حين تصبح المرأة وطناً: قصص التشبث بالأرض وملاحم اللجوء 

كتب محمد ع. درويش
حين تنهار الجدران وتضيق الأرض، لا يبقى من الوطن إلا قلوب الأمهات. هناك، خلف غبار المعارك، ترتسم حكايتان لامرأة واحدة: امرأة تحولت إلى وتد يتحدى الفناء لتظل الجذور حية في أرضها، وأخرى حملت دفء بيتها في حقيبة ونزحت نحو المجهول لتحمي النسل من الإبادة. كلاهما لا تدافعان عن جغرافيا، بل تصنعان من الصبر والدموع ملاذاً أخيراً للإنسانية في زمن يملؤه الشياطين.
أولاً: المرأة الصامدة.. حارسة الجذور خلف خطوط النار
تمثل المرأة الصامدة خط الدفاع الأخير عن هوية المكان، حيث تتخذ من البقاء في منزلها أو بلدتها خياراً مبدئياً رغم المخاطر:
تحدي الفناء اليومي: تعيش تحت التهديد المستمر بالقصف، وتتعايش مع فكرة الموت المفاجئ كاحتمال يومي.
إدارة الندرة الحادة: تبتكر حلولاً بدائية للطهي والتدفئة وتأمين مياه الشفة في ظل غياب الكهرباء وشبكات الإمداد.
المقاومة النفسية: ترفض إخلاء مساحتها الجغرافية لمنع تغيير ديموغرافي أو جغرافي يفرضه الواقع العسكري.
الدعم اللوجستي للمجتمع: تتحول غالباً إلى مسعفة، طاهية للمجموعات، أو معلمة لأطفال الحي الذين حُرموا من المدارس.
ثانياً: المرأة النازحة.. رحلة الشتات والبحث عن سقف بديل
على الجانب الآخر، تندفع المرأة النازحة نحو المجهول مدفوعة بغريزة حماية أطفالها، لتواجه نوعاً آخر من الموت البطيء:
صدمة الاقتلاع الأولية: تختبر مرارة خسارة الممتلكات والذكريات، وتحمل أعباء الرحلة الشاقة سيراً أو في وسائل نقل غير آمنة.
انتهاك الخصوصية: تضطر للعيش في مراكز إيواء جماعية أو خيام تفتقر لأدنى مقومات الستر والراحة الشخصية.
الأعباء الاقتصادية المستحدثة: تجد نفسها فجأة مسؤولة عن تدبير المال والغذاء في بيئة غريبة وبلا فرص عمل.
التكيف مع التهميش: تواجه أحياناً نظرة المجتمع المضيف، وتكافح لدمج أطفالها في بيئة تعليمية واجتماعية جديدة.
ثالثاً: نقاط التلاقي.. جبهة الصمود النسائي المشترك
رغم اختلاف التموضع الجغرافي، تلتقي الصامدة والنازحة في خندق واحد من المسؤوليات والسمات:
غياب المعيل المعتاد: تتصدر المرأتان المشهد كقائدات للمنزل في حال غياب الرجال بسبب القتل، الاعتقال، أو الالتحاق بالقتال.
امتصاص الأزمات النفسية: تمارس النساء دور “الإسفنجة” التي تمتص رعب الأطفال وتؤمن لهم استقراراً عاطفياً مزيفاً لحمايتهم من الصدمات.
التعرض للمخاطر الصحية: تتقاسم الفئتان المعاناة من غياب الرعاية الطبية الخاصة بالنساء، وسوء التغذية، والأمراض الناتجة عن تلوث المياه.
خاتمة وملاذ أخير:
في نهاية المطاف، ليست المرأة في ظروف الحرب مجرد رقم يضاف إلى إحصائيات الضحايا، بل هي النبض الذي يمنع انهيار ما تبقى من رماد الحياة. الصامدة تحرس بدموعها تراباً كاد ينكره أهله، والنازحة تفرش من ضلوعها وطناً بديلاً لأبنائها فوق أرصفة الشتات. إن انحناءنا لهاتين المرأتين لا ينبغي أن يكون تعاطفاً عابراً، بل اعترافاً بإنقاذ الإنسانية، فلولاهن لما بقيت أرض تنبض، ولما عاد جيل يحلم بغدٍ أفضل.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى