اليابان تحيي الذكرى الـ81 لإلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما
بين عهد السلام وطموحات نووية خفية. في حديقة السلام، 127 دولة تحي الضحايا ورسالة واحدة: إلغاء السلاح النووي يصطدم بفشل معاهدة عدم الانتشار وصعود لغة الترهيب
كتب أحمد سمير
لمن تقرع الأجراس؟
في الثامنة والربع من صباح السادس من أغسطس 1945، توقف الزمن في هيروشيما
وفي الساعة الثامنة والربع من صباح يوم 6 أغسطس 2026، دقت أجراس السلام في حديقة السلام التذكارية بهيروشيما، وقبلها بـ81 عاماً، وفي اللحظة نفسها، انفجرت قنبلة “الولد الصغير” الذرية على ارتفاع 600 متر فوق هذه المدينة، ماحقة نحو 140 ألف روح في لحظة، وقف خمسون ألف شخص دقيقة صمت حداداً – بينهم ضحايا القنبلة الذرية وذووهم، ورئيسة وزراء اليابان تاكايتشي سانايه، إضافة إلى ممثلين عن 121 دولة ومنطقة – وهو رقم قياسي غير مسبوق.
وبعد ثلاثة أيام، دقت الأجراس نفسها في ناغاساكي.
في 9 أغسطس، أقيم حفل تأبيني في حديقة السلام بناغاساكي بحضور ممثلين عن نحو 98 دولة ومنطقة، وعلى النقيض من هيروشيما، كان موقف عمدة ناغاساكي سوزوكي شيرو أكثر وضوحاً في “إعلان السلام” عندما ذكر صراحة أن الطائرة التي ألقت القنبلة الذرية على ناغاساكي عام 1945 كانت تابعة للقوات الجوية الأمريكية، هذا التصريح شكل تبايناً دقيقاً مع صياغة عمدة هيروشيما ورئيسة الوزراء الأكثر غموضاً،لكن بينما لم تخفت بعد أصداء أجراس السلام، برز سؤال حاد: كيف يمكن لدولة نشأت من رماد القنبلة الذرية وأقسمت “بعدم تكرار الحرب” أن يغدو خطاب قائدها في حفل التأبين مراوغاً؟ وكيف لحكومة تزعم أنها تحمل رسالة “عالم خالٍ من الأسلحة النووية” أن تسرب تقارير عن اعتزامها تعديل “المبادئ غير النووية الثلاثة”؟
وبينما يتجاوز متوسط عمر الناجين من القنبلة الذرية 86.66 عاماً، وتوشك شهاداتهم الحية على الانقراض، هل استخلصت اليابان – والعالم بأسره – حقاً العبرة من رماد هيروشيما وناغاساكي؟
وبأن الدرس لم يُستوعب بعد. أضاف المسؤولون 4393 اسماً جديداً إلى سجل الضحايا، ليصل العدد الرسمي إلى 353639، بينما يتناقص عدد الناجين (الهيباكوسا) إلى نحو 91 ألفاً، بمتوسط عمر يتجاوز 86 عاماً، في هذه اللحظة التاريخية، تتعارض دعوتان: صوت المدينة الذي يطالب بإلغاء الأسلحة النووية كـ«شر مطلق»، وصوت السياسة الذي يصر على أن الردع النووي لا يزال «نهجاً واقعياً».
الاعتماد الدولي على الردع النووي، وتتراجع فيه الثقة بين القوى الكبرى، بينما أخفقت المراجعة الأخيرة لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في الوصول إلى وثيقة ختامية للمرة الثالثة على التوالي، وفق إعلان هيروشيما للسلام.
وهنا تطرح هيروشيما السؤال الأكثر خطورة: هل تعلم العالم فعلًا من كارثة 1945، أم أن البشرية تعيد بناء البيئة السياسية والعسكرية التي يمكن أن تقود إلى مأساة نووية جديدة؟
هل لا يزال الردع النووي «ضمانة أمن» أم أنه أصبح مصدر خطر وجودي يُقرّب العالم من تكرار الكارثة؟
الردع النووي بين النظرية والواقع
في إعلانه للسلام، حذر عمدة هيروشيما كازومي ماتسوي بقوة من أن «التقليل من وحشية الأسلحة النووية وقبول استخدام القوة لتحقيق الازدهار الخاص يخاطر بدورات من الانتقام العنيف قد تؤدي في النهاية إلى هيروشيما أو ناغازاكي جديدة»، هذه الكلمات ليست عاطفية فحسب؛ إنها تستند إلى واقع ملموس، فالدول الكبرى ما زالت تعتبر الردع النووي أداة مشروعة، بينما فشلت مؤتمرات مراجعة معاهدة عدم الانتشار مراراً في إنتاج توافق، الردع يعتمد على فرضية أن الطرف الآخر «عاقل» ولن يستخدم السلاح، لكن التاريخ يثبت أن العواطف والأخطاء والحسابات الخاطئة موجودة دائماً. كل تصعيد إقليمي جديد يجعل هذه الفرضية أكثر ضعفا، هيروشيما تذكّر بأن السلاح النووي ليس «شراً ضرورياً» بل «شراً مطلقاً» لا يمكن أن يتعايش مع الإنسانية.
هل أصبحت الدعوة إلى إلغاء الأسلحة النووية أكثر إلحاحًا اليوم؟
نعم، وربما أكثر من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة.
فالعالم يعيش مرحلة تتسم بتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وعودة الصراع العسكري إلى أوروبا، واستمرار التوترات في آسيا والشرق الأوسط، إلى جانب تزايد الحديث عن الردع النووي باعتباره عنصرًا أساسيًا في الأمن القومي.
وتحذر الأمم المتحدة من أن منظومة الحد من التسلح تواجه ضغوطًا متزايدة، بينما تتراجع الثقة الدولية وتتزايد المنافسة العسكرية. وفي رسالته بمناسبة الذكرى الـ81، شدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على أن خفض الترسانات النووية، الذي شهد اتجاهًا طويل الأمد في العقود الماضية، بات يواجه انتكاسات، داعيًا إلى الحوار والدبلوماسية وتقليل المخاطر النووية.
المشكلة هنا أن العالم لم يعد يتعامل مع السلاح النووي باعتباره مجرد سلاح للحرب، بل باعتباره أداة للضغط السياسي والردع والتهديد غير المباشر.
وهذا تحديدًا ما يجعل الخطر أكثر تعقيدًا؛ فكلما ارتفع مستوى التوتر بين القوى النووية، أصبحت احتمالات سوء التقدير أو الخطأ في الحسابات أكثر خطورة.
كيف يمكن لليابان، الدولة الوحيدة التي عانت من القصف الذري، أن توفق بين التزامها التاريخي بمبادئ عدم امتلاك الأسلحة النووية وبين ضغوط التحالفات الأمنية وتصاعد التهديدات الإقليمية؟
: التناقض الياباني
شاركت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي في الاحتفال لأول مرة بصفتها رئيسة للوزراء، وأعادت التأكيد على المبادئ الثلاثة غير النووية (عدم امتلاك، وعدم تصنيع، وعدم إدخال الأسلحة النووية إلى الأراضي اليابانية)، وأكدت أن اليابان، بصفتها الدولة الوحيدة التي عانت من القصف الذري في الحرب، تتحمل مسؤولية العمل بلا كلل من أجل عالم خالٍ من الأسلحة النووية، عبر نهج «واقعي وعملي» في إطار معاهدة عدم الانتشار و«خطة عمل هيروشيما».
لكن هذا الخطاب يصطدم بواقع سياسي آخر، اليابان تعتمد على المظلة النووية الأمريكية، وترفض حتى الآن التوقيع على معاهدة حظر الأسلحة النووية أو حتى حضور اجتماعاتها كمراقب، رغم مطالبة الناجين والمدينة بذلك صراحة، وفي الوقت نفسه، تتصاعد داخل الدوائر الحاكمة نقاشات حول مراجعة المبادئ غير النووية أو تعزيز القدرات الدفاعية في ظل التوترات الإقليمية. هذا التناقض يضعف مصداقية الرسالة اليابانية عالمياً.
ما مستقبل رسالة الهيباكوسا في ظل تراجع أعدادهم وارتفاع متوسط أعمارهم، وهل تستطيع الأجيال الجديدة حمل الشهادة بفعالية؟
الذاكرة المحتضرة والشهادة المستمرة
يتناقص عدد الهيباكوسا بمعدل آلاف كل عام. شهاداتهم المباشرة هي أقوى حجة ضد السلاح النووي، لأنها تنقل الألم الجسدي والنفسي والإشعاعي الذي لا يمكن لأي نص أو صورة أن تنقله بالكامل. مع اقتراب هذه الشهادات من الانتهاء، ينتقل العبء إلى الأجيال الجديدة وإلى المجتمع المدني. ماتسوي دعا الشباب صراحة إلى جعل إلغاء الأسلحة النووية «أمراً بديهياً في المجتمع الدولي» وخلق بيئة لا تسمح لصناع القرار بالاعتماد على الردع. السؤال هنا ليس عاطفياً فقط، بل عملياً: هل تمتلك المؤسسات التعليمية والإعلامية والمدنية القدرة على تحويل الذاكرة إلى ضغط سياسي مستمر، أم أن الاحتفال السنوي سيتحول تدريجياً إلى طقس شكلي؟
ماذا قال إعلان السلام في هيروشيما هذا العام، وما الجديد في خطابه؟
لماذا الآن؟ لأن العالم عاد إلى منطق 1945
إعلان السلام الذي تلاه عمدة هيروشيما كازومي ماتسوي هذا العام بدأ بجملة صادمة: “حتى الآن، وبعد 81 عاماً من القصف الذري، لا نزال هنا على الأرض نرى غزوات عسكرية تستخدم الأسلحة النووية كأدوات للترهيب”.
هذه ليست استعارة، حرب أوكرانيا، تهديدات كوريا الشمالية، سباق التسلح في آسيا، وانهيار بنية ضبط التسلح، كلها جعلت ساعة يوم القيامة التي يضبطها علماء الذرة تقترب إلى 80 ثانية من منتصف الليل. هيروشيما لم تعد تذكر بماضٍ انتهى، بل بمستقبل قد يتكرر. الحضور القياسي لـ 127 دولة هو تصويت خوف.
ماذا قال إعلان السلام في هيروشيما هذا العام، وما الجديد في خطابه؟
ماذا حمل إعلان السلام الـ81؟
الوثيقة هذا العام كانت الأكثر مباشرة وغضباً منذ سنوات.
أولاً، وجهت اتهاماً صريحاً للقادة السياسيين بأن مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) فشل للمرة الثالثة على التوالي في اعتماد وثيقة ختامية، وأن المسؤولية تقع على قادة يبررون سلوكهم بإلقاء اللوم على الآخرين.
ثانياً، أعادت مركزية الإنسان. استشهد ماتسوي بقصص الهيباكوشا – الناجين -: فتاة في الـ16 ترى وجه أختها يتعفن وجمجمتها تظهر بلا شفاه، وامرأة تعرضت للقنبلة في سن الثالثة ثم أصيبت بسرطان الدم في الـ55 وعاشت في رعب دائم. هذه القصص هي السلاح الأخلاقي الأخير في معركة تُدار بالأرقام والصواريخ.
ثالثاً، خاطب الشباب بشكل مباشر: “ابنوا روابط أعمق مع أناس يملكون قيماً مختلفة عبر الحدود، وشاركوا الفرح والأحلام”. الهدف ليس مجرد تذكر، بل جعل إلغاء الأسلحة النووية “منطقاً سليماً في المجتمع الدولي” يمنع صانعي القرار من الاعتماد على الردع .
كيف تواجه اليابان تناقضها التاريخي بين كونها ضحية القنبلة وحليفة تحت المظلة النووية الأمريكية؟
اليابان هي الدولة الوحيدة التي ذاقت القنبلة، حيث لقي 70 ألف إلى 80 ألف شخص، أي حوالي 30% من سكان هيروشيما، حتفهم على الفور، ومع ذلك تعيش تحت المظلة النووية الأمريكية، هي تدعو العالم لإلغاء السلاح، لكنها لا توقع على معاهدة الحظر.
هذا التناقض لم يعد مقبولاً لعمدة هيروشيما الذي طالب الحكومة بأن “تظل واعية للمثل العليا المنصوص عليها في الدستور الياباني” وتقوم بدبلوماسية مثابرة لا تفرض تضحيات على الشعب. ومع بلوغ متوسط عمر الناجين أكثر من 86 عاماً، فإن النافذة الأخلاقية للاستماع لشهادتهم الحية تكاد تغلق.
هل يكفي الخطاب الرمزي السنوي، أم أن الإلغاء الحقيقي يتطلب خطوات سياسية ملموسة تتجاوز التصريحات؟
من الرمز إلى الفعل
الاحتفال بحضور ممثلين عن أكثر من 120 دولة ومنطقة يمنح هيروشيما منصة دولية نادرة. لكن المنصة وحدها لا تغير المعادلات. الإلغاء الحقيقي يتطلب: ضغطاً مستمراً على الدول النووية، تعزيزاً لمعاهدات الحظر، ومراجعة صادقة لسياسات التحالفات التي تربط الأمن بالردع. اليابان قادرة على لعب دور محوري إذا اختارت أن تكون جسراً حقيقياً بين تجربتها التاريخية ومطالب المجتمع المدني العالمي، لا مجرد شريك في منظومة الردع.
ظلال العصر: لماذا تأبين 2026 أكثر إيلاماً؟
1. انهيار النظام النووي العالمي
يأتي تأبين 2026 في ظل أفول عملية نزع السلاح النووي:
· في فبراير 2026، انتهت صلاحية معاهدة “ستارت الجديدة” بين أمريكا وروسيا دون تمديد.
· بين أبريل ومايو 2026، عُقد المؤتمر الاستعراضي العاشر لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في نيويورك، ولم يصدر وثيقة ختامية بسبب الخلافات بين القوى الكبرى.
· تعرّض التوازن الاستراتيجي والاستقرار العالمي لانهيار حاد، وأصبحت مسارات الحد من التسلح أكثر “تسييساً وانقساماً وتفتيتاً”.
ودعا الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش في كلمته بهيروشيما الدول إلى “استخلاص العبر من مأساة هيروشيما”، ومع تدهور البيئة الأمنية وارتفاع المخاطر النووية، شدد على ضرورة “بناء عالم لا تتكرر فيه مأساة هيروشيما من خلال الحوار والدبلوماسية والتعاون الدولي وجهود نزع السلاح”.
2. “وجهان” لليابان
الأخطر هو تناقض الموقف الياباني نفسه. فمن ناحية، تتخذ اليابان موقع “الضحية الوحيدة للقنبلة الذرية” وترفع راية إلغاء الأسلحة النووية في المحافل الدولية. ومن ناحية أخرى، تطل التيارات اليمينية برؤاها النووية الكامنة.
في يوليو 2026، صرح وزير الدفاع الياباني كويزومي شينجيرو علناً بأن على اليابان “مناقشة السياسات المتعلقة بالأسلحة النووية دون محظورات”. وأثار هذا التصريح قلقاً واسعاً. وفي هيروشيما وناغاساكي، نظم المواطنون احتجاجات عديدة عشية التأبين، لمعارضة تحركات حكومة تاكايتشي الخطيرة والدعوة إلى التمسك بمبادئ السلام. ووقعت 32 منظمة مدنية في ناغاساكي بياناً في 4 أغسطس يطالب بعدم تعديل “المبادئ غير النووية الثلاثة”، محذرة من أن كسر “المحظور النووي” سيجعل اليابان أكثر عرضة للخطر.
وحذر السفير الروسي في اليابان من أن تخلي اليابان عن مبادئها غير النووية “سيُردي البيئة الأمنية في آسيا والمحيط الهادئ، وسيستدعي إجراءات مضادة من دول المنطقة
بين الذاكرة والنسيان:
مضت 81 سنة. نهضت مدن حديثة من فوق أنقاض هيروشيما وناغاساكي، وما زالت الزهور تنمو أمام النصب التذكاري. لكن بينما كان ناجٍ يبلغ من العمر 83 عاماً – كان عمره عامين فقط يوم القصف – يدعو في حديقة السلام، وتنظيمات الناجين تطالب الحكومة بالتوقيع على معاهدة حظر الأسلحة النووية، وناجية تبلغ 85 عاماً تتعلم الإنجليزية بجهد وتستخدم الذكاء الاصطناعي لـ”تخليد” ذاكرتها – كل ذلك تذكير للعالم بأن درس هيروشيما ليس إرثاً من الماضي، بل تحذير للمستقبل.
لكن في اليوم نفسه، وفي الوقت الذي تنحني فيه الحكومة نفسها حداداً، تترك الباب مفتوحاً لتعديل “المبادئ غير النووية الثلاثة”. إنها تنعي ضحايا القنبلة الذرية، وفي الوقت ذاته تفتح ثغرة لإمكانية التسلح النووي.
عندما يرحل آخر ناجٍ من القنبلة الذرية، وتأخذ شهاداتهم معهم – من سيحرس ذكرى هيروشيما وناغاساكي؟ وعندما تبدأ الدولة التي تسمي نفسها “الضحية الوحيدة” في التزعزع بشأن التزامها بـ”اللاعنف النووي” – فكم سيبقى صدى أجراس السلام يتردد في العالم؟

