ما وراء الحدث من لندن بعيون أردنية

حين تثمر الدبلوماسية في عواصم القرار

كتب حلمي الحراحشة

من لندن، حيث أتابع المشهد السياسي البريطاني عن قرب، تبدو التحركات البريطانية والأوروبية الأخيرة تجاه إسرائيل أكثر من مجرد قرارات فرضتها تطورات الأيام الأخيرة. خلف هذه المواقف مسار سياسي طويل، تراكمت خلاله الرسائل والمواقف، وتغيرت معه حسابات عدد من العواصم المؤثرة.

وبعد حديث مع عدد من السياسيين والمهتمين بهذا الملف، خرجت بانطباع واضح بأن التحرك الدبلوماسي الذي قاده جلالة الملك عبدالله الثاني خلال السنوات الماضية كان له دور مهم في تهيئة الأرضية السياسية التي نرى بعض نتائجها اليوم.

وفي حديث خاص مع أحد السياسيين البريطانيين الذين أتابع معهم هذه الملفات عن قرب، كان لافتاً قوله إن التحركات الملكية على مدى السنوات الماضية كان لها دور كبير في الدفع بهذا الاتجاه، خصوصاً أن جلالة الملك لم يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً موسمياً، بل أبقاها حاضرة في لقاءاته مع قادة العالم وفي مختلف القمم والمؤتمرات والمحافل الدولية.

وهذه الشهادة من داخل المشهد السياسي البريطاني تستحق التوقف عندها؛ ليس لأنها مجاملة سياسية، وإنما لأنها تعكس أهمية العمل التراكمي في صناعة المواقف الدولية.

وقال لي السياسي البريطاني في سياق حديثنا إن أسبوعاً واحداً في السياسة البريطانية قد يكون وقتاً طويلاً، بسبب كثافة القرارات والأحداث والتطورات التي يمكن أن تغير المشهد بسرعة.

لكن سرعة القرار لا تعني أن القناعة التي تقف خلفه ولدت في أسبوع.

وهنا تحديداً تكمن أهمية التحرك الملكي.

فعلى مدى سنوات، ظل جلالة الملك عبدالله الثاني يضع أمام المجتمع الدولي حقيقة واضحة: لا يمكن بناء أمن مستدام في المنطقة من دون حل القضية الفلسطينية، ولا يمكن الوصول إلى سلام حقيقي من دون إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس حل الدولتين.

وفي المحافل الدولية، لم يكتفِ جلالته بتشخيص المشكلة، بل حذر بصورة متواصلة من تداعيات الاستيطان والإجراءات الأحادية الجانب ومحاولات فرض أمر واقع جديد، مؤكداً أن تجاهل حقوق الفلسطينيين سيقود إلى مزيد من التوتر، وأن استمرار هذا النهج يهدد فرص السلام والاستقرار للجميع.

وكانت قوة هذا الموقف في استمراريته؛ فالرسالة الملكية لم تتبدل بتبدل الحكومات أو تغير أولويات العواصم، ولم تكن مرتبطة بحدث واحد أو ظرف سياسي عابر. وهذا تحديداً ما يجعل من السهل اليوم تتبع خيط واضح بين التحذيرات التي أطلقت في السنوات الماضية وما نشهده من تحولات في بعض المواقف الدولية.

ومن المهم هنا التوقف عند مسألة قد لا تحظى بالاهتمام الكافي: أهمية التوثيق والأرشفة السياسية لهذا المسار.

فالتاريخ السياسي لا يُكتب فقط من خلال ما يحدث اليوم، وإنما من خلال تسلسل المواقف والوثائق والخطابات واللقاءات التي سبقت الحدث. وفي هذا السياق، تبرز اللجنة الملكية لشؤون القدس بوصفها جهة معنية بمتابعة وتوثيق وأرشفة جانب مهم من هذا الجهد المتصل بالقدس والقضية الفلسطينية وتطوراتها.

وهذا التوثيق يتجاوز مسألة حفظ الذاكرة؛ فهو يتيح للأجيال والباحثين أن يعودوا إلى الوقائع كما حدثت، وأن يقارنوا بين ما كان الأردن يحذر منه بالأمس وما أصبح العالم يواجهه اليوم.

وفي زمن تتغير فيه الأخبار خلال ساعات، تصبح الأرشفة السياسية أداة لفهم التاريخ، وليست مجرد حفظ له.

واليوم، عندما نرى بريطانيا ودولاً أوروبية تتجه إلى مواقف أكثر حزماً، فإن قراءة المشهد من زاوية اللحظة وحدها لا تكفي. فالسياسة الدولية لا تتحرك عادة بسبب تصريح واحد أو اجتماع واحد، وإنما نتيجة تراكم طويل من القناعات والضغوط والتطورات وتبدل الحسابات.

ولا يعني ذلك أن كل قرار أوروبي صدر اليوم هو نتيجة مباشرة للتحرك الأردني، فلكل دولة حساباتها ومصالحها واعتباراتها. لكن من الصعب تجاهل أن الأردن كان طوال سنوات من الأصوات الأكثر وضوحاً في التحذير من النتائج التي وصل إليها المشهد اليوم.

وهذا هو جوهر الدبلوماسية الملكية: العمل قبل أن يصبح الحدث أزمة، وشرح المخاطر قبل أن تصبح واقعاً، وبناء القناعات قبل أن تتحول إلى قرارات.

ومن لندن، أرى أن أهمية ما يحدث اليوم لا تكمن فقط في الإجراءات التي اتخذتها بريطانيا وبعض الدول الأوروبية، وإنما في التحول الذي تعكسه هذه الإجراءات في طريقة التعامل مع القضية الفلسطينية والسياسات الإسرائيلية.

ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية داخل إسرائيل، تزداد حساسية المرحلة، لأن الرسائل القادمة من الحلفاء الغربيين لم تعد تقتصر على البيانات السياسية، وإنما بدأت تأخذ أشكالاً عملية يمكن أن تدخل في حسابات صانع القرار الإسرائيلي.

وهنا تعود بنا الصورة إلى بدايتها: ما يبدو قراراً سريعاً اليوم قد يكون ثمرة سنوات من العمل الهادئ، والاتصالات، والتحذير، والإقناع.

لقد أبقى جلالة الملك عبدالله الثاني الأردن حاضراً في عواصم القرار، مدافعاً عن السلام العادل، وعن حل الدولتين، وعن القدس، وعن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

ومن لندن، وبعيون أردنية، أرى أن أفضل قراءة لما يجري اليوم هي ألا ننظر إلى الحدث منفرداً، بل إلى ما وراءه: إلى سنوات من الدبلوماسية، وإلى مواقف موثقة، وإلى رؤية ملكية سبقت كثيراً من التطورات التي نراها الآن.

فالدبلوماسية قد تتأخر ثمارها، لكنها عندما تقوم على الثبات والرؤية وطول النفس، فإنها تستطيع أن تصل في النهاية إلى عواصم القرار.

حلمي الحراحشة
كاتب ومحلل سياسي
رئيس الجالية الأردنية في بريطانيا

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى