فلسطين وسوريا والسودان: مثلث النزيف العربي

التحولات داخل العالم العربي من إدارة الدول إلى إدارة الكوارث

كتب أحمد سمير

لم يعد العالم العربي يعيش حالة استثناء مؤقتة، بل دخل في مرحلة تراكمية من التفكك وإعادة الترتيب،فما نشهده من توترات مستمرة في فلسطين وسوريا والسودان ليس مجرد حروب تقليدية أو أزمات عابرة، بل هو تعبير عن انفجار النموذج الكلاسيكي للدولة الوطنية العربية، وعن تحول في طبيعة الصراع من صراع بين دول إلى صراع داخلي ممتد وإقليمي متشابك، هذه البؤر الثلاث — رغم اختلاف سياقاتها التاريخية والسياسية — تشترك في ملامح أساسية: هشاشة المؤسسات، تداخل الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، انهيار الاقتصادات، وتآكل النسيج الاجتماعي، في مقابل هذا المشهد الانهياري، نشهد تحولات كبرى داخل العالم العربي: إعادة تعريف لمفهوم الأمن القومي، تراجع الدور العربي الجامع، صعود قوى إقليمية غير عربية (تركيا، إيران)، وتحولات في علاقة المواطن بالسلطة.
فمنذ منتصف عام 2026، نجد مرحلة تحولات عميقة ومؤلمة، تتسم بتوترات مستمرة في بؤر الصراع الرئيسية: غزة، سوريا، والسودان. هذه الصراعات ليست منعزلة، بل مترابطة جيوسياسياً واقتصادياً وإنسانياً، وتعكس إعادة رسم خريطة المنطقة تحت تأثير عوامل خارجية (مثل الدور الأميركي والإسرائيلي والإقليمي) وعوامل داخلية (انقسامات طائفية وعرقية وصراعات على السلطة).
من الدولة المركزية إلى الدولة الضعيفة : شهدت غزة (بعد 2007)، وسوريا (منذ 2011)، والسودان (منذ 2019 بشكل متصاعد) تفككاً للاحتكار الرسمي للسلاح والعنف، وظهور كيانات موازية (حماس، قوات سوريا الديمقراطية، قوات الدعم السريع)، مما حوّل الدولة إلى مجرد غطاء قانوني أو ساحة تنافس.
في غزة، لم يعد الصراع مقتصرًا على مواجهة عسكرية بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لمكانة القضية الفلسطينية في النظام العربي الجديد، ولمدى قدرة الدول العربية على صياغة موقف جماعي متماسك في ظل الانقسامات السياسية والاستقطابات الإقليمية.
منذ 2 مارس 2025 تفرض إسرائيل حصارا كاملا أوقف المساعدات تقريبا، ومع عودة التصعيد في 18 مارس نزح أكثر من 436,000 شخص مجددا حتى 13 مايو.
فى نفس السياق أصبحت 71% من مساحة القطاع مناطق عسكرية إسرائيلية أو خاضعة لأوامر إخلاء، ما يدفع 2.1 مليون إنسان للتكدس في 35% فقط من الأرض،وقد حذرت الأمم المتحدة من أن جميع السكان يواجهون انعدام أمن غذائي حاد بين مايو وسبتمبر 2025، ونصف مليون شخص يواجهون المجاعة فعليا، مع توقع حاجة 71,000 طفل لعلاج سوء التغذية الحاد،المدارس والمستشفيات لم تعد ملاذات: ثلاث مدارس تؤوي نازحين قصفت خمس مرات بين 7 و12 مايو، ومستشفى ناصر والأوروبي في خان يونس استهدفا في يوم واحد.
فالبرغم الهدنة الهشة، تستمر الانتهاكات والضربات الإسرائيلية المتقطعة، مع سيطرة إسرائيلية جزئية واسعة على الأرض، وأزمة إنسانية كارثية (دمار هائل، نزوح، مجاعة، وأكثر من 70 ألف قتيل فلسطيني منذ 2023). الوضع يختبر قدرة الوسطاء الدوليين ويكشف هشاشة أي “سلام” بدون حل جذري.
سوريا: ما بعد الأسد ليس ما بعد الاستبداد :
أما سوريا، فبعد أكثر من عقد على الحرب، تبدو وكأنها انتقلت من مرحلة الصراع المفتوح إلى مرحلة “تجميد النزاع”، حيث تتصارع القوى الدولية والإقليمية على النفوذ والخرائط الاقتصادية والأمنية، بينما تحاول دمشق استعادة موقعها العربي تدريجيًا رغم استمرار العقوبات والانقسامات الداخلية.
فبعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024 بعد أكثر من 50 عاما من حكم البعث، وشكلت في 29 مارس 2025 حكومة انتقالية بقيادة أحمد الشرع لتدير البلاد خمس سنوات حتى دستور دائم. هذا التحول لم ينتج استقرارا: الحكومة واجهت صعوبات توحيد البلاد، وتعقيدات مصالحات اصطدمت بتوترات طائفية، وفي مارس 2025 اندلعت أعمال عنف في الساحل السوري قتل فيها 1,400 شخص.
وفى ظل التوترات الطائفية (مجازر ضد العلويين والدروز)، صراعات مع قوات SDF الكردية، تدخلات إسرائيلية، وتحديات إعادة الإعمار وسط اقتصاد منهار. العنف انخفض نسبياً لكنه مستمر محلياً.
التحدي الخارجي أعاد تعريف السيادة: إسرائيل نفذت أكثر من 1,000 غارة جوية منذ سقوط النظام، مع توغلات برية واسعة في الجنوب خرقا لاتفاق 1974،الاقتصاد يتحرك ببطء: استثمارات معلنة بـ 28 مليار دولار، لكن التقديرات تتحدث عن حاجة 250-300 مليار لإعادة الإعمار، وسوريا ما زالت في “مرحلة استقرار لا تعاف”.
على الرغم من ذلك لكن سوريا لا تزال مقسمة عمليًا إلى مناطق نفوذ متعددة:
نفوذ روسي في الساحل ومناطق النظام.
نفوذ إيراني عسكري وأمني واسع.
وجود تركي في الشمال.
دعم أميركي لقوات كردية شرق الفرات.
وهذا يعني أن الدولة السورية لم تستعد سيادتها الكاملة، وأن أي تسوية مستقبلية ستظل مرتبطة بتفاهمات دولية أكثر من كونها حلًا داخليًا خالصًا.
وفي السودان، تتحول الحرب من صراع على السلطة إلى تهديد مباشر لوحدة الدولة نفسها، وسط مخاوف من تفكك مؤسساتها وامتداد الفوضى إلى العمق الإفريقي والعربي، في وقت تتزايد فيه التدخلات الخارجية والمصالح المتشابكة.
لتصبح الحرب فى السودان آلية وتكنولوجية ،النزاع بين الجيش وقوات الدعم السريع تحول من معركة خرطوم إلى حرب متعددة الجبهات في دارفور وكردفان والنيل الأزرق،ح الطائرات المسيّرة أصبحت القاتل الأول: 80% من وفيات المدنيين بين يناير وأبريل 2026 سببها الدرونز، مع مقتل 880 مدنيا على الأقل، و26 مدنيا قتلوا في 8 مايو وحده في القوز قرب الأبيض.
الكارثة الإنسانية هي الأكبر عالميا: 12 مليون نازح، و30.4 مليون يحتاجون مساعدات بحلول سبتمبر 2025، و33 مليون يواجهون خطر المجاعة مع دخول الحرب عامها الرابع. الدولة لم تنهار فقط، بل انقسمت فعليا بين شرق يسيطر عليه الجيش وغرب تسيطر عليه الدعم السريع.
ومع دخول السودان عامها الرابع، الحرب الأهلية بين الجيش (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF) تدخل في كارثة إنسانية غير مسبوقة (ملايين النازحين، مجاعة، عنف جنسي، وأكثر من 30 مليون بحاجة لمساعدات)، السيطرة المتبادلة على مناطق تجعل الحل السياسي بعيداً.
القواسم المشتركة للتحول العربي:
تفكك احتكار العنف: الدولة لم تعد الفاعل الوحيد، بل ميليشيات، حركات انتقالية، وجيوش أجنبية.، تدويل الأزمة كأداة بقاء: غزة تعتمد على قرار مجلس الأمن، سوريا على رفع العقوبات الأميركية، السودان على مؤتمرات المانحين (1.3 مليار يورو تعهد بها في 2026). الشرعية تنتقل من الانتخابات إلى إدارة الكارثة: من يوزع الخبز أو يوقف الدرونز يكسب الشرعية أكثر ممن يرفع الشعارات.

التأثير الإقليمي: هذه الصراعات تعزز من صعود تحالفات جديدة (مثل مصر-السعودية-تركيا-باكستان) وتكشف ضعف التنسيق العربي، مع تأثير المنافسة الدولية (أميركا، إيران، روسيا، تركيا).
تدويل الصراعات وانكشاف السيادة العربية: أصبحت كل بقعة من هذه البؤر مسرحاً لتدخلات إقليمية ودولية مباشرة (إيران وروسيا وتركيا في سوريا، قطر وتركيا وإيران في غزة، الإمارات والسعودية ومصر في السودان)، هذا التدويل يعكس انكشاف السيادة العربية وضعف آليات العمل العربي المشترك.
اقتصاد الحرب كبديل عن التنمية: تحولت غزة وسوريا والسودان إلى اقتصادات كسب فساد، حيث يصبح إدامة التوتر مصدراً لتمويل الفصائل والميليشيات والنخب العسكرية- التجارية، ما يجعل الحلول السياسية غير جاذبة لهذه الأطراف المستفيدة، التحولات في الهوية والولاء: حلّ الولاء للطائفة، العشيرة، الحزب، أو الجماعة المسلحة محل الولاء الوطني في سياقات متباينة.
في سوريا الطائفية، في السودان القبلية- العسكرية، في غزة الفصائلية- المقاوم، هذا التفكك الهوياتي يصعّب أي مشروع وطني جامع.
إعادة تشكل النظام الإقليمي من أسفل: لم تعد التحولات العربية تُقرأ فقط من خلال القمم والجامعة العربية، بل من خلال تحالفات ميدانية وسياسية جديدة: التطبيع مع إسرائيل كخيار استراتيجي، التحالف السعودي-الإيراني بعد 2023 كعامل تهدئة نسبية، وبروز محور إقليمي جديد حول التفاهم التركي- القطري- الإيراني في مناطق النفوذ.

صعود البراغماتية العربية الجديدة:
خلال السنوات الأخيرة، اتجهت عدة دول عربية نحو سياسات أكثر براغماتية تقوم على “إدارة المصالح” بدلًا من الاصطفافات الأيديولوجية التقليدية.
ظهر ذلك في: المصالحات العربية المتبادلة، الانفتاح على إيران رغم استمرار الخلافات، توسيع العلاقات مع الصين وروسيا، التركيز على الاقتصاد والطاقة والاستثمارات.
هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن المنطقة دخلت عصر “تعدد المحاور”، وأن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية لم يعد كافيًا أو مضمونًا.
تراجع مفهوم الدولة المركزية التقليدية:
الأزمات الممتدة في غزة وسوريا والسودان، إلى جانب أزمات أخرى في المنطقة، كشفت هشاشة مفهوم الدولة الوطنية في العالم العربي.
ففي كثير من الحالات أصبحت:
الميليشيات تنافس الجيوش.
الولاءات الطائفية أو القبلية تتفوق على الهوية الوطنية.
الاقتصاد الموازي يتغلب على مؤسسات الدولة الرسمية:
وهذا يطرح سؤالًا خطيرًا حول مستقبل الدولة العربية نفسها: هل تتجه نحو إعادة البناء، أم نحو نماذج “الدولة الضعيفة” طويلة الأمد؟
تدويل الصراعات وانكشاف السيادة العربية: أصبحت كل بقعة من هذه البؤر مسرحاً لتدخلات إقليمية ودولية مباشرة (إيران وروسيا وتركيا في سوريا، قطر وتركيا وإيران في غزة، الإمارات والسعودية ومصر في السودان). هذا التدويل يعكس انكشاف السيادة العربية وضعف آليات العمل العربي المشترك.
اقتصاد الحرب كبديل عن التنمية: تحولت غزة وسوريا والسودان إلى اقتصادات كسب فساد، حيث يصبح إدامة التوتر مصدراً لتمويل الفصائل والميليشيات والنخب العسكرية- التجارية، ما يجعل الحلول السياسية غير جاذبة لهذه الأطراف المستفيدة.
التحولات في الهوية والولاء: حلّ الولاء للطائفة، العشيرة، الحزب، أو الجماعة المسلحة محل الولاء الوطني في سياقات متباينة. في سوريا الطائفية، في السودان القبلية- العسكرية، في غزة الفصائلية-المقاومة. هذا التفكك الهوياتي يصعّب أي مشروع وطني جامع.
إعادة تشكل النظام الإقليمي من أسفل: لم تعد التحولات العربية تُقرأ فقط من خلال القمم والجامعة العربية، بل من خلال تحالفات ميدانية وسياسية جديدة: التطبيع مع إسرائيل كخيار استراتيجي، التحالف السعودي- الإيراني بعد 2023 كعامل تهدئة نسبية، وبروز محور إقليمي جديد حول التفاهم التركي- القطري- الإيراني في مناطق النفوذ.

ما هي الأسباب الجذرية للتوترات في غزة وسوريا والسودان؟
الأسباب تتنوع بين الصراعات السياسية، الفقر، وانعدام الأمن. في غزة، الحصار الإسرائيلي والاحتلال المستمر هما العاملان الرئيسيان. في سوريا، النزاع المسلح الذي بدأ عام 2011 أدى إلى تفكك الدولة. أما في السودان، فتتداخل النزاعات القبلية والسياسية مع الأزمات الاقتصادية.
كيف تؤثر هذه الأزمات على الاستقرار الإقليمي؟
الأزمات في هذه الدول تؤدي إلى تفشي الفوضى وعدم الاستقرار، مما يؤثر على الدول المجاورة. على سبيل المثال، النزوح الجماعي من سوريا إلى الدول الأوروبية، وتأثير النزاع في السودان على دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان.

ما هو دور المجتمع الدولي في معالجة هذه الأزمات؟
رغم وجود جهود دولية، إلا أن الفشل في تحقيق السلام المستدام يعود إلى عدم وجود إرادة سياسية قوية. في غزة، تظل الوساطات غير فعالة، وفي سوريا، تفتقر الجهود إلى التنسيق بين القوى الكبرى. أما في السودان، فإن المجتمع الدولي يواجه تحديات في فرض العقوبات الفعالة.
كيف أثرت التوترات في غزة على الديناميكيات الإقليمية الأوسع في العالم العربي، خاصة في سوريا والسودان؟
شكلت حرب غزة محفزاً لإعادة الاصطفافات، أدت إلى تصعيد إقليمي شمل ضربات متبادلة مع إيران وحلفائها، مما أثر على سوريا بعد سقوط الأسد (حليف إيران)،في سوريا، أتاحت الفراغ الأمني تدخلات إسرائيلية مستمرة، بينما أدى التركيز الدولي على غزة إلى تهميش الجهود في السودان. اقتصادياً، أدى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء إلى تفاقم الأزمات في دول عربية أخرى. سياسياً، عززت من “صحوة” شعبية عربية ضد التطبيع، مما يضغط على الأنظمة لتبني مواقف أكثر صلابة، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن انقسام بين “محور المقاومة” المتآكل ودول خليجية تسعى للاستقرار الاقتصادي مع الغرب، هذا يعمق التحول نحو “سلام مسلح” هش، حيث تتحكم إسرائيل جزئياً في المشهد دون حل سياسي شامل.2ac8ac
ما هي التحديات الرئيسية أمام التحول السياسي في سوريا، وكيف ترتبط بالتوترات في غزة والسودان؟
التحدي الأكبر هو بناء دولة شاملة في ظل انقسامات طائفية وعرقية عميقة (علويون، دروز، أكراد)، مع مخاوف من عودة داعش أو تصعيد تركي- كردي.

الحكومة الانتقالية تواجه صعوبة في دمج المؤسسات والسيطرة على الموارد (نفط، حدود). ارتباطاً بغزة: الفراغ السوري سمح بتعزيز النفوذ الإسرائيلي، مما يعكس نمط “الأمن أولاً” الإسرائيلي. أما السودان فيوضح مخاطر الصراعات على السلطة بين فصائل مسلحة، حيث يمكن أن تؤدي الفوضى إلى تقسيم فعلي للبلاد. النجاح في سوريا يعتمد على دعم عربي-دولي (رفع عقوبات، إعادة إعمار)، لكنه مهدد باستمرار التوترات الإقليمية الناتجة عن غزة.

لماذا فشلت الجهود الدولية في وقف الحرب في السودان، وما تأثير ذلك على الاستقرار العربي العام؟
الفشل يعود إلى تعقيد الصراع (صراع سلطة بين جنرالين، تدخلات خارجية من الإمارات، مصر، السعودية، روسيا)، استخدام الطائرات بدون طيار، والجرائم الوحشية (إبادة جماعية محتملة في دارفور). التركيز الدولي على غزة وأوكرانيا أدى إلى “نسيان” السودان، رغم كونه أكبر أزمة إنسانية. التأثير: يهدد أمن الدول المجاورة (نزوح، أسلحة، إرهاب)، يضعف “سلة الغذاء العربية”، ويعزز من نمط “الدول الفاشلة” الذي ينتشر في المنطقة. يدفع نحو تحالفات إقليمية جديدة لدعم الجيش السوداني، لكنه يكشف عجز الجامعة العربية.

هل تمثل هذه التوترات نهاية لـ”الربيع العربي” أم بداية لمرحلة جديدة من إعادة التشكيل؟
تمثل مزيجاً: نهاية للأوهام الثورية السابقة، وبداية لتحولات براغماتية، سقوط الأسد يعيد الأمل في التغيير، لكنه يحذر من مخاطر الفراغ. في غزة والسودان، يبرز فشل النماذج العسكرية/الإيديولوجية. النتيجة المحتملة: صعود قوى إقليمية (مصر، السعودية) تسعى لتوازن مع إسرائيل وإيران، مع تركيز على الاقتصاد والأمن بدلاً من الأيديولوجيا، لكن بدون حلول سياسية شاملة وحوكمة رشيدة، قد يؤدي ذلك إلى مزيد من التفتت.

لماذا تحولت المجاعة في غزة من نتيجة جانبية إلى أداة سياسية مركزية؟
لأن الحصار الكامل منذ مارس 2025 جعل الغذاء سلاحا أدق من القصف. إسرائيل لا تحتاج لاحتلال كل شارع عندما تستطيع التحكم بثلاثة معابر. الأمم المتحدة تصف الوضع بأنه “خطر مجاعة مرجح بقدر متزايد”، ليس بسبب نقص الغذاء عالميا، بل بسبب قرار سياسي بمنع دخوله. هذا يحقق هدفين: ضغط على حماس لإطلاق الرهائن، ودفع السكان نحو مناطق ضيقة يسهل السيطرة عليها عسكريا. المفارقة أن وقف إطلاق النار السابق في يناير-مارس 2025 أظهر أن التحسن الإنساني ممكن خلال أسابيع، ما يعني أن التدهور الحالي مقصود وليس حتميا. غزة أصبحت مختبرا لما يسميه خبراء القانون الدولي “العقاب الجماعي الممنهج”، حيث التجويع ليس عرضا بل استراتيجية.

هل سقوط الأسد في سوريا يعني نهاية الاستبداد أم إعادة إنتاجه بوجه إسلامي- براغماتي؟
السقوط أنهى عائلة، لم ينه بنية. حكومة أحمد الشرع، القادم من هيئة تحرير الشام، تواجه معضلة الشرعية المزدوجة: تحتاج اعتراف الغرب لرفع العقوبات وجلب الاستثمار، وتحتاج قبول الداخل المتنوع طائفيا. لذلك تبنت خطابا انتقاليا مدته خمس سنوات، لكنها في نفس الوقت واجهت انتكاسة دموية في الساحل، وسمحت باستمرار خطاب أمني مركزي. الخطر ليس في شخص الشرع، بل في غياب مؤسسات حقيقية: لا دستور، لا برلمان منتخب، لا جيش موحد، بينما إسرائيل تملأ الفراغ الأمني بأكثر من ألف غارة.

التجربة تشبه ما بعد 2011 في مصر وليبيا: إسقاط الرأس يترك الجسد الأمني والاقتصادي يبحث عن رأس جديد. إذا لم تبن عدالة انتقالية حقيقية ومصالحة لا تقوم على التسويات الأمنية فقط، فإن سوريا تنتقل من استبداد بعثي إلى استبداد انتقالي مبرر بالخوف من الفوضى.

هل يمكن للسودان أن ينجو كدولة موحدة أم أن التقسيم الوظيفي أصبح أمرا واقعا؟
المؤشرات تقول إن السودان يعيش تقسيما فعليا دون إعلان. الجيش يسيطر على الشمال والوسط وبورتسودان، الدعم السريع يسيطر على دارفور وأجزاء واسعة من كردفان، وحميدتي يتحدث عن قتال “حتى 40 عاما”. هذا ليس خطاب تفاوض، بل خطاب بناء كيان مواز. التكنولوجيا عجلت التفكك: الدرونز تسمح لكل طرف بضرب عمق الآخر دون الحاجة للسيطرة البرية الكاملة، ما يطيل الحرب ويقلل كلفة الاستمرار. الحل العسكري مستحيل، والتسوية الدولية تتعامل مع السودان كملف إنساني لا كدولة. الإنقاذ الوحيد هو هندسة ما بعد الحرب الآن، وليس بعد انتهائها: اتفاق على إدارة موارد مشتركة (الذهب، ميناء بورتسودان)، وقوة حفظ سلام إقليمية حقيقية، ومحاسبة على جرائم الحرب لمنع تكرار دورة الإفلات من العقاب التي أشعلت 2023. بدون ذلك، السودان سيصبح يمنا آخر: دولة واحدة على الخريطة، وحكومتان أو ثلاث على الأرض.

ما القاسم الأعمق بين غزة وسوريا والسودان رغم اختلاف السياقات؟
الثلاثة يكشفون نهاية “الدولة الريعية العربية” التي كانت تشتري الاستقرار بالدعم الخارجي أو الموارد. في غزة، السلطة بلا موارد وتعتمد على المساعدات، فانهارت عند أول حصار. في سوريا، الدولة النفطية-الأمنية انهارت مع العقوبات والحرب، فلم تجد بديلا إنتاجيا. في السودان، دولة ما بعد البشير لم تبن اقتصادا، فتمول الحرب بالذهب والمرتزقة. النتيجة: المواطن لم يعد يرى الدولة كحام، بل كخطر أو كغائب. هذا يفسر صعود الهويات الفرعية: العشيرة في السودان، الطائفة في سوريا، العائلة الممتدة في غزة. التحول الحقيقي هو أن الشرعية لم تعد تأتي من فوق (انقلاب أو انتخابات شكلية)، بل من القدرة على توفير الحد الأدنى من الحياة.

أين العرب الرسميون من هذا المثلث؟
الدور العربي انتقل من الوساطة إلى إدارة الاحتواء. السعودية وقطر وتركيا تستضيف مباحثات سوريا، مصر تتأثر مباشرة بأزمة السودان بسبب 10 ملايين نازح وخطر البحر الأحمر، والأردن ومصر يحملان عبء غزة إنسانيا. لكن لا توجد رؤية عربية جماعية. كل دولة تتعامل مع الأزمة كخطر حدودي، لا كفرصة لإعادة بناء نظام إقليمي. غياب مشروع عربي واضح ترك الفراغ لإسرائيل، إيران، تركيا، الإمارات، وروسيا وأمريكا. النتيجة: العرب يدفعون كلفة اللاجئين والغذاء والأمن، بينما القرارات الكبرى تصنع في واشنطن وتل أبيب وموسكو.

هل نحن أمام نهاية نموذج الدولة القطرية كما عرفناه في المشرق والسودان، أم أن ما يحدث هو أزمة انتقالية نحو دولة جديدة مختلفة؟

لا يمكن القول ببساطة إن الدولة القطرية قد انتهت، لكنها تخضع لتحول جذري، الدولة القطرية الكلاسيكية (ذات السيادة الكاملة، الجيش الوطني، الإدارة المركزية، الحدود الجامدة) ظهرت في العالم العربي بعد الاستقلال عن الاستعمار، واستندت إلى أيديولوجيات مثل القومية العربية أو الاشتراكية أو الملكيات الدستورية. هذه الدولة واجهت أزمات متكررة، لكن ما يحدث في غزة وسوريا والسودان مختلف: إنه انهيار وظيفي وليس مجرد أزمة شرعية،في سوريا، لم تعد تسيطر الدولة على أكثر من 60% من الأراضي؛ في السودان، هناك دولتان بحكم الواقع (الجيش والدعم السريع)؛ في غزة، قطاع لا تعترف حماس بسلطة الضفة،ما يظهر هو أشكال هجينة: دول فاشلة مع بقاء واجهات دولية (سوريا)، كيانات شبه دولة مستقلة (غزة)، حروب أهلية باتت بنيوية (السودان)، لكن المقابل ليس بالضرورة نهاية الدولة، بل ربما انتقال إلى نمط “الدولة العسكرية-الميليشياوية” أو “الدولة التفاوضية” حيث يتقاسم السلطة فاعلون غير رسميين تحت سقف رمادي من السيادة،هذا قد يكون أخطر من انهيار الدولة، لأنه يخلق استقراراً زائفاً مستنداً إلى العنف والفساد.

كيف تفسر تزامن تصاعد التوترات في غزة (2023-2024) مع اشتداد الحرب في السودان (2023-مستمراً) رغم اختلاف السياقين؟ وهل هناك رابط هيكلي يربط بينهما؟
التزامن ليس صدفة، بل يعكس ثلاث تحولات هيكلية كبرى في النظام الإقليمي العربي منذ عام 2011، بل أكثر وضوحاً منذ 2020. أولاً: تراجع دور الولايات المتحدة كـ”شرطي المنطقة” وإعادة تموضعها نحو الصين وأوكرانيا، ما خلق فراغات أمنية تملأها إما قوى إقليمية صاعدة (إيران، تركيا) أو ميليشيات محلية. ثانياً: انكشاف فشل آليات فض النزاع العربية (الجامعة العربية، مبادرة السلام العربية) وتحولها إلى أدوات تغطية للتدخلات الخارجية بدلاً من حلول جماعية. ثالثاً: أزمة الاقتصاد السياسي العربي- ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، الديون، البطالة- جعلت الحروب وسيلة لتصدير الغضب الشعبي وتأميم الخسائر، الرابط الهيكلي الأعمق هو أن النموذج الريعي-الأمني الذي قامت عليه معظم الأنظمة العربية (نفط، مساعدات خارجية، قمع سياسي) قد استنفد قدرته على الاستجابة للصدمات. عندما انهارت الدولة السودانية تحت ضغط الإصلاحات الاقتصادية وإزالة الدعم، وعندما فشلت المقاومة المسلحة في غزة في تحقيق تحول سياسي داخلي، وعندما تعذر على النظام السوري احتواء الاحتجاجات السلمية، تحولت كل حالة إلى دوامة عنف ذاتية التغذية. باختصار، هذه البؤر ليست منعزلة بل هي فوهات بركان النظام العربي المتهالك.

ما هي طبيعة التحولات داخل العالم العربي في ظل هذه التوترات؟ هل هي تحولات نحو مزيد من الانقسام أم تظهر ملامح إقليمية جديدة قد تؤدي إلى إعادة توحيد عربي على أسس مختلفة؟
التحولات الحالية متضاربة الاتجاهات، لكن يمكن رصد ثلاثة مسارات متزامنة.
المسار الأول: الانقسام الرأسي — ازدياد الانشقاق بين دول الخليج “المركزة” (بفضل النفط، رؤى التحول، التطبيع مع إسرائيل) وبين دول الأطراف الهشة (المشرق، السودان، اليمن، ليبيا). هذا الانقسام يجعل الحديث عن “عالم عربي واحد” غير واقعي؛ هناك عالم عربي غني وعالم عربي فقير ومفكك.
المسار الثاني: التنسيق العملي دون طموح سياسي — نرى تحالفات مكافحة إرهاب، أو تنسيقاً حدودياً، أو تفاهماً على تقسيم مناطق نفوذ (كما في ليبيا وسوريا)، لكن دون مشروع سياسي طموح للوحدة. حتى الجامعة العربية أصبحت منتدى للتنسيق الأمني والإداري وليس للمشاريع النهضوية.
المسار الثالث: إعادة تعريف الانتماء العربي — الشعوب العربية، عبر وسائل التواصل والإعلام الجديد، تطور حساً عربياً موازياً عابراً للحدود، لكنه ليس قومياً بمعنى الزعيم والخطابة، بل هو شعور بالمأساة المشتركة (فلسطين، السودان) ومعارضة مشتركة للفساد والاستبداد. هذا قد يكون بذرة لإعادة توحيد من الأسفل، لكنه يواجه سياقات محلية شديدة التشرذم.
إذن، التحولات لا تذهب في اتجاه واحد: هناك تعاون إقليمي جديد ظاهر (إعادة قبول سوريا بالجامعة، المصالحة السعودية-الإيرانية، استمرار التنسيق الأمني) لكنه يحدث فوق جثث الدول المنهارة ودون معالجة أسباب الانهيار. هذا يشبه إعادة ترتيب كراسي على سفينة تغرق.
في الختام، ما يحدث في غزة وسوريا والسودان ليس مجرد “توترات مستمرة” يمكن احتواؤها بوقف إطلاق نار أو مؤتمر دولي. إنها أعراض لمرض هيكلي: فشل الدولة العربية في تقديم المواطنة، العدالة، والأمن الاقتصادي، وبروز البديل العنفي كقاعدة جديدة لإدارة الصراعات. أمام هذا المشهد، لا يكفي أن نرثي انهيار الماضي، ولا أن ننتظر قائداً عروبياً ينقذ الوضع. التحولات داخل العالم العربي اليوم — رغم كل قسوتها — تحمل فرصة نادرة لإعادة التفكير في مفهوم الدولة والسيادة والمواطنة من الصفر. السؤال الحقيقي ليس هل ستنهار الدول العربية أكثر، بل: هل يستطيع العرب (نخباً وشعوباً) اختراع نموذج جديد للحكم ما بعد الدولة-الأمة، نموذج يقوم على اللامركزية، المساءلة، والدمج الاقتصادي الإقليمي بدلاً من المركزية القمعية والريعية؟ الإجابة ليست متفائلة في الأمد القصير: فقوى الانهيار والتقسيم والتطبيع مع الاستبداد تبدو أقوى،لكن التاريخ العربي يعلمنا أن اللحظات الأكثر ظلاماً كانت تمهيداً لإعادة تشكل كبرى — وإن كان الثمن بشرياً هائلاً، العالم العربي اليوم بين مطرقة التفكك وسندان إعادة التوزيع الإقليمي، ومن يظن أن هذه الأزمات ستحل بوصفات القرن العشرين فهو واهم، القادم ليس دولة قطرية قوية ولا وحدة عربية شاملة؛ القادم هو عقود من الترقيع والتفاوض والعنف المتقطع، ما لم تحدث زلزلة فكرية سياسية تعيد تعريف السلطة والإنسان في هذا الفضاء المحترق.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى