفع مقام الوالدين، لا يجعل البرّ إلغاءً لعقل الإنسان أو عقيدته. فقد يحدث أن يختلف الابن مع والديه اختلافًا شديدًا، بل قد يدعوانه إلى ما لا يجوز له فعله. وهنا يرسم القرآن أرقى صور التوازن:

﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾.

حتى في الاختلاف، لا يسقط المعروف.

وهذه ربما واحدة من أجمل الرسائل التي يقولها القرآن للإنسان: قد لا تطيع، لكن لا تهن. قد تختلف، لكن لا تقسو. قد ترفض، لكن لا تكسر القلب.

فالبر أوسع من الطاعة، وأعمق من الموافقة؛ إنه حفظ الكرامة والرحمة والوفاء.

ثم تمضي الحكاية إلى اللحظة التي يخشاها كل إنسان، حين يصبح أحد الوالدين أو كلاهما ذكرى.

هناك، حين تغيب اليد التي اعتادت أن تمتدّ إليك، والصوت الذي اعتدت أن يناديك، والوجه الذي كان وجوده وحده يمنح البيت معنى آخر، لا ينتهي البرّ، وإنما يتغير شكله.

يصبح دعاءً.

ولهذا قال نوح عليه السلام:

﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾.

وقال إبراهيم عليه السلام:

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾.

وكأن القرآن يريد أن يقول لنا إن علاقة الإنسان بوالديه لا ينبغي أن تنتهي عند القبر؛ فهناك دائمًا دعاء يمكن أن يُرفع، ووفاء يمكن أن يبقى، وذكر طيب لا يموت.

لكن المؤلم أن بعض الأبناء لا يعرفون قيمة هذه الوصية إلا بعد فوات أوانها.

يؤجلون الزيارة، ويؤجلون الاتصال، ويؤجلون الجلسة، ويؤجلون الاعتذار، ويؤجلون كلمة «أحبك» أو «سامحني» أو «شكرًا»؛ ثم يكتشفون أن أكثر كلمة قسوة في الحياة ليست «لا»، بل «ليت».

ليتني جلست معه أكثر.

ليتني سمعت حديثها مرة أخرى.

ليتني لم أضق من تكرار سؤاله.

ليتني أدركت أن عتابها كان خوفًا، وأن صمته كان تعبًا، وأن قسوته أحيانًا كانت عجزًا عن التعبير عن الحب.

لهذا، فإن «أُفّ» و«ارحمهما» ليستا كلمتين متجاورتين في الآية فحسب؛ إنهما تختصران مسارًا أخلاقيًا كاملًا.

«أُفّ»: حتى الضجر ممنوع.

«قولًا كريمًا»: الكلام معهما أخلاق وعبادة.

«جناح الذل من الرحمة»: التواضع أمامهما ليس ضعفًا.

«كما ربياني صغيرًا»: تذكّر فضل السنوات التي لا تستطيع ردّها.

ثم، عندما يغيبان، يبقى ما ختمت به الحكاية: الدعاء.

وهكذا يضع القرآن الإنسان أمام حقيقة بسيطة وعميقة: قد تستطيع أن تعوّض كثيرًا مما تفقده في هذه الحياة، لكنك لا تستطيع أن تستعيد والدًا بعد موته، ولا أمًا بعد رحيلها.

فإن كانا بين يديك اليوم، فلا تؤجل البر.

وإن كانا تحت التراب، فلا تؤجل الدعاء.

لأن البرّ الحقيقي ليس ما نقوله بعد أن نفقدهما، بل ما نفعله حين كانا ما زالا ينتظران منا شيئًا.

وفي النهاية، ربما لا تحتاج حكاية البرّ كلها إلى أكثر من كلمتين: «أُفّ» التي لا يريد الله أن يسمعاها منك، و**«ارحمهما»** التي يريدك أن ترفعها لهما.

وبين الكلمتين، حياة كاملة من الحب والوفاء.

﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى