
أوكرانيا بين استنزاف الدفاعات الجوية وتصاعد الدعم الأوروبي
هل تدخل الحرب مرحلة الحسم بالنَفَس الطويل؟
كتب أحمد سمير
تصعيد روسي متواصل يضغط على منظومة الدفاع الجوي الأوكرانية، بالتزامن مع تحرك أوروبي لإبقاء كييف قادرة على الصمود… والنرويج ترصد 85 مليار كرونة، نحو 9.2 مليار دولار، لدعم أوكرانيا في 2027
ما يحدث في سماء أوكرانيا اليوم وبعد دخولها عامها الخامس ليس مجرد تصعيد تكتيكي، بل تحول في عقيدة الحرب الروسية، موسكو لم تعد تراهن على اختراق الجبهات البرية المتجمدة، بل على إغراق الدفاع الجوي، تدخل الحرب مرحلة أكثر خطورة، لا بسبب تغير كبير على خطوط التماس فحسب، وإنما نتيجة انتقال الصراع بصورة متزايدة إلى حرب استنزاف جوية واقتصادية طويلة المدى، فروسيا تكثف استخدام المسيّرات والصواريخ لضرب العمق الأوكراني واستنزاف مخزون الدفاعات الجوية، فيما تواجه كييف معضلة مزدوجة: حماية المدن والبنية التحتية، والحفاظ في الوقت نفسه على الموارد العسكرية اللازمة للجبهة.
ويستغل الجانب الروسي نقص في صواريخ الاعتراض المتخصصة (خاصة باتريوت)، في الوقت نفسه، أكد تجمع قادة دول الشمال والبلطيق في كييف
يذكر أن التقارير الأخيرة تشير إلى حقيقة مقلقة: الإمدادات الحليفة من صواريخ الدفاع الجوي تراجعت بمقدار الثلثين في النصف الأول من هذا العام مقارنة بنفس الفترة في 2025، وفي هجوم 5 أغسطس فشلت القوات الأوكرانية في اعتراض أي من 24 صاروخاً باليستياً و4 صواريخ زيركون مضادة للسفن أطلقتها روسيا، وقبلها بأيام لم يُسقط سوى صاروخ واحد من أصل 27 صاروخاً باليستياً في 1 أغسطس بسبب نقص صواريخ باتريوت تحديداً.

الجدير بالذكر أن روسيا، التي بدأت غزوها الشامل في فبراير 2022، زادت هجماتها الباليستية في الأشهر الأخيرة محاولة استغلال نقص الدفاعات المتطورة لدى أوكرانيا. وتقديرات الاستخبارات العسكرية الأوكرانية تؤكد أن موسكو تعيد ترتيب أولويات إنتاجها للصواريخ الباليستية والمجنحة منذ أبريل 2026 لاستغلال نقص صواريخ باتريوت، في ظل أزمة إمداد عالمية تفاقمت بسبب حرب إيران.
بينما يعاني الجانب الأوكراني من أزمة وجودية في دفاعاته الجوية، مع تراجع حاد في إمدادات الصواريخ الاعتراضية من الحلفاء،وخلال الأيام الأخيرة، تعرضت كييف ومناطق أخرى لهجمات جوية متواصلة؛ وقال الرئيس فولوديمير زيلينسكي إن روسيا أطلقت نحو 1500 مسيّرة خلال أربعة أيام، بينها أعداد كبيرة من المسيّرات النفاثة التي تمثل تحدياً إضافياً للدفاعات الأوكرانية.
وفى ال 23 من أغسطس الماضي، اعلن رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره، أن الدعم الغربي لن يتراجع،فقد أعلنت النرويج تخصيص 85 مليار كرونة نرويجية (نحو 9.2 مليار دولار) لعام 2027، بنفس مستوى 2026، مع توجيه الجزء الأكبر نحو الدعم العسكري هذه المعادلة ، تتعتبرتصعيد روسي مقابل دعم غربي مستمر، تلخص المأزق الحالي: هل تستطيع أوكرانيا الصمود حتى يصل الدعم الإضافي، أم أن النقص في الدفاعات الجوية سيفرض واقعاً جديداً على الأرض؟

هل يمثل تكثيف روسيا استخدام الصواريخ الباليستية والمسيرات النفاثة تحولاً استراتيجياً أم مجرد استغلال مؤقت لنقص الاعتراضات الأوكرانية؟
التصعيد الروسي واستغلال النقص في الدفاعات الجوية
تشير التقارير إلى أن روسيا زادت بشكل ملحوظ من استخدام الصواريخ الباليستية (إسكندر- M وKN-23 وزركون) والمسيرات النفاثة (جيران-3/4/5) في يوليو وأغسطس 2026. في بعض الهجمات الكبرى، انخفض معدل اعتراض الصواريخ الباليستية إلى مستويات منخفضة جداً (في بعض الحالات واحد من كل عشرين تقريباً)، ما دفع السلطات الأوكرانية إلى التوقف عن نشر بيانات الاعتراض التفصيلية. السبب الرئيسي هو نفاد مخزون صواريخ باتريوت الاعتراضية، وهي النظام الوحيد القادر فعلياً على التعامل مع التهديدات الباليستية السريعة. روسيا تستغل هذا الفراغ بإطلاق موجات متتالية تستنزف الدفاعات وتطيل فترات الإنذار الجوي، مما يزيد الضغط على الطواقم المدنية والعسكرية ويرفع أعداد الضحايا المدنيين.
كيف تفسير التحول الروسي نحو “حرب الاستنزاف” في المجال الجوي، وما دلالات إيقاف إنتاج صواريخ “الخنجر” فرط الصوتية لصالح التوسع في صواريخ “إسكندر-M”؟
الاستراتيجية الروسية الجديدة… من “السلاح المعجزي” إلى “حرب الكم”
كشفت التطورات الميدانية عن تحول جذري في التكتيكات الروسية، تمثل في وقف إنتاج صواريخ “الخنجر” (كينجال) فرط الصوتية الباهظة الثمن، والتوسع في إنتاج صواريخ “إسكندر-M” التكتيكية الأقل تكلفة والأكثر مرونة. هذا القرار يعكس تبني روسيا لاستراتيجية “الكم مقابل النوع”، حيث أصبح الهدف هو إغراق الدفاعات الجوية الأوكرانية بوابل من الصواريخ التي تفوق قدرتها على الاعتراض.
المخابرات العسكرية الأوكرانية كشفت أيضاً عن عودة استخدام صواريخ باليستية كورية شمالية، مع نشر وحدة صواريخ كورية شمالية في غرب روسيا مجهزة بـ120 صاروخاً باليستياً. هذا التوسع في مصادر التسلح يمنح روسيا مرونة إضافية في حرب الاستنزاف، ويضع أوكرانيا أمام معادلة مستحيلة: كلما زادت وتيرة الهجمات، كلما تسارع استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية الشحيح أصلاً.
لماذا أصبحت منظومة باتريوت عنق الزجاجة الوحيد رغم تعدد أنظمة الدفاع الغربية؟
معضلة باتريوت:
أوكرانيا تمتلك طبقات دفاع جوي متنوعة، لكن الصواريخ الباليستية عالية السرعة مثل إسكندر، وزيركون، وKN-23 الكورية الشمالية لا يمكن إسقاطها إلا بباتريوت PAC-3. الرئيس زيلينسكي قال إن أوكرانيا تحتاج 300 صاروخ اعتراضي على الأقل لتجاوز الشتاء. المشكلة ثلاثية: الإنتاج الأمريكي محدود (أقل من 600 صاروخ سنوياً)، الأولوية ذهبت للشرق الأوسط، وكييف تطلب الآن ترخيص إنتاج محلي لم تحسم واشنطن قراره بعد. حتى المشاريع الأوروبية البديلة مثل مشروع Freya لشركة Fire Point الأوكرانية لن تحقق أول اعتراض ناجح قبل منتصف 2027.
انهيار الدرع الجوية الأوكراني… أرقام تدق ناقوس الخطر
المشهد الدفاعي الأوكراني يوصف اليوم بأنه في حالة “انهيار تدريجي”. فوفقاً لبيانات أوكرانية رسمية:
– في يوليو، أطلقت روسيا 195 صاروخاً باليستياً، اعترقت أوكرانيا 29 فقط (14.9%).
– في الأيام العشرة الأولى من أغسطس، سقط 70 صاروخاً باليستياً على الأراضي الأوكرانية، تم اعتراض واحد فقط.
– أنظمة “باتريوت” التي تعتبر العمود الفقري للدفاع الجوي الأوكراني، توقفت تماماً عن العمل خلال الشهر الماضي بسبب نقص الاعتراضيات.
– أوكرانيا تلقت هذا العام ثلث ما تلقت في 2025 من صواريخ اعتراضية، وأقل من ربع ما تلقت في 2023.
الأكثر إثارة للقلق هو توقف سلاح الجو الأوكراني عن نشر إحصاءات الصواريخ التي تم إطلاقها واعتراضها، وهو قرار يعكس، بحسب مراقبين، أن الأرقام لم تعد تخدم الرواية الأوكرانية، وأن الحديث عن “درع جوية” أصبح مجرد ذكرى.

إلى أي مدى يمكن أن يعوض الدعم النرويجي والدعم الأوروبي المماثل النقص الحاد في صواريخ باتريوت وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة؟
الدعم النرويجي ودلالاته
أعلن رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره خلال زيارته كييف في 23 أغسطس 2026، ضمن تجمع قادة دول الشمال والبلطيق، استمرار برنامج نانسن بمبلغ 85 مليار كرونة (نحو 9.2 مليار دولار) لعام 2027، مطابقاً لمستوى 2026. الجزء الأكبر (حوالي 70 مليار كرونة) مخصص للدعم العسكري، بما في ذلك مشتريات من الصناعة الدفاعية الأوكرانية، والباقي للدعم المدني والإنساني. هذا الالتزام يعكس إدراكاً نرويجياً بأن أمن أوروبا مرتبط مباشرة بصمود أوكرانيا، خاصة مع الحدود المشتركة مع روسيا. كما يأتي في سياق جهود أوسع لتعزيز الدفاعات الجوية الأوكرانية، بما في ذلك مساهمات سابقة في شراء صواريخ باتريوت عبر آليات الناتو.
هل الدعم الأوروبي يقرب أوكرانيا من تحقيق توازن عسكري مع روسيا؟
الدعم يرفع قدرة أوكرانيا على الصمود، لكنه لا يعني تلقائياً تحقيق تفوق عسكري.
روسيا تمتلك عمقاً جغرافياً وبشرياً وصناعياً كبيراً، كما طورت خلال الحرب قدرة واسعة على إنتاج واستخدام المسيّرات والصواريخ.
في المقابل، تمتلك أوكرانيا ميزة مهمة تتمثل في الابتكار العسكري السريع والخبرة الميدانية والتكامل المتزايد مع الصناعات الدفاعية الأوروبية.
ولهذا فإن الحرب تتحول إلى سباق بين طرفين:
روسيا تراهن على الكتلة والقدرة على الاستنزاف، وأوكرانيا تراهن على التكنولوجيا والمرونة والدعم الغربي.
وهنا تأتي أهمية التعاون النرويجي الأوكراني في مجال المسيّرات والتكنولوجيا الدفاعية، حيث وقعت الدولتان اتفاقاً لتعزيز التعاون الدفاعي وفتح المجال أمام الإنتاج المشترك وتطوير تقنيات عسكرية جديدة.
تأثير الضربات الأوكرانية العميقة على الدفاعات الجوية الروسية والمصافي في تغيير ميزان الاستنزاف طويل الأمد؟
الضربات الأوكرانية المضادة وتأثيرها على روسيا
في المقابل، تواصل أوكرانيا حملتها ضد أنظمة الدفاع الجوي الروسية (رادارات، بانتسير، بوك، إس-300/400) في المناطق الحدودية والعمق، بما في ذلك قواعد جوية في روستوف وكراسنودار والقرم. هذه الضربات تساهم في استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية الروسية، خاصة إس-300، وتجبر موسكو على إعادة توزيع الأنظمة لحماية العاصمة والمناطق الحيوية، مما يضعف التغطية في الجبهة. كما أدت الضربات على البنية التحتية النفطية إلى نقص في الوقود داخل روسيا. ومع ذلك، تظل القدرة الإنتاجية الروسية للصواريخ والمسيرات أعلى في الحجم، مما يجعل الاستنزاف سباقاً طويل الأمد.
ما الرسائل الاستراتيجية التي يحملها تجمع “تحالف الراغبين” وتعهد النرويج بـ9.2 مليار دولار في ظل الجمود السياسي الأمريكي والانتخابات المقبلة؟
تجمع الداعمين وتعهد النرويج.. رسائل سياسية أم التزامات عملية؟
يأتي اجتماع “تحالف الراغبين” في 24 أغسطس 2026 برئاسة بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وتعهد النرويج بـ85 مليار كرونة (9.2 مليار دولار) لعام 2027، ليؤكدا استمرار الالتزام الغربي بأوكرانيا رغم التحديات. لكن الأرقام تثير تساؤلات:
فالنرويج التي خصصت المبلغ نفسه عام 2026,تبرر دعمها بأنه “استثمار في أمن أوروبا”، لكن 70% من الحزمة (7.5 مليار دولار) مخصص للدعم العسكري، في وقت تعاني فيه أوكرانيا من نقص حاد في الصواريخ الاعتراضية أكثر من نقص التمويل.
هل يمكن أن يؤدي تصعيد الحرب إلى مفاوضات بدلاً من إطالتها؟
المفارقة أن التصعيد قد يؤدي إلى نتيجتين متناقضتين.
الأولى: إطالة الحرب، إذا اعتقد كل طرف أنه يستطيع تحسين موقعه العسكري قبل التفاوض.
والثانية: الاقتراب من التفاوض، إذا أصبح استمرار القتال أكثر تكلفة من التسوية السياسية.
لكن المشكلة الأساسية أن شروط التفاوض لا تزال شديدة التعقيد؛ فروسيا تريد ضمانات ومكاسب استراتيجية وإقليمية، بينما تصر أوكرانيا على سيادتها وأمنها وضمانات دولية قوية.
لذلك فإن الدعم الغربي لا يعني بالضرورة رفض المفاوضات، بل قد يكون الهدف منه منح كييف موقعاً تفاوضياً أقوى.
وهذا ما أكدته مواقف الناتو التي تربط استمرار الدعم العسكري بتمكين أوكرانيا من الدفاع عن نفسها والوصول إلى أي مفاوضات من موقع قوة.

ما السيناريو الأخطر خلال المرحلة المقبلة؟
السيناريو الأخطر هو تحول الحرب إلى دائرة تصعيد متبادل بلا سقف واضح:
روسيا تكثف الضربات الجوية ، أوكرانيا ترد بضرب العمق الروسي ، موسكو توسع نطاق أهدافها ، الغرب يزيد الدعم ، روسيا ترفع مستوى التصعيد.
وهكذا تصبح الحرب أكثر اتساعاً من دون أن يقترب أي طرف بالضرورة من تحقيق نصر حاسم.
كما أن استهداف البنية التحتية الاقتصادية والطاقة يمكن أن يفتح جبهة جديدة أكثر خطورة، لأن تأثيرها لا يتوقف عند الجبهات العسكرية، بل يمتد إلى الاقتصاد الأوروبي والأسواق والطاقة والأمن الغذائي.
تقف أوكرانيا اليوم على مفترق طرق مصيري: في الميدان، تنهار دفاعاتها الجوية تحت وطأة التحول الروسي نحو حرب الكم والاستنزاف، مع معدلات اعتراض لا تتجاوز 15% و”باتريوت” شبه معطلة. وعلى طاولة المفاوضات، تتردد واشنطن في منح تراخيص الإنتاج، بينما تستنزف المخزونات الأوروبية وتتراجع الإمدادات إلى الثلث.
وفي خضم هذه المعادلة المعقدة، تأتي التحركات الدبلوماسية – من اجتماع “تحالف الراغبين” إلى تعهد النرويج بـ9.2 مليار دولار – لتؤكد أن الدعم الغربي لأوكرانيا مستمر، لكنه يظل غير كافٍ لسد الفجوة الهائلة في المجال الجوي. فالمال وحده لا يصنع صواريخ اعتراضية، والوعود السياسية لا تعوض عن شح الإنتاج الصناعي.
الشتاء المقبل سيكون اختباراً حقيقياً لصمود أوكرانيا، ليس فقط على الجبهات العسكرية، بل في قدرتها على حماية مدنها وبنيتها التحتية من وابل الصواريخ الروسية. السؤال الحاسم الذي ينتظر إجابة: هل يدرك الغرب أن معركة الدفاع الجوي هي المعركة الحاسمة في هذه الحرب، وأن تأخير التحرك الآن قد يعني خسارة أوكرانيا لشتاء آخر، وربما للحرب بأكملها؟



